سياسة صحف وآراء

درس عراقي للبنان

 *بيار عقيقي

لا يبدو الاعتراض على تسليم فصائل عراقية سلاحها إلى الحكومة في بغداد أمراً صعباً في الشكل، لأنّ المضمون والنيات شيء آخر. مع العلم أنّ افتراض صعوبة حصر السلاح في العراق (ساحة تعتبرها إيران الأكثر أهمّيةً لها وأكثر حيويةً من اليمن وسورية ولبنان) كان مفهوماً بسبب التداخل الجغرافي بين طهران وبغداد. لكن هذا كلّه تراجع خطوةً إلى الخلف، في ظلّ ردّة فعل داخلية وإقليمية، لم ترقَ إلى حدّ حصول نزاعات مسلّحة رفضاً لتسليم السلاح. تتداخل الحسابات أصلاً في العراق، ومعها التركيبتان السياسية والأمنية، مسهّلةً إنتاج حالة توازن بين الدور الإيراني، المتراجع نسبياً في بغداد، والاندفاعة الأميركية مع تمدّد نفوذ توم برّاك إلى ما بعد الحدود الشرقية لسورية. كذلك، فإنّ انعكاس التوازن على الداخل العراقي يبقى مطلوباً لتحفيز مسار حكومة علي الزيدي، وعدم التراجع، وإلّا لكان نوري المالكي يتربّع على المنطقة الخضراء حالياً.

بطبيعة الحال، ستكون لما يجري في العراق انعكاسات في لبنان، مع انتقال مسألة وقف إطلاق النار من رعاية أميركية ـ أممية، إلى تفرّد أميركي بها. وما كان مقبولاً في مفاوضات سابقة بشأن سلاح حزب الله، بات مرفوضاً في الوقت الحالي. ومثل هذه التطوّرات، على وقع استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ستُفضي إلى واقع سيصل إلى حافّة الدم، في ظلّ إصرار أميركي على التعاطي مع الدول بسلطتها المركزية مثل دمشق في سورية، بعد تراجع نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومثل الحكومة في العراق، مع بدء تسليم فصائل عديدة سلاحها، ومثل لبنان الذي تفترض الولايات المتحدة أنّ سلطته المركزية لن تبقى ضعيفةً كما في السابق.

وتتمحور المسألة حول معطياتٍ عدّة، بدءاً من محاولة إيران المحافظة على نفوذها في لبنان، رغم قبولها التراجع خطواتٍ في العراق، وسط واقع رفضها الموافقة على طلبات الحكومة اللبنانية، ومنها مغادرة السفير الإيراني المعيّن في لبنان محمّد رضا شيباني. كذلك، لا ينبع تعاطي إيران في موضوع اتفاق وقف إطلاق النار من علاقاتها مع الدولة اللبنانية، بل مع حزب الله حصراً، مُسقطة الدولة من حساباتها، وهو أصلاً ما يقوم به الحزب في الفترة الماضية بالتركيز على “السلطة” والتصويب عليها، فيما لا يزال محتفظاً بعلاقاته المستترة معها.

عادة تقوم حسابات الربح والخسارة لدى الفرد أو المجتمع على تراكمات سابقة. وفي لحظةٍ ما يُمكن وقف التدهور وتراكم الهزائم عبر الخروج بموقف تاريخي. في العراق، أدركت الفصائل التي قرّرت تسليم سلاحها، أنّ المستقبل لن يكون للكيانات المنفردة عن الدولة، لا باسم المناطقية ولا باسم الطائفية ولا باسم المذهبية. النموذج السوري، عبر نقل الولايات المتحدة اعتمادها من الفصيل إلى الدولة، بعد إسقاط نظام الأسد، هو النموذج الذي سيتمدّد في العراق ولبنان واليمن. أي أن تتمحور مركزية الدولة بيد سلطة واحدة، مثل معظم الدول العربية، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومثل تلك السلطة المركزية يحتاجها لبنان أكثر من غيره، وهي موجودة أصلاً في اتفاق الطائف الذي طُبّق جزئياً. حتّى إنّ “اللامركزية” ضمن هذا الاتفاق، تأتي في سياق خدمة “مركزية” الدولة اللبنانية ولا تُفتّتها.

لا يُمكن لأحد الاعتقاد أنّ الأمور ستبقى على ما هي عليه، لأنّ ما هو استثناء لا يبقى كذلك، فما يبقى هو مفهوم الدولة في كلّ بلد، وهو مفهوم غير متّصل بالحكّام العابرين، بل بجوهر الدولة وقوّة نظامها. الولايات المتحدة، مثلاً، صاحبة أقوى نظام سياسي في العالم حرفياً، إلى درجة أنّ تربّع دونالد ترامب وجو بايدن وباراك أوباما رؤساء لم يؤدّ إلى تغيير جوهري فيها، لا إيجاباً ولا سلباً، بل ظلّت قوّتها نابعةً من رحم قوّة نظامها. في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1990، قيل لقائد الجيش اللبناني في حينه، ميشال عون، إنّ السوريين سيُطيحونك، لم يصدّق هذا إلا بعد حمّام دم وسقوط مئات في ذلك اليوم. وبعد عودته من المنفى في عام 2005، تحالف مع من كان يحاربهم. هذا المثال، يُفترض أن يكون درساً لبنانياً لحزب الله، ولكلّ طرف يعتقد أنّ التحوّلات الدولية أصغر منه. ما بدأ في العراق سيُستكمل في لبنان، وكلّما كان حزب الله مقتنعاً بجدوى انخراطه في الدولة اللبنانية، طرفاً بين أطراف متساوية، فإنه سيحمي الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. البديل دائماً ما يكون عبثياً.

*نشرت في العربي الجديد يوم 06 حزيران / يونيو 2026