د. زهير هواري
بيروت 7 آب 2025 ـ بيروت الحرية
لم يكد حبر عمله السابق “الإصلاح الصعب أم المستحيل” الذي تطرق فيه إلى تجربة عمله كوزير للتربية والتعليم العالي ومحاولته انتشال التعليم في لبنان عموما والرسمي منه على وجه الخصوص ووزارة التربية والتعليم العالي مما تتخبط فيه من انهيارات، لم يكد يجف حبره بعد، حتى أصدر الدكتور حسن منيمنة كتابا جديدا عنوانه” اللاجئون الفلسطينيون في لبنان: الحقوق الإنسانية والمخاوف السياسية” وفيه يتطرق إلى عمله في رئاسة لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني في غضون السنوات الممتدة بين الأعوام 2014 – 2021، أي خلال سبع سنوات.
وتوثيق هذه السنوات من حياة اللاجئين في لبنان، ومن عمر منيمنة المهني يستحق التقدير، بالنظر إلى ما أحاط ويحيط الموضوع الفلسطيني في لبنان من إشكالات ومواقف مسبقة وايديولوجيات وحتى صور نمطية ومخاوف على مصير الكيان، يعود بعضها إلى سنوات الحرب الاهلية 1975 -1990، وما تركته من ندوب وجراحات على صفحات حياة الفريقين، وهي مستمرة كمسلمات إلى الآن بين اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء وبأشكال متنوعة. ورصد ما جرى إنجازه في غضون سبع سنوات ليس بالأمر اليسير، ولكنه لا يدخل في باب المستحيلات، خصوصا وأن الموضوع الفلسطيني ما زال حاضرا في الحياة السياسية والوطنية والاجتماعية اللبنانية والعربية والدولية اليومية بصيغ ورؤى مختلفة. فما يشهده كل من قطاع غزة والضفة الغربية من كوارث أين منها نكبة العام 1948، ولا يمكن للشعور الانساني في مشارق العالم ومغاربه أن يتجاهل حرب الإبادة وبوقائعها الدامية قتلا بأشكال القصف المجرم الذي لا يميز بين طفل وامرأة ومدني ومقاتل، وموتا من الجوع والمرض والفقر والترحال بين شمال القطاع وجنوبه. هذا على أرض فلسطين، أما في لبنان فيكفي أن نذكر مأساة العيش في المخيم، ثم إنه في غضون الأسابيع الأخيرة ومع تواتر الحديث عن تسليم حزب الله لسلاحه تنفيذا لاتفاق وقف الاعمال العدائية بين حزب الله وإسرائيل الموقع في تشرين الثاني من العام 2024، أعيد فتح ملف السلاح الفلسطيني في المخيمات بعد أن جرى تسليمه خارجها (البقاع والناعمة). ولهذه الغاية حضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان لتأكيد المؤكد الفلسطيني من أن المخيمات والشعب الفلسطيني هما تحت مسؤولية وحماية ومظلة قوانين وسيادة الدولة اللبنانية، يخضع لسلطة قواها الأمنية ويلتزم ما تمليه عليه مؤسساتها، وأن سلاحه جاهز للتسليم متى شاءت الدولة اللبنانية تتسلمه من فصائله، أو على الأقل من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
يبدأ الكتاب بإهداء من الوزير منيمنة إلى فريق عمل اللجنة، وهو فريق وإن كان عدده أقل من عشرة، الا أن الاطلاع على ما ورد في النص من قضايا عمل عليها الفريق هذا، تجعل من هذه التجربة رائدة في مجال سعيها إلى معالجة معضلات عمرها من عمر النكبة. إذ المعروف أن الدولة اللبنانية بعد حملة التضامن التي رافقت حدث التهجير القسري للفلسطينيين من ديارهم عام 1948، تخلت عن مسؤولياتها في التخفيف عن كواهل هؤلاء اللاجئين سواء أقاموا في المخيمات والتجمعات أو مع المواطنين اللبنانيين في قراهم ومدنهم. وأوكلت مهمة رعاية شؤونهم إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الاونروا، وبعض المنظمات الأممية التي تكفلت مع الوكالة بتأمين تعليمهم ورعاية صحتهم وتحسين البنية التحتية وتوفير الخدمات اليومية في المخيمات وتوفير الغذاء للفئات الأكثر هشاشة منهم.
يتألف الكتاب من ثلاثة فصول، الأول منها يتطرق إلى قرار تأسيس لجنة الحوار والمهام والدور الذي اضطلعت القيام به. وعملها ونقاشها الدؤوب مع الأطراف اللبنانية السياسية الأساسية المشاركة في المجلس النيابي والحكومات، توصلا إلى تشكيل مجموعة عمل لبنانية حول قضايا اللاجئين تولت اعداد وثيقة الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء في لبنان. التي قدمت للمرة الأولى في تاريخ لبنان تعريفا للاجئ الفلسطيني، وتفسيرا لمصطلح التوطين، والبعد السياسي السيادي والاجتماعي الثقافي والمعيشي. وكذلك للتوصيات الخمس التي توصلت إليها وقدمتها للرئيس تمام سلام دون أن تصبح بندا على جدول أعمال مجلس الوزراء، علما أنها تتعلق بجوانب إجرائية، من نوع تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي، وتأطير العلاقة مع وكالة الاونروا، وتطوير عمل لجنة الحوار، والدعوة إلى تنفيذ إحصاء شامل للاجئين الفلسطينيين في لبنان وفق معايير موضوعية ومهنية (أنجز الإحصاء عام 2017). يدخل هذا الفصل أيضا في العديد من القضايا التي مثلت عنصر قلق للفلسطيني من نوع حظر أعمال الترميم ومنع مواد البناء وغيرها من الدخول إلى المخيمات، ومسائل الهوية الممغنطة وفاقدي الأوراق الثبوتية، الذين يعانون من تعذر التنقل نتيجة فقدانهم هذه المستندات الضرورية لممارسة حياتهم العادية وللمرور على الحواجز وغيرها من أمور.
الفصل الثاني يتناول إصدارات اللجنة خلال هذه السنوات وأبرزها دون منازع كتابين تناولا القضية الفلسطينية في تطورها دوليا وعربيا ولبنانيا الأول تحت عنوان:” كلفة الأخوة في زمن الصراعات”. وأهمية هذا الجزء أنه ينسف “المقولتين” اللبنانية والفلسطينية السائدتين عن عوامل اندلاع الحرب في لبنان (الوطن البديل وتصفية القضية)، إذ يعتبرها امتداد لصراع عالمي بين المعسكرين الاشتراكي والغربي شمل المنطقة العربية كما شمل سواها من ساحات الصراع. أما الكتاب الثاني فيحمل عنوانا هو ” اللجوء الفلسطيني في لبنان: واقع العيش وإرادة التقدم”. إضافة إلى نشرة فصلية بعنوان “جسور للحوار والعودة” توزع مجانا في المخيمات، وتقرير شهري يتطرق إلى أبرز القضايا التي تعانيها القضية الفلسطينية، وما تتعرض له وكالة الاونروا من حملات تحريض من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية لوقف تمويلها وإنهاء خدماتها في المخيمات، ودمج اللاجئين الفلسطينيين في عمل المفوضية السامية للاجئين في العالم لتوطينهم في أي من الأماكن التي تقبل استقبالهم، كما يناقش ويحلل مشاريع من نوع صفقة القرن، واهداف الدعوة للتخلص من الاونروا، وذلك بهدف التنكر لما تحمله سجلاتها من مسؤولية عن حفظ ذاكرة ووثائق اللاجئين الفلسطينيين على مختلف أجيالهم منذ النكبة وإلى اليوم. وكان هذا التقرير يوزع على السفارات والهيئات الدبلوماسية والجامعات ومراكز الأبحاث والمثقفين والصحافيين والصحف. ومن دون المزيد من التفاصيل حول ما تضمنه هذا الفصل على صعيد الاوضاع الصحية في المخيمات والعلاقة مع الاونروا وكونها دولة اللاجئين، وأوضاع اللاجئين الذي قدموا من سوريا بعد التدمير الذي لحق بمخيماتهم. يتطرق الفصل الثالث والأخير إلى القضايا الحساسة التي تعني مجتمع اللاجئين في لبنان من نوع حق التملك للفلسطينيين، ومطالب الاسترداد من مالكي اراضي المخيمات لعقاراتهم، وعلاقة الوزارات والبلديات بالفلسطينيين في مخيماتهم وتجمعاتهم ومسألة توفير الخدمات لهم. أما القسم الأبرز في هذا الفصل فيتطرق إلى دور اللجنة في صقل تطلعات الشباب الفلسطيني نحو مستقبله، ومواجهة اللجنة لوباء الكورونا بدعم من دول مانحة، وكشف اللجنة عن محاولات بعض السماسرة تهجير الفلسطينيين من لبنان إلى أوروبا وأميركا الجنوبية، وما قامت به اللجنة من نشاط سياسي ودبلوماسي دعما لمهام وأدوار الاونروا ودفاعا عن ديمومتها.
دون المزيد من الغوص في تفاصيل القضايا التي تناولتها اللجنة وتطرق إليها الكتاب، يمكن القول إن عملا من هذا النوع هو بمثابة وثيقة تحدد كيف تطورت العلاقة بين اللبنانيين والفلسطينيين، وكيف نجحت الدولة اللبنانية من خلال أحد مسؤوليها في تفعيل عمل لجنة لا تتمتع بصلاحيات تقريرية، بل مجرد هيئة استشارية فقط، بعد زوال كابوس الوصاية السورية. وكيف استطاعت أن تقدم مقاربة تعبر عن مصلحة الشعبين اللبناني والفلسطيني من خلال قراءة موضوعية للواقع الفلسطيني في لبنان، خلافا للمرحلة السابقة على قيام اللجنة في العام 2005 عندما اعتبرت سلطة الوصاية السورية الشأن الفلسطيني في لبنان مجرد ورقة في سوق المساومات مع كل من أميركا وإسرائيل. ولكن ما يجب التوقف عنده هو كيف جرى احباط الجهد الذي بذلته اللجنة ومجموعة العمل اللبنانية من أجل قضايا اللاجئين الفلسطينيين. فالتوصيات التي اقرتها اللجنة بإجماع ممثلي الأحزاب اللبنانية لم تتحول إلى قوانين ومراسيم وقرارات في مجلس النواب ولدى الحكومة والوزراء، ما أدى إلى بقائها أسيرة الأدراج.
لكن الأكثر مأساوية مما ورد أعلاه يتعلق بالكيفية التي أحبطت فيها بعض الفصائل الفلسطينية محاولات اللجنة، ملاقاة جهدها اللبناني بجهد فلسطيني من مدخل ضرورة التوافق على ورقة مطالب فلسطينية موحدة. لقد أجهضت احدى الفصائل المحاولة التي بذلتها اللجنة لتشكيل مجموعة عمل فلسطينية تناقش وتتفق على قائمة مطالب تجمع بين ما يريده اللاجيء في مخيمات الجنوب والشمال. جرى ذلك لا لسبب جوهري، بل فقط من أجل حسابات فئوية. وهو ما أدى إلى خسارة صافية أطاحت بمحاولة توحيد الموقف الفلسطيني، والتقاطع مع موقف مجموعة العمل اللبنانية، توصلا إلى صياغة قائمة مطالب موحدة تندرج في النضال من أجل تحقيقها الأحزاب اللبنانية والفصائل وسكان المخيمات الفلسطينية كافة.
