*سلام الكواكبي
بعد عقود من التحقيقات الميدانية في قلب العنف، يقدّم أستاذ العلوم السياسية في باريس جيل دورونسورو، نظرية عامة للحروب الأهلية في كتابه الجديد “أكبر الشرور: علم اجتماع الحروب الأهلية” (CNRS، باريس، 2025) ويبرهن على الفائدة الاجتماعية والسياسية للتحقيق الميداني. فمنذ تحقيقه الأول في أنغولا، وصولاً إلى مالي، مروراً بأفغانستان وكردستان العراق وسورية، لم يتوقف دورونسورو عن تحليل النزاعات المسلحة المعاصرة بأدوات العلوم الاجتماعية. وبعد أن نشر عدة دراسات مرجعية، يقدّم اليوم نظرية عامة للحروب الأهلية.
ديناميات الحروب الأهلية
استناداً إلى تحقيقاته الخاصة منذ أواخر الثمانينيات، وإلى أبحاث مشروع “الديناميات الاجتماعية للحروب الأهلية”، إضافة إلى مجموعة واسعة من الدراسات الميدانية حول الحروب الأهلية منذ عام 1945، يطرح فرضيات قوية حول نشأة هذه الحروب ودينامياتها وآثارها. وفي زمن يُستدعى فيه شبح الحرب الأهلية في الخطاب العام، حتى داخل المجتمعات المستقرة، تبدو قراءة هذا الكتاب ضرورية.
يُعدّ الكتاب قبل كل شيء محاولة دقيقة لتعريف الحروب الأهلية المعاصرة. فالمصطلح بات يُستخدم بكثرة في الخطابات السياسية والعسكرية والثقافية، كذلك فإن تعريف النزاع يحدّد طبيعة قواعد البيانات التي تعتمد عليها الدراسات المقارنة. لهذا يوضح دورونسورو بدقّة ما الذي يُعدّ حرباً أهلية اليوم وما الذي لا يُعدّ كذلك. ويختار إطاراً زمنياً ضيقاً يبدأ بعد الحرب العالمية الثانية، بل بعد حروب إنهاء الاستعمار في الستينيات والسبعينيات. حيث تنطلق فرضيته الأساسية من أن الحروب الأهلية المعاصرة تجري داخل نظام دولي يتميز باستقرار الحدود. فحتى عندما لا تحتكر الدول العنف المشروع داخل أراضيها، فإنها منذ 1945 تحتكر “التمثيل الدولي”. ورغم أن الغزو الإقليمي عاد إلى الواجهة مع سياسات دونالد ترامب، ومع ممارسات إسرائيل وروسيا، يرى المؤلف أن “من المبكر الحديث عن انهيار كامل للنظام الدولي الحالي”.
فقدان الدولة القدرة على تنظيم العنف
ضمن هذا النظام الدولي الليبرالي القائم على التعددية واحترام القواعد المشتركة، يعرّف دورونسورو الحرب الأهلية بأنها “حالة توازن هش ومؤقت بين أنظمة اجتماعية متنافسة داخل الإقليم الوطني نفسه”. فالخلاف ليس مجرد تمرّد على الدولة أو استخدام للعنف، بل صراع بين أنظمة اجتماعية متكاملة، لكل منها سلطة سياسية، وبيروقراطية، وتنظيم للعنف، والقانون. عندما تفقد الدولة قدرتها على تنظيم العنف والأسواق والقانون في كامل أراضيها، تظهر المليشيات وقوانين الاستثناء، بينما يبني المتمردون مؤسساتهم وبيروقراطياتهم وأجهزتهم المسلحة. ويرى المؤلف أن هذا التنافس العنيف يعيد تشكيل الفضاء الاجتماعي ويغيّر سلوك الأفراد أنفسهم. كذلك يفرض النظام الدولي قيوداً خارجية حاسمة، كما التمويل، التدخلات الأجنبية، والمعايير الدولية، ما يجعل الحروب الأهلية “ظواهر عابرة للحدود”.
يرفض دورونسورو التفسيرات الحتمية أو الثقافوية للنزاعات المسلحة. فالحروب الأهلية لا تبدأ “من الأسفل” بسبب كراهية إثنية أو دينية كامنة، بل هي مشاريع سياسية واجتماعية تقودها تنظيمات عسكرية ـ سياسية أو تعبئات جماهيرية. كذلك ينتقد مقاربة “الاختيار العقلاني” التي تفسر الحروب بجشع المتمردين. صحيح أن الموارد والاقتصاد السياسي للحرب مهمان، لكن الحرب الأهلية ليست مجرد سوق للعنف. وبدل الاعتماد على مؤشرات اقتصادية مجردة، يركّز المؤلف على العمليات الاجتماعية المرتبطة بالدولة نفسها، حيث تصبح الحرب الأهلية مخاطرة مقبولة ضمن استراتيجية للاستيلاء على السلطة.
يعتمد دورونسورو على منهجية صارمة: التحقيق الميداني المباشر داخل مناطق الحرب، انطلاقاً من “الامتياز المعرفي للملاحظة”. وسؤاله المركزي هو: ماذا تفعل الحرب الأهلية بالبنية الاجتماعية؟ ويرى أن التنافس المسلح بين الأنظمة الاجتماعية يؤدي إلى إنشاء مؤسسات سياسية ودينية واقتصادية وثقافية وتعليمية جديدة، ما يغيّر قيمة الرساميل الاجتماعية ويقلب الهرميات القائمة. ففي زمن الحرب، يهيمن الرأسمال السياسي والهوياتي، وتظهر حركات صعود اجتماعي غير متوقعة، وتنشأ جماعات اجتماعية جديدة أو تختفي أخرى، وتصبح الحياة اليومية غامضة وغير قابلة للقراءة، ويضطر الأفراد إلى ابتكار طرق جديدة للتنقل وتقديم الذات.
تصاعد خطابات الحرب الأهلية في الغرب
ويشرح المؤلف كيفية تشكّل البيروقراطيات المتمردة، مؤكداً أن نجاحها يعتمد أكثر على قدرتها التنظيمية وتركيز الموارد من اعتمادها على “الدعم الشعبي”. ومع ذلك، يبقى أفق معظم الحروب الأهلية هو “إعادة توحيد الدولة”، غالباً لمصلحة السلطة المركزية. لكن الدولة الخارجة من الحرب لا تكون أقوى بالضرورة، لأن الحرب تستنزف مؤسساتها ومواردها.
في خاتمة الكتاب، ينتقل دورونسورو إلى سؤال شديد الراهنية: لماذا يتكاثر خطاب الحرب الأهلية في فرنسا والولايات المتحدة؟ وإجابته تربط بين صعود الحركات المعادية للديمقراطية، وتراجع الحريات العامة، وفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية والعلمية، والإعجاب بـ”الرجل القوي”، وتصاعد القومية العنصرية. ويرى في ذلك منعطفاً يقوم على اختراع عدو داخلي وتبرير الحرب. ورغم اعتقاده أن اندلاع حرب أهلية فعلية في دول الشمال غير مرجح بسبب تفوق الدولة عسكرياً وغياب الدعم الخارجي للمتمردين، فإن خطاب الحرب الأهلية يؤدي وظيفة سياسية خطيرة. فهو يحمل على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متعادية: “أصليون” ضدّ “غرباء”، وغالباً بهدف وصم الأقليات.
ويختم بفكرة قاسية، لكنها شديدة الإقناع، معتبراً أن “الشبح الذي يطارد مجتمعاتنا ليس سوى ذلك الخوف الذي يغذي، باسم الحرب الأهلية، وهم انهيار الحضارة ويبرر الانعطاف السلطوي”، وبهذا يخلُص إلى أن الحروب الأهلية تُحدث تحولات جذرية في المجتمعات، وتخلق انقسامات ومؤسسات جديدة. يظل هذا العمل مرجعاً أساسياً لفهم الحروب الأهلية المعاصرة، وللدفاع عن أهمية البحث الميداني الذي بات يختفي تدريجياً من العلوم الاجتماعية.
*نشرت في العربي الجديد يوم 29 أيار / مايو 2026
