ثقافة صحف وآراء

“مقدمات… وقراءات- تاريخ، فلسفة وسياسة” لوليد نويهض

*المدن – ثقافة

صدر حديثا عن دار نلسن كتاب “مقدمات ..وقراءات تاريخ ، فلسفة وسياسة”، للكاتب اللبناني وليد نويهض… هنا مقدمة الكتاب:

كيف يكتب التاريخ؟ هناك صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال، بسبب كثرة القراءات واختلاف المناهج في التعامل مع الوقائع. فالمعرفة التاريخية تعتبر من الحقول الشائكة، لكونها تتعاطى مع منظومة من المفاهيم المتّصلة بمعيش الإنسان وحياته المتخالفة في سلوكها الاجتماعي وآليات نموها وتطورها.

لا يمكن اكتشاف قوانين التاريخ بالمختبرات كما هو حال العلوم الطبية والفيزيائية والكيميائية، بل عبر الملاحظة والمتابعة والاستقراء والاستنباط. لذلك وقع الخلاف بين المؤرخين في سرد الحوادث، كذلك حصل الانقسام بين علماء الاجتماع على تحديد شروط القراءات.

وبسبب هذا الافتراق في الرؤية تشكلت مع الزمن مدارس تاريخية متعاكسة في نظرتها إلى حوادث الماضي ووقائع الحاضر، وهو ما دفع ادوارد كار إلى طرح السؤال “ما التاريخ؟”.

عن هذا السؤال يحاول الفصل التمهيدي ترسيم معالم صورة لا تزال مشوشة حتى الآن استنادًا إلى كتاب الباحث قيس ماضي فِرّو عن “المعرفة التاريخية في الغرب” الذي لخّص فيه وجهات نظر مختلف المدارس منذ القرن السادس عشر وصولًا إلى نهاية القرن العشرين. فالكتاب يستعرض الخلافات بين مدرسة سردية ترى في التاريخ مجرّد خبر، ومدارس تأويلية تقرأ الحوادث وفق آليات منهجية اجتماعية – فلسفية ترتب الوقائع وفق رؤية محدّدة لمجرى الزمن.

أدى تدخل الفلسفة في حقل التاريخ إلى وقوع انقسامات شديدة التعارض بين المؤرخين والعلماء والفلاسفة وأساتذة الاجتماع.

يرى المؤرخ أن الوقائع يمكن استلهامها من الوثائق والمخطوطات والحفريات والتماثيل والنقوش والأبنية والفخاريات وأدوات المنزل ووسائط المعاش ومصادر الرزق والقبور وغيرها من براهين حجرية أو مرويات منقولة عن الماضي. فحين يرى الفلاسفة وعلماء الاجتماع أن هذه المواد الأولية ليست كافية لقراءة وقائع حصلت في الماضي وليس هناك من شهود لتأكيد صحتها.

وبسبب تشكيك الفلاسفة والعلماء بصحة الروايات المنقولة بدأ التدخل في حقل التاريخ من زوايا متخالفة. فهناك مَن يعتبر أن المؤرّخ منحاز بالضرورة إلى وجهة نظر لأنه ابن بيئته وهو يقرأ الماضي من حاضره. وهناك مَن رأى أن الحاضر هو الأساس ومنه يمكن قراءة ما حصل في الماضي. وهناك مَن اعتمد منهج الحفر العمودي وبدأ من السطح (الحاضر) وأخذ ينبش الوقائع (الماضي) مستخدمًا أدوات تحليل للوصول إلى ترسيم تصور معرفي عن حياة البشر وخلافاتهم والدوافع التي أدت إلى الصراعات والأسباب التي أسهمت في نمو قوى أو هبوط حضارات وصعود حضارات.

حتى الآن لا يزال الخلاف قائمًا بين مدرسة ترفض التأويل وتصرّ على أخذ الأمور كما هي واستخلاصها من الينابيع من دون تدخّل أو فرضيات مسبقة، ومدرسة تشكّك في صحة السرديات المنقولة عن الماضي وتصرّ على اعتماد أدوات تساعد على الحفر بدءًا من الحاضر.

لكن هل هناك توافق بين المؤرّخين والفلاسفة والعلماء على قراءة الحاضر، حتى يكون هو المدخل الراهن لرؤية وقائع الماضي.

طبعًا لا. ولأن الأمر كذلك، استمر الخلاف بين المدارس على تقديم إجابة موحدة ومحدّدة عن سؤال “ما التاريخ؟”.

طرحت هذه التشعبات النظرية والميدانية الكثير من المفاهيم بشأن الحقيقة التاريخية وكيف يمكن الوصول إليها… وهل هناك فعلًا قدرة على مقاربتها.

يحاول كتاب “مقدمات … وقراءات” معالجة هذه المعضلة عبر تقديم عيّنات عن الماضي والحاضر لتأكيد مسألة الصعوبة في الاتفاق على تحديد رؤية نهائية لموضوع الحقيقة التاريخية. الوقائع هي وقائع، ولكن النظرة إليها وأسلوب التعامل تختلف من زاوية وأخرى… الأمر الذي يؤدي إلى نشوء اختلافات في القراءة تتحكّم فيها الأهواء والمصالح، أو المهزوم والمنتصر.

بناء على هذا التوزع في الآراء والمدارس كان لا بد من اختيار عيّنات تعطي فكرة عن اختلاف المناهج في القراءة التاريخية. فالتمهيد يتحدث عن تعدّد النظريات بشأن ترتيب الوقائع، ثم ينتقل إلى تجربة المستشرق فلهاوزن الذي كتب عن تاريخ الدولة الأموية معتمدًا على منهج “الفرضية الوثائقية” الذي ساعده على استخراج معلومات من الشعر العربي (الجاهلي والأموي والعباسي) الذي جمعه الأصفهاني في موسوعة “الأغاني”. فالشعر برأي فلهاوزن عفوي وابن لحظته ويكشف عن مفارقات وخلافات وتحالفات (مدح وهجاء) ويرسم خريطة طريق لتوزع القبائل ومنازعاتها ورؤيتها للسلطة والآخر. استنبط فلهاوزن من الشعر الكثير من المعلومات والوقائع لمقارنتها بالروايات السردية التي أتى على ذكرها الطبري في تاريخه.

إلى فلهازون هناك عيّنة جرجي زيدان (الروائي والمؤرخ) الذي تأثّر في مطلع شبابه بنظرية داروين عن النشوء والارتقاء، فحاول إسقاطها على الشعوب حين كتب تاريخ “طبقات الأمم”.

لكن زيدان لا يمكن اختزاله في سياق واحد بسبب دوره الموسوعي في قراءة تاريخ الأداب العربية. وتمظهر هذا الأمر في دفاعه عن الإسلام والعرب عبر رده على آراء المستشرق سميث عن الطوطمية عند العرب وتشكيكه بكتب الأنساب.

تعطي “عيّنة” زيدان فكرة عن كتابة التاريخ من طالب درس الكيمياء (الصيدلة) في الجامعة الأميركية في بيروت إلى صاحب دار نشر في القاهرة عاش في فترة متقاربة من حياة المستشرق فلهاوزن.

بعد التمهيد هناك “مقدمات في الماضي” تحاول تأريخ الترجمة بدءًا من العهد الأموي (خالد بن يزيد بن معاوية) إلى العهد العباسي (بيت الحكمة والمأمون) وصولًا إلى ضمورها وبدء العد العكسي حين أخذت النخبة الأوروبية تترجم من العربية إلى اللغة اللاتينية.

إلى تاريخ الترجمة، وما أنتجته من كتب ومعارف كان لها تأثيرها على النخبة العربية ورؤيتها للعالم، هناك تاريخ الفلسفة الإِسلامية وكيف بدأت ولماذا ومتى وما المصادر التي اعتمدت عليها؟

إلى موضوعات التاريخ، هناك النظريات التي أنتجتها الفلسفة إلى جانب الدين أحيانًا وبالضدّ منه أحيانًا أخرى. وهذا ما أسهم في تشكيل خريطة طريق مغرقة في قدمها ويصعب على المؤرخ في الحاضر الإحاطة بها من كل جوانبها. وبما أن الحاضر يؤثر دائمًا على قراءة الماضي (الحفر العمودي في الوقائع) كان لا بد من طرح سؤال معاصر وإسقاطه على زمن مضى: هل في الإسلام نظرية عن العقد الاجتماعي، وما هي إذا كان الرد بالإيجاب؟ ويصل المقال النظري إلى جواب نعم ولا. نعـم هناك عقد (عهد، ميثاق) في الإسلام، ولا لأن نظرية العقد في الإسلام هي أقرب إلى الصيغة القانونية – السياسية ولا تتطابق مع صيغة العقد الاجتماعي الأوروبي.

كل هذه “العينات” من الماضي يمكن أخذها كما هي والاعتماد عليها، ويمكن رفضها بالإجمال… ولكن كل هذا يؤكد مجددًا الاختلاف في الرد على سؤال كار “ما التاريخ؟”.

أخطر ما في السؤال هو الحاضر وليس الماضي. فالخلاف على الماضي خلاف على التفسير (التأويل والمصادر) في حين الخلاف على الحاضر خلاف على المستقبل، لذلك حاول فصل (قراءات في الحاضر) أن يعيد التذكير بالاجتهادات حول قراءة الوقائع انطلاقًا من مراجعة كتب ومقالات ودراسات صدرت عن انتفاضات واحتجاجات “الربيع العربي” قبل أن تنتهي فترته الزمنية وقبل أن تستقر الأمور بعد التداعيات التي ضربت المنطقة العربية كالزلزال في وقت واحد.

“قراءات في الحاضر” هي عيّنة، تختصر الخلاف على سؤال التاريخ وتحاول الرد على مسألة “مقدمات في الماضي” عبر عرض قراءات عن حدث لا يزال يتشكل وهناك اختلافات في التعامل معه بين تيار يرى في “الربيع العربي” مؤامرة كونية وتيار يراه مقدمة ضرورية ولا بد منها للتخلص من الاستبداد والعبودية والقهر والخروج من مستنقع الذل.

حتى الآن لا يزال “الربيع” يتداعى من صيف وخريف وشتاء وربيع، نراه أمامنا في الصوت والصورة ونتابعه عبر مراجعة البيانات والتصريحات والمؤتمرات والندوات، ونقرأ عناوينه برصد السياسات الدولية والإقليمية والمحلية وتبدل الأحوال وتغيّر موازين القوى وتشابك المصالح وتعثّر المصالحات وتشعّب التدخلات… ومع ذلك هناك اختلافات في القراءة وعدم توافق على فهم الأسباب والمسبّبات أو توقع النتائج.

إذا كان هذا الأمر يحدث في الحاضر، فكيف هو حاصل الأمر في رؤية الماضي والتأكيد أن ما نقوله عنه قد حصل بالفعل. هذا هو السؤال الذي طرحه كار عن “التاريخ” وحتى الآن لم يحصل على جواب قاطع بشأنه ويرجح أن لا يحصل أبدًا. فالخلاف على التاريخ هو سؤال راهن عن الحاضر، والماضي مجرّد شاهد مجهول على واقع معلوم يُستدعى في اللحظات الحرجة بغية استخدامه لا لمعرفة ما حصل بل لترجيح قراءة بالضد من قراءة أخرى. وهذا بالضبط محصلة ما يريد قوله الكتاب عبر استعراض النظريات في التمهيد أو الوقائع عبر تلك “المقدمات” عن الماضي أو تلك “القراءات” عن الحاضر، من دون إهمال سيرة الكاتب أو المؤرخ أو الفيلسوف أو المترجم. فالسيرة تبحث عن بيئة المؤلف أو المعرّب (الناقل) وهي تكشف عن معلومات “معاصرة” تساعد على التعرف على الأسباب والدوافع والظروف الآنية التي دفعت المؤرخ إلى الاهتمام بهذا الموضوع وأيضًا المترجم وخلفيات اختياره لهذا الكتاب وتفضيله على غيره في مجال اشتغاله على التاريخ ومحطاته الزمنية.

بهذا المعنى لا يمكن فصل الكتاب عن الكاتب والترجمة عن المترجم، لذلك كان لا بد من قراءة الفضاءات التي أحاطت بالمؤلف والناقل والظروف السياسية – الثقافية التي دفعت بهما إلى الاهتمام بهذا الموضوع في حقل معرفي يطلق عليه تسمية “التاريخ”.

أخيرًا لا بد من إبداء ملاحظة عن توقيت الدراسات وظروفها، فهي كتبت بين العام 2012 و2016 خلال فترة عملي في “المركز العربي للأبحاث” في بيروت، لذلك يمكن القول إنها كانت محكومة بشروط الوظيفة وتتحرك تحت سقفها… ولهذا السبب كان لا بد من المحافظة عليها كما كتبت أو صدرت في وقتها لأنها فعلًا قد تساعد على توضيح زوايا غامضة في موضوع نظري سجالي لا نهاية له يتعلق بمسألة “كيف يكتب التاريخ”. كتبت المقدمة في 6 أيلول/ سبتمر 2018.

*نشرت في المدن الالكترونية يوم الأحد 2025/08/03