* راغب ملي
لا يحتاج الناس في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، إلى كثير من التفسير أو التبرير حين يتحدثون عن الخوف أو الخسارة أو الحزن. فالحرب لا تخلّف منازل مدمرة وقرى منكوبة فحسب، بل تزرع أيضاً القلق، وتترك عائلات مفجوعة بأبنائها وأحبائها، وأناساً يعيشون كل يوم على وقع سؤال واحد: هل ستبقى بيوتهم ومصالحهم قائمة حتى الغد؟
ومع ذلك، ثمة من ينصّب نفسه وصياً على هذا الألم، يقرر لأصحابه متى يحزنون وكيف يعبّرون عنه؟ ويرى في كل بوح بالوجع خدمةً للعدو، أو في كل تعبير عن الخوف انتقاصاً من الصمود الواجب إظهاره، وكأن الحزن تهمة، والخوف موقف سياسي يستوجب المحاسبة.
سفسطة
ما إن يكتب شخص عن خسارة منزله، أو فقدان قريب له، أو حتى عن شعوره بالعجز أمام مشاهد الدمار والموت، حتى تنهال عليه الاتهامات الجاهزة من بعض الناشطين، أو حتى الصحافيين، أو من يطلقون على أنفسهم صفة الباحثين والخبراء: إنه يخدم سردية العدو، أو يشارك في الحرب النفسية، أو يساهم في “كيّ الوعي” أو “الغرس في الوعي”، وغيرها من العبارات السفسطائية التي يعتقد مطلقوها أنها تعكس عمقهم وقدرتهم على القراءة إلى ما وراء الورائيات. والمضحك المبكي في آنٍ معاً، أن بعض هؤلاء يعيش خارج لبنان، وربما لم يسمع صوت رصاصة واحدة، ولم يختبر هذا الألم أو يعِش تبعاته.
تبشير بالإنكار
الوقائع تقول إن في الجنوب، قرى بأكملها تحولت إلى أطلال، مُحيت فيها منازل وذكريات ومعالم ومزارع ومؤسسات كبيرة وصغيرة كانت تشكّل مصادر رزق لعائلات كاملة. تهجير ونزوح ومآسٍ وآلام لم تقتصر على الجنوب، بل طاولت الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع الغربي وبعلبك والجوار، ووصلت إلى العاصمة نفسها.
مناطق أنهكها القصف والنزوح والخوف، وأخرى ما زالت تعيش تحت وطأة التهديد. حتى الجنوبي الذي عايش مرحلة ما قبل العام 2000، يشعر اليوم بأنه أمام مرحلة أشد وأقسى، فلا مكان آمناً في الجنوب، بعدما اتسعت رقعة التهديد لتشمل معظم مناطقه، إما تحت الاحتلال وإما تحت النار. مشهد أشد وطأة مما كان عليه الحال قبل التحرير.
رغم ذلك، ينتشر التنديد نيابة عن الحزب. هذا الخطاب، الذي ينشغل بمحاكمة مشاعر الناس أكثر من انشغاله بفهمها، يطرح سؤالاً بديهياً لا يجد له أحد جواباً مقنعاً: ما الذي يُفترض بالناس أن يفعلوه؟ هل على من فقد عزيزاً أو منزلاً أو مصدر رزق أن يخفي ألمه ويتحدث بلغة لا تشبه ما يعيشه؟ وهل على الناس أن يتكتموا على خساراتهم حتى لا يُتهموا بخدمة رواية معادية؟ وهل المطلوب من الإنسان الذي يعيش تحت تهديد يومي أن ينكر خوفه ويتظاهر بما لا يشعر به؟
المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء حول الحرب، بل في إصرار بعض الناشطين على التصرف كأوصياء على مشاعر الناس، يقررون لهم متى يحزنون وكيف يعبّرون عن حزنهم. فهم لا يناقشون ما يقوله الناس بقدر ما يحاكمون حقهم في قوله أصلاً، وكأن هناك حزناً مسموحاً وآخر ممنوعاً، وألماً مشروعاً وآخر مشبوهاً. بدلاً من الإنصات إلى وجع الناس ومحاولة بلسمته، ينشغل هؤلاء بتصنيف المشاعر وفرزها، ومنح شهادات حسن سلوك وطنية لهذا، وسحبها من ذاك.
رخصة الحزن
الحزن لا يحتاج إلى ترخيص، والخوف لا يحتاج إلى تبرير. فالإنسان لا يحتاج إلى إذنٍ كي يحزن، ولا إلى شهادة وطنية كي يعبّر عن خوفه. التعبير عن الوجع لا يصنع الهزيمة، كما أن إخفاءه لا يصنع الانتصار. وما يقوله الناس عن خساراتهم لا يضيف شيئًا إلى قسوة الحرب، لأن الحرب نفسها هي التي أنتجت تلك الخسارات.
قد تتباين مواقف الناس السياسية، وتتعدد قراءاتهم للحرب ونتائجها، لكن ما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف هو حق الإنسان في أن يقول إنه يتألم. في القرى التي هُدمت، وفي البيوت التي أُقفلت أبوابها على الذكريات، وفي حياة الآلاف الذين فقدوا أمنهم وأرزاقهم وأحباءهم، ما يكفي من المآسي من دون الحاجة إلى إضافة عبء آخر: الدفاع عن حقهم في الحزن.
* نشرت بتاريخ 1 حزيران 2026 على موقع المدن
