* مسعود محمد
جيلنا انقسم طويلاً بين كبيرين: جورج حاوي ومحسن إبراهيم. كنا نظن أننا نختار بينهما، بين الحزب والمنظمة، بين نبرة جورج الشعبية الصاخبة ودهاء محسن الهادئ، بين الشيوعي الذي يشبه الشارع واليساري العروبي الذي يشبه غرفة التفكير. ثم اكتشفنا لاحقاً أننا لم نكن منقسمين بقدر ما كنا في حالة هيامٍ بهما معاً؛ بتناقضاتهما، واختلافاتهما، وعلاقاتهما المعقدة، وبذلك الزمن الذي جمعهما وفرّقهما، ورفعهما إلى مقام الرمزين، ثم تركهما وحيدين أمام أسئلة لم يستطع أحد أن يجيب عنها حتى اليوم.
وُلد محسن إبراهيم عام 1935 في بلدة أنصار الجنوبية، ورحل في الثالث من حزيران عام 2020، بعد عمرٍ سياسيٍّ كامل امتد من زمن المدّ القومي العربي إلى زمن المراجعات المرّة. عُرف باسم “أبو خالد”، وكان من أبرز وجوه اليسار اللبناني والعربي، ومن مؤسسي منظمة العمل الشيوعي في لبنان وأمينها العام التاريخي. بدأ مسيرته في حركة القوميين العرب، ثم انتقل إلى الماركسية، وشارك في قيادة الحركة الوطنية اللبنانية، وكان من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، وبإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
كان جورج حاوي يذهب إلى الناس كأنه واحدٌ منهم، وكان محسن إبراهيم يذهب إلى الفكرة كأنها قدره الشخصي. الأول يفتح الباب بعاطفة المقاتل، والثاني يفتح الجرح بمشرط المفكر. لكنهما، في العمق، كانا ابني حلم واحد: يسار لبناني عربي، مقاوم لإسرائيل، معادٍ للطائفية، ومفتون بفلسطين إلى حد الألم. ولذلك لم يكن حبّ أحدهما يلغي الآخر، بل كان يكشف حاجتنا إليهما معاً: إلى حرارة جورج، وإلى قلق محسن؛ إلى صوت أبي أنيس، وإلى صمت أبي خالد.
في ذكرى رحيل محسن إبراهيم، لا يعود الرجل مجرد اسمٍ في تاريخ اليسار اللبناني، ولا مجرد أمين عام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان، ولا رفيقاً من رفاق مرحلةٍ صاخبةٍ من عمر لبنان والعرب. يعود كضميرٍ سياسيٍّ قلق، وكذاكرةٍ تمشي بين الأسئلة، وكصوتٍ من زمنٍ كان فيه الحلم الوطني والقومي أكبر من الخرائط الصغيرة، وأكبر من الخوف، وأكبر من الطوائف.
محسن إبراهيم لم يكن سياسياً عادياً. كان من ذلك الطراز النادر الذي جمع بين الفكر والتنظيم، بين العروبة واليسار، بين فلسطين ولبنان، بين قسوة النقد وحرارة الوفاء. لم يكن خطيباً عابراً على منابر الحرب، بل كان واحداً من صانعي المعنى في مرحلةٍ التبست فيها الحدود بين الثورة والدم، وبين التحرر والفوضى، وبين البطولة والخطيئة.
حمل الجنوب معه لا كجغرافيا فقط، بل كحساسيةٍ أخلاقية تجاه الفقراء والمقهورين والمهمّشين. دخل السياسة من باب القومية العربية، من حركة القوميين العرب، يوم كانت فلسطين جرح العرب المفتوح، ويوم كان جمال عبد الناصر أكثر من رئيس مصري: كان وعداً لجيلٍ كامل بأن الأمة يمكن أن تنهض، وأن الهزيمة ليست قدراً، وأن الاستعمار ليس إلهاً.
كانت علاقة محسن إبراهيم بجمال عبد الناصر علاقة مرحلةٍ بأكملها. من خلال حركة القوميين العرب، اقترب من الناصرية لا بوصفها عبادةً للزعيم، بل بوصفها أفقاً للتحرر والوحدة والكرامة. كان يتحرك في ذلك الفضاء القومي الكبير الذي صنعته الخمسينيات والستينيات، يوم كان الشاب العربي يشعر أن القاهرة ليست مدينةً بعيدة، بل عاصمة وجدانه السياسي. وقد ظل في محسن شيء ناصري عميق حتى بعد انتقاله إلى الماركسية: ذلك الإيمان بأن السياسة ليست إدارة مصالح، بل معركة كرامة ومصير.
ثم جاءت الماركسية، لا لتلغي عروبته، بل لتمنحها أدواتٍ أخرى في فهم الظلم والطبقات والطائفية والاستعمار. ومن هذا التقاطع بين القومي واليساري وُلدت خصوصية محسن إبراهيم. لم يكن يسارياً منزوع الجذور العربية، ولا قومياً معادياً للعدالة الاجتماعية. كان يحاول أن يصوغ معادلةً صعبة: لبنان ديمقراطي علماني، عربي الهوى، فلسطيني الضمير، مقاومٌ لإسرائيل، ورافضٌ للاستبداد في الوقت نفسه.
وفي قلب هذه التجربة تقف علاقته بكمال جنبلاط. لم تكن علاقة تحالفٍ سياسي عابر، بل علاقة عقلين كبيرين في لحظة تأسيسية من تاريخ الحركة الوطنية اللبنانية. مع كمال جنبلاط، شارك محسن إبراهيم في صياغة أفقٍ لبناني جديد، يريد للبنان أن يخرج من قفص الطوائف إلى رحابة الدولة المدنية، ومن الخوف المتبادل إلى الوطنية الجامعة، ومن النظام المغلق إلى الإصلاح الديمقراطي. كان جنبلاط الزعيم والرؤيوي، وكان محسن إبراهيم أحد العقول التنظيمية والسياسية التي حملت ذلك المشروع ودفعت به إلى الأمام.
لكن هذه العلاقة مع كمال جنبلاط كانت أيضاً مدخلاً إلى صدامٍ عميق مع حافظ الأسد. فمحسن إبراهيم لم يكن من أولئك الذين رأوا في دمشق وصايةً قدرية لا تُرد. كان يعرف سوريا كبلدٍ عربي شقيق، لكنه ميّز بين سوريا الشعب والثقافة والدور، وبين نظامٍ يريد تحويل الحلفاء إلى تابعين. لذلك لم يتنازل لحافظ الأسد. لم يقبل أن يكون اليسار اللبناني ملحقاً بجهاز، ولا أن تكون الحركة الوطنية ورقةً في يد نظام، ولا أن تُصادر فلسطين باسم “المصلحة القومية” وهي في الحقيقة مصلحة السلطة.
تلك كانت إحدى علامات فرادته: أنه لم يكن ضد سوريا، لكنه كان ضد الوصاية. لم يكن ضد التحالف العربي، لكنه كان ضد الإلحاق. لم يكن ضد التنسيق، لكنه كان ضد تحويل المناضلين إلى موظفين عند الأجهزة. ومن هنا جاء ذلك الجرح الكبير في العلاقة مع النظام السوري، خاصة بعد اغتيال كمال جنبلاط، ثم في مسار العلاقة مع القرار الفلسطيني المستقل، ثم لاحقاً في مصير جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي أُريد لها أن تُلحق وتُضبط وتُصادر.
ومع فلسطين، كان محسن إبراهيم عاشقاً صعباً. لم تكن فلسطين عنده شعاراً للاستهلاك، ولا بنداً في خطاب حزبي. كانت جزءاً من تعريفه لنفسه. من حركة القوميين العرب إلى الحركة الوطنية اللبنانية، ومن العلاقة مع ياسر عرفات إلى الدفاع عن المقاومة الفلسطينية في لبنان، ظل يرى أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية لبنان والعرب والعالم الحر. كان يعرف أن إسرائيل ليست خطراً على فلسطين وحدها، بل على المشرق كله، وعلى لبنان تحديداً.
لكن قيمة محسن إبراهيم لا تكمن فقط في أنه أحب فلسطين، بل في أنه امتلك الشجاعة ليقول إن الحب لا يعفي من المراجعة. في كلمته في أربعينية جورج حاوي عام 2005، وقف محسن إبراهيم لا ليرثي رفيق العمر فقط، بل ليؤدي واحدةً من أندر لحظات النقد الذاتي في السياسة اللبنانية. قال، باسم جورج حاوي وباسمه، إن الحركة الوطنية ارتكبت خطأين كبيرين: الأول أنها، في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني، ذهبت بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقةً وعدالةً وإنصافاً. والثاني أنها استسهلت ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديمقراطي.
هذه الجملة وحدها تكفي لتضع محسن إبراهيم خارج تقاليد المكابرة اللبنانية. في بلدٍ لا يعتذر فيه أحد، ولا يراجع أحد، ولا يعترف أحد بأن الحرب كانت خطيئةً جماعية، امتلك هو شجاعة القول إن بعض أخطاء الحركة الوطنية كان قاتلاً. لم يتبرأ من تاريخه، ولم يطعن فلسطين، ولم يساوِ بين الضحية والجلاد، لكنه قال إن لبنان لا يحتمل أن يُحمّل فوق طاقته، وإن التغيير الديمقراطي لا يولد من فوهة حرب أهلية.
هنا يظهر محسن إبراهيم في صورته الأكثر نبلاً: مناضلٌ لا يخجل من الحلم، ولا يخاف من نقد الحلم. وفي السياسة، هذا نادر. كثيرون يبدّلون مواقعهم عندما تهب الريح، وكثيرون يدفنون أخطاءهم تحت ركام الشعارات، أما هو فحاول أن يحفظ المعنى من الكذب. قال إن دعم فلسطين كان واجباً وطنياً، لكنه قال أيضاً إن تحويل لبنان إلى وعاءٍ لكل الأعباء المسلحة كان خطأ. قال إن التغيير كان ضرورة، لكنه قال إن الحرب الأهلية لم تكن طريقاً مختصراً إلى الديمقراطية، بل كانت طريقاً طويلاً إلى الخراب.
وحين اجتاح الإسرائيليون لبنان عام 1982، عاد المعنى إلى أصله الأول: مقاومة الاحتلال. مع جورج حاوي، أعلن محسن إبراهيم انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. لم تكن تلك اللحظة تفصيلاً عابراً. كانت إعلاناً أن لبنان، بعد خروج المقاومة الفلسطينية، لم يعد فقط ساحةً تقاتل فيها القوى نصرةً لفلسطين، بل صار بلداً يدافع عن نفسه، عن أرضه وسيادته ومياهه وحدوده، براية لبنانية وبسواعد لبنانية وبنادق لبنانية.
ولذلك كان جورج حاوي في وجدان محسن إبراهيم أكثر من رفيق. كان شريكاً في الحلم والمخاطرة والمراجعة. في تأبينه، وصفه برفيق الدرب الأعز، وصديق العمر الأقرب، وزميل الشدائد في كل موقعة. لم يكن الرثاء عنده بكاءً فقط، بل مناسبةً للوفاء وللحساب الصعب. كأن محسن، وهو يودّع جورج، كان يودّع زمناً كاملاً من اليسار اللبناني: زمن النهوض، وزمن الأخطاء، وزمن المقاومة، وزمن الانكسار.
ولعل أجمل ما في تلك الكلمة أنها لم تكن مرثية لشخص فقط، بل مرثية لجيلٍ بأكمله، ووصية لجيلٍ آخر. فقد كان يعرف أن الشهداء لا يحتاجون إلى تماثيل، بل إلى ذاكرة حية لا تكذب عليهم. وكان يعرف أن الذاكرة التي لا تنتقد نفسها تتحول إلى أسطورة مريضة.
محسن إبراهيم لم يكن قديساً. لا هو ادّعى ذلك، ولا يليق بنا أن نفعل. كان ابن زمنه، بكل عظمته وأخطائه. لكنه كان نادراً لأنه لم يبع زمنه في سوق الانتهازية. لم يذهب إلى حافظ الأسد طالباً الرضى. لم يتخلّ عن فلسطين حين صار الدفاع عنها مكلفاً. لم يتنكر لكمال جنبلاط حين صار الوفاء له خطراً. لم ينسَ جمال عبد الناصر حين تكسرت الناصرية على صخور الهزيمة. ولم يتبرأ من اليسار حين صار اليسار يتيماً بعد انهيار العالم القديم.
في ذكراه، لا نحتاج إلى تمجيدٍ أعمى، بل إلى قراءةٍ عادلة. نحتاج أن نرى فيه رجلاً حمل أكثر من عهدٍ وأكثر من جرح: عهد عبد الناصر، حيث كانت العروبة وعداً بالكرامة؛ عهد كمال جنبلاط، حيث كان لبنان يحلم بالخروج من طائفيته؛ عهد جورج حاوي، حيث اختلط اليسار بالمقاومة وبالنقد المرّ. وفي مواجهة حافظ الأسد، حمل عهداً رابعاً: ألا يكون المناضل تابعاً، وألا تتحول القضية إلى وظيفة عند جهاز.
رحل محسن إبراهيم، لكن أسئلته لم ترحل. هل يمكن أن يكون لبنان عربياً من دون أن يكون تابعاً؟ هل يمكن أن يكون داعماً لفلسطين من دون أن يُلغى كيانه؟ هل يمكن أن يكون مقاوماً لإسرائيل من دون أن تصادر الدولة؟ هل يمكن أن يكون يسارياً من دون أن يبرر الاستبداد؟ هل يمكن أن نراجع الحرب بصدق، لا لكي نتشفى، بل لكي لا نعيد إنتاجها؟
هذه هي قيمة محسن إبراهيم اليوم. ليس أنه يقدّم لنا أجوبةً نهائية، بل أنه يفرض علينا أسئلةً شريفة. وفي زمنٍ تموت فيه السياسة تحت ركام الطوائف والمصالح والسلاح والفساد، تبدو سيرته كنداءٍ بعيد: لا وطن بلا حرية، لا مقاومة بلا سيادة، لا عروبة بلا ديمقراطية، لا يسار بلا نقد ذاتي، ولا وفاء لفلسطين إذا لم يكن وفاءً للبنان أيضاً.
في ذكرى رحيله، لا يكفي أن نقول: رحم الله الرجل. فالرجل الذي عاش كل تلك التحولات لا يُختصر بعبارة رثاء. هو من أولئك الذين لا يطلبون منّا البكاء عليهم، بل يطلبون منّا أن نكمل السؤال الذي تركوه مفتوحاً.
لقد كان محسن إبراهيم واحداً من القلائل الذين فهموا أن لبنان لا يعيش بالانعزال، ولا ينجو بالتبعية. فهم أن العروبة بلا حرية تصير سجناً، وأن اليسار بلا ديمقراطية يصير سلطةً أخرى، وأن فلسطين بلا لبنان عادل وسيد وحر تتحول إلى عبءٍ لا إلى بوصلة، وأن مقاومة إسرائيل لا تكتمل إذا صادرت الدولة أو ألغت المجتمع أو استبدلت الاحتلال بوصاية.
لذلك لا نختم الكلام عنه كمن يطوي صفحة، بل كمن يعيد فتح دفترٍ قديم لم تنتهِ أسئلته. محسن إبراهيم لم يكن قديساً، ولم يكن يريد أن يكون كذلك. كان مناضلاً كبيراً أخطأ وأصاب، حلم وانكسر، قاتل وراجع، أحب فلسطين وخاف على لبنان، خاصم الوصاية ولم يخاصم العروبة، وخرج من الضوء إلى الصمت حين صار الكلام في زمن الهزائم أكثر كلفةً من الرصاص.
وإذا أردنا أن نترك له الكلمة الأخيرة، فلن نجد ما يعبّر عنه أكثر من ذلك الأفق الذي دافع عنه: لبنان عربيّ الهوى والانتماء، لكنه حرّ لا تابع، مقاومٌ لا مُصادَر، ديمقراطيّ لا طائفي، ومنحازٌ إلى فلسطين من دون أن يفرّط بنفسه.
هكذا يُقرأ محسن إبراهيم اليوم: لا كذكرى من زمنٍ مضى، بل كنداءٍ إلى زمنٍ لم يولد بعد.
* نشرت بتاريخ 2 حزيران 2026 على موقع أخباركم ـ أخبارنا
