*مروان حرب
للوهلة الأولى، يبدو السؤال عبثيًا. فحزب الله يرى ما حدث كما يراه الجميع. يرى القرى المدمرة، وعشرات آلاف المهجرين، والبيوت التي تحولت إلى ركام، والبنية التحتية التي سُحقت، والخسائر الاقتصادية التي تضاف إلى انهيار لم يتعافَ منه لبنان أصلًا. لا يمكن لحزب يملك هذا الحضور الميداني والاجتماعي أن يكون غافلًا عن حجم ما جرى. لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يرى الكارثة بعينيه، بل ما إذا كانت بنيته الفكرية تسمح له بأن يراها سياسيًا وأخلاقيًا.
فرؤية الكارثة ليست مسألة بصرية فحسب، بل مسألة تفسير. فالوقائع لا تتحدث وحدها، والخراب لا يفرض تلقائيًا المعنى الذي ينبغي استخلاصه منه. إنه يحتاج إلى إطار يفسره وإلى منظومة فكرية تحدد دلالته. في تاريخ الحركات العقائدية، ثمة لحظة دقيقة وخطيرة يتحول فيها الفشل من مشكلة تستدعي المراجعة إلى عقيدة تستدعي الدفاع عنها. عند هذه النقطة، لا يعود الخراب دليلًا على انسداد المسار، بل يصبح برهانًا على صدق القضية. ولا يعود الألم إشارة إلى ضرورة إعادة التفكير في الخيارات، بل يتحول إلى شهادة على النقاء الأخلاقي وصلابة الالتزام.
ذلك أن الحركات العقائدية لا تنطلق من الواقع نحو الفكرة، بل من الفكرة نحو الواقع. فهي لا تقيس صحة مشروعها بما يحققه من نتائج ملموسة، بل بمدى انسجامه مع الرسالة التاريخية التي تعتقد أنها تحملها. ومن هنا لا تصبح الكارثة دليلًا على الخطأ بالضرورة؛ بل قد تتحول إلى دليل إضافي على صحة المسار. فحين تتحول المقاومة من استراتيجية سياسية إلى هوية وجودية، ومن خيار يمكن مراجعته إلى تعريف للذات الجماعية، يصبح إخضاعها لمنطق النتائج أمرًا بالغ الصعوبة. فالسياسات تُراجع، أما الهويات فتدافع عن نفسها. والسياسي يستطيع الاعتراف بخطأ في الحسابات، لكن الحركة التي بنت شرعيتها ووجودها ومعناها على فكرة مركزية، تجد في الاعتراف بفشلها تهديدًا للركائز النفسية والأخلاقية التي قامت عليها.
من هنا تنشأ الفجوة العميقة بين الطريقة التي يعيش بها اللبنانيون الكارثة والطريقة التي يقرؤها بها حزب الله. فالمواطن يبدأ من بيته المهدّم، ومن عمله المفقود، ومن مستقبل أبنائه المعلّق. يبدأ من الخسارة الملموسة التي لا تحتاج إلى تفسير. أما حزب الله فينظر إلى المشهد من داخل رواية تتجاوز الأفراد وتعلو عليهم. ولهذا تبدو المفارقة قاسية بقدر ما هي محيّرة: فكلما ارتفعت الكلفة الإنسانية، ازداد الخطاب العقائدي يقينًا بنفسه. ليس لأن الكارثة غائبة عن النظر، بل لأنها تُستوعَب داخل السردية ذاتها وتتحول إلى جزء من منطقها الداخلي. فالدمار لا يُقرأ كإنذار يستدعي المراجعة، بل كدليل على شراسة الخصم؛ والخسائر لا تتحول إلى سؤال سياسي، بل إلى شاهد على عظمة التضحية؛ أما المعاناة، فبدلاً من أن تكون حدًّا أخلاقيًا يفرض التوقف والتفكير، تصبح برهانًا جديدًا على صدق القضية. وهكذا تفقد المأساة قدرتها على أن تكون اتهامًا، وتتحول إلى دليل دفاع.
هنا يظهر ما يمكن تسميته “عمى الأيديولوجيا”. وهو ليس عمى تجاه الوقائع، بل تجاه دلالتها الإنسانية والسياسية. فبدلاً من أن تدفع النتائج إلى مراجعة الفكرة، تصبح الفكرة قادرة على ابتلاع النتائج وإعادة تفسيرها بما يحفظ تماسكها. وعندها تفقد الكارثة وظيفتها السياسية الأساسية: أن تكون سببًا للمساءلة وإعادة النظر. هذا ما قصده الفيلسوف كارل بوبر حين تحدث عن الأنظمة الفكرية المغلقة. فالفكرة المغلقة لا تسمح للوقائع بأن تدحضها. إذا نجحت، اعتبرت النجاح دليلًا على صحتها. وإذا فشلت، اعتبرت الفشل دليلًا على حجم المؤامرة التي تستهدفها. وفي الحالتين، تخرج الفكرة سليمة، بينما الناس وحدهم هم الذين يدفعون الثمن.
لكن أخطر ما يكشفه عجز حزب الله عن رؤية الكارثة هو التحول الذي أصاب علاقته بمن يفترض أنه وُجد للدفاع عنهم. فالبنية الفكرية التي مكّنته لعقود من تعبئة جمهوره باسم المستضعفين، تبدو اليوم أقل قدرة من أي وقت مضى على جعل معاناة هؤلاء المستضعفين معيارًا للحكم على خياراتها.
*نشرت في المدن الالكترونية يوم الاثنين 2026/06/01
