سياسة مجتمع محسن إبراهيم

محسن إبراهيم في ذكرى رحيله: أسئلة الهزيمة… وضرورات الإنقاذ

زكـي طـه

بيروت 3 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

في مطلع حزيران من كل عام، تتقاطع ذكرى رحيل محسن إبراهيم مع أكثر محطات التاريخ العربي الحديث قسوة ودلالة: هزيمة حزيران 1967، واجتياح لبنان عام 1982، ومسار الانهيارات الذي تلاهما ولم يتوقف حتى اليوم. وكأن الرجل الذي أمضى حياته مشغولاً بأسئلة الهزيمة والتحرر والتغيير، اختار أن يغادر في قلب هذا الزمن العربي المثقل بالخيبات، ليبقى حضوره مرتبطاً بأسئلة المصير التي لم تفارقه يوماً.

لم يكن محسن إبراهيم قائداً حزبياً تقليدياً، ولا مجرد مفكر سياسي ينتمي إلى مرحلة مضت. كان من القلائل الذين امتلكوا شجاعة مراجعة التجارب التي ساهم بنفسه في صنعها، مع أنه لم يكن وحده من صاغها، من دون أن يتحول النقد لديهم إلى تنصل من المسؤولية أو تخلٍ عن القضايا الكبرى. ولهذا ظل استثنائياً في زمن عربي طويل من الإنكار، حيث فضّلت قوى كثيرة الاحتماء بالشعارات، أو الارتهان للماضي، أو الاستقواء بالخارج، بدلاً من مواجهة الوقائع كما هي.

ومن هنا، لا تبدو استعادة سيرته اليوم مجرد وفاء شخصي أو استذكار وجداني، بقدر ما هي حاجة فكرية ووطنية في مواجهة الانهيار الذي يطوّق لبنان وفلسطين وسوريا والمنطقة العربية بأسرها. فالرجل الذي انشغل طويلاً بمراجعة تجارب اليسار والحركة الوطنية والثورة الفلسطينية، كان يرى مبكراً أن المنطقة تتجه نحو زمن انحطاط شامل، إذا استمرت الأنظمة في إغلاق مجتمعاتها، وإذا واصلت القوى السياسية الهروب من النقد وإعادة إنتاج الأوهام ذاتها.

فلسطين بين الإبادة والانقسام

لو كان محسن إبراهيم بيننا اليوم، لما اكتفى بإدانة الحرب الإسرائيلية المفتوحة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، بوصفها حرب إبادة وتجويع وتهجير تستهدف تصفية القضية الوطنية الفلسطينية. كان سيدرك، كما أدرك دائماً، أن ما يجري يتجاوز حدود العدوان العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل المنطقة وفق الشروط الإسرائيلية ـ الأميركية، مستفيدة من انهيار النظام العربي الرسمي، ومن تفكك المجتمعات العربية، ومن الانقسام الفلسطيني نفسه.

باكراً شرأى محسن ابراهيم أن الخطر على القضية الفلسطينية لا يكمن فقط في قوة المشروع الصهيوني، بل أيضاً في تحوّل الانقسامات الفلسطينية والعربية إلى أدوات استثمار خارجي. لذلك بقي يعتبر أن وحدة الشعب الفلسطيني وقراره الوطني المستقل هما الشرط الأول للصمود، وأن تحويل القضية إلى مادة في الصراعات الإقليمية أو المذهبية لا يؤدي إلا إلى استنزافها وإضعاف قوى شعبها.

واليوم، في ظل الحرب المفتوحة على الوجود الفلسطيني نفسه، تبدو تلك الخلاصات أكثر قسوة وراهنية. فإسرائيل لا تخوض معركة حدود أو أمن، بل معركة اقتلاع سياسي وديموغرافي وتاريخي، مستفيدة من اختلال ميزان القوى الدولي، ومن صمت عربي يتراوح بين العجز والتواطؤ والتطبيع، ومن انشغال المجتمعات العربية بأزماتها الداخلية وصراعاتها الوجودية.

ومع ذلك، تبقى فلسطين، كما كان يراها محسن إبراهيم، القضية الأكثر قدرة على إنتاج المعنى والأمل وسط هذا الخراب، لأن شعبها لا يزال يقاوم على أرضه، ويتمسك بحقه في وطنه، ويرفض شطب قضيته من التاريخ.

سوريا… من الاستبداد إلى التفكك

كان محسن إبراهيم من أوائل الذين أدركوا خطورة المسار الذي دخلته سوريا منذ عقود. لم ينظر إلى الاستبداد بوصفه مجرد خلل سياسي قابل للإصلاح، بل باعتباره بنية تدميرية تدفع المجتمعات نحو الانفجار عاجلاً أم آجلاً. ولذلك لم يفاجأ بما انتهت إليه الانتفاضة السورية من حرب أهلية مفتوحة، وتدخلات إقليمية ودولية، وتقاسم نفوذ، وخراب شامل.

لقد تحولت سوريا، التي شكلت ركناً أساسياً في المشرق العربي، إلى ساحة صراعات متشابكة بين قوى الاحتلال والنفوذ الخارجي، فيما توزع مجتمعها بين النزوح واللجوء والانقسام والخوف. أما الدولة التي رفعت لعقود شعارات الصمود والممانعة، فقد انتهت إلى نموذج صارخ عن تآكل الدولة الوطنية العربية حين تتحول السلطة إلى غاية قائمة بذاتها.

ولم تكن المأساة السورية، في نظره معزولة عن المأزق العربي العام، فالحروب الأهلية التي انفجرت في أكثر من بلد عربي لم تكن قدراً تاريخياً، بل نتيجة مباشرة لانغلاق أنظمة الاستبداد، وعجز القوى السياسية عن إنتاج بدائل ديمقراطية حديثة، واستسهال الخارج تحويل المجتمعات العربية إلى ساحات مفتوحة للصراعات والنفوذ.

لبنان… الوطن المعلّق على حافة الانهيار

أما لبنان، فقد كان قلق محسن إبراهيم عليه عميقاً واستثنائياً. كان يدرك أن الأزمة اللبنانية ليست أزمة حكومات أو رئاسات أو توازنات طائفية عابرة، بل أزمة كيان ودولة ونظام ومجتمع في آن واحد. وكان يرى أن أخطر ما أصاب اللبنانيين هو تحوّل الطائفية من بنية سياسية مأزومة إلى ثقافة شاملة تتحكم بالعلاقات والمصالح والولاءات، وتعيد إنتاج الانقسام بصورة دائمة.

واليوم يبدو لبنان أقرب من أي وقت مضى إلى تحقق أكثر المخاوف التي حذر منها:  حرب اسرائيلية مدمرة،  مسار مفتوح من القتل والاقتلاع والتهجير، شروط إخضاع وسيطرة. دولة شبه منهارة، اقتصاد مدمّر، مؤسسات مشلولة، مجتمع يزداد تفككاً وفقراً وهجرة، وسلطة عاجزة عن إنتاج أي أفق إنقاذي. أما القوى الطائفية التي تتقاسم البلد، فما تزال تدير صراعاتها بعقلية الغلبة والاستقواء بالخارج، فيما تُترك أكثرية اللبنانيين لمصيرها وسط الانهيار.

وفي قلب هذا المشهد، يعود السؤال الذي شغل محسن إبراهيم طويلاً: كيف يمكن بناء وطن نهائي لجميع أبنائه في ظل استمرار النظام الطائفي واستحكام العصبيات والانقسامات؟ وكيف يمكن إنقاذ لبنان واستعادة سيادته من دون إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الجامعة، ولدور السياسة بوصفها شأناً عاماً لا مجرد إدارة لمصالح الطوائف؟

لقد كان واضحاً في مراجعاته النقدية: لا خلاص للبنان بالحروب الأهلية، ولا بالرهان على الخارج، ولا بالاستقواء بالسلاح داخل المجتمع، ولا أيضاً بالحياد السلبي عن قضايا المنطقة وفي مقدمتها فلسطين. كما لم يكن يرى في اتفاق الطائف حلاً نهائياً، بل إطاراً ضرورياً لمنع الانهيار الكامل، شرط استكماله بإصلاح سياسي ديمقراطي وعلماني طويل النفس.

أزمة اليسار… وأزمة البديل

ربما كان أكثر ما يقلق محسن إبراهيم في سنواته الأخيرة ليس فقط انهيار الأنظمة أو صعود الطوائف والأصوليات، بل أزمة قوى التغيير نفسها، وفي مقدمتها اليسار العربي. فقد رأى أن أحزاباً كثيرة تحولت إلى هياكل عاجزة، أو إلى ملحقات سلطوية وطائفية، بعدما فقدت قدرتها على التجدد الفكري والسياسي والتنظيمي.

وكان يعتبر أن التمسك الأعمى بالشعارات القديمة، أو الهروب من مراجعة التجارب، لا يقل خطورة عن الانخراط في مشاريع الاستبداد أو الارتهان للخارج. ولذلك خاض، بشجاعة نادرة، غمار مراجعة فكرية وسياسية واسعة للتجربة القومية واليسارية والحركة الوطنية اللبنانية، من دون أن يتخلى عن التزامه بقضايا التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وفي زمن الانهيارات الكبرى، تبدو تلك المراجعات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن غياب البديل الديمقراطي والعلماني واليساري الحديث ترك المجتمعات العربية أسيرة خيارات قاتلة: إما أنظمة الاستبداد، أو الأصوليات الطائفية، أو الفوضى المفتوحة والاستباحة الخارجية.

بين الهزيمة والأمل

في ذكرى رحيله، لا نستعيد محسن إبراهيم بوصفه شخصية من الماضي، بل باعتباره واحداً من القلائل الذين امتلكوا شجاعة طرح الأسئلة الصعبة في الزمن الصعب. لم يقدّم أوهاماً، ولم يبع انتصارات لفظية، ولم يهرب من الاعتراف بالأخطاء. كان يدرك أن التاريخ لا يرحم الذين يكررون تجاربهم الفاشلة، وأن المستقبل لا يُبنى بالحنين أو الإنكار أو المكابرة.

لقد رحل فيما المنطقة تعيش أكثر مراحلها خطورة وتفككاً. لكن ما تركه من مراجعات وأسئلة ورؤى، ما يزال جزءاً من الحاجة العربية المستمرة إلى إعادة التفكير بالمصير، وبمعنى السياسة، وبشروط بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وبالعلاقة بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والإنساني.

وفي زمن تبدو فيه الهزائم متراكمة، والانقسامات مفتوحة، والخراب شاملاً، تبقى القيمة الأهم في إرثه أنه لم يفقد إيمانه بإمكان التغيير رغم كل شيء. كان يعرف أن الطريق طويل وصعب، وأن المستقبل لا يولد من تلقاء نفسه، بل من قدرة الشعوب وقواها الحية على التعلم من التجارب، ومواجهة أخطائها، وتجديد أدوات نضالها.

والوفاء الحقيقي لمحسن إبراهيم لا يكون بتكرار ما قاله أو تحويله إلى أيقونة جامدة، بل بالحفاظ على روحه النقدية، وجرأته الفكرية، والتزامه العميق قضايا الحرية والديمقراطية والتحرر والعدالة الاجتماعية. فالمجتمعات التي تفقد القدرة على النقد والمراجعة، تفقد في النهاية قدرتها على البقاء نفسه.

لقد رحل محسن إبراهيم في زمن الأسئلة الكبرى: زمن القلق على مصير الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية على أرضه، وزمن الحروب التي تخوضها بقايا أنظمة الاستبداد وميليشيات الطوائف فوق أنقاض الأوطان والمجتمعات. رحل في زمن الفساد السياسي والعهر الطائفي، وصعود الفكر الأصولي، والاستقواء بالخارج، وتفكك النظام العربي تحت وطأة الحروب والتدخلات الدولية والإقليمية.

وها نحن اليوم نعيش زمناً أشد خطورة وقسوة، تواجه فيه بلداننا وشعوبنا نتائج الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المفتوحة على المنطقة، من فلسطين ولبنان إلى سوريا وإيران، بكل ما تحمله من مشاريع سيطرة وتفكيك وإعادة رسم للتوازنات والخرائط والمجتمعات.

رحل محسن وترك لنا الأسئلة الأكثر إلحاحاً: ماذا سيكون مصير فلسطين وشعبها؟ ماذا سيبقى من سوريا وطناً موحداً ومجتمعاً متنوعاً ودولة جامعة؟ وهل يستطيع لبنان أن يستعيد دولته وسيادته ودوره، في ظل إدمان طبقته السياسية على الهروب من مسؤولياتها، وتكرار إضاعة الفرص، وارتهان قواه للخارج، وعجز اللبنانيين عن إنتاج حوار وطني حقيقي حول قضاياهم المشتركة ومصالحهم الجامعة؟

وفي ذكرى رحيلك، سلام عليك ونحن نواجه، ومعنا أكثرية اللبنانيين، حرباً إسرائيلية مفتوحة بالقتل والتهجير والتدمير، تترافق مع انهيار شامل وخطر متجدد يهدد السلم الأهلي والمصير الوطني.

سلام عليك في غيابك، ونحن نحاول أن نستعيد من نهجك وفكرك ما يعيننا على مقاربة قضايا العرب وفلسطين ولبنان واليسار والمنظمة، بعقل نقدي ومسؤولية وطنية وأخلاقية.

سلام عليك ونحن نواصل، وسط كل هذه التحديات، المسيرة التي شاركت في تأسيسها، والسعي إلى تجديد دور منظمتنا وأفكارها وأدوات عملها، مستندين إلى ما تعلمناه منك من نزاهة الموقف والمسلك، ومن شجاعة المراجعة وعدم الهروب من الحقيقة مهما كانت قاسية.

سلام عليك، وعلى جميع الشهداء من الناس البسطاء العاديين، ومن الرفاق والقادة الذين سبقونا، وتركوا لنا عبء الأسئلة الكبرى، وأمانة الاستمرار في الدفاع عن الحرية والديمقراطية والعدالة وكرامة الإنسان.