* زكريا نمر
منذ نشوء الدولة الوطنية في العالم العربي، ظل السؤال الأكبر هو هل نجحت هذه الدولة في بناء مواطن يشعر بأنه ينتمي إليها، أم أنها اكتفت ببناء مؤسسات شكلية تخفي وراءها استمرار الولاءات القديمة؟ فبعد عقود من الاستقلال، ما تزال كثير من المجتمعات تعيش تناقضا عميقا بين وجود دولة تحمل كل رموز الحداثة، وبين واقع اجتماعي وسياسي ما زالت فيه القبيلة والطائفة والجماعة المحلية تلعب أدوارا تتجاوز أحيانا دور المؤسسات الرسمية. المشكلة ليست في وجود هذه الانتماءات، فهي جزء من تاريخ المجتمعات وتكوينها الثقافي، وإنما في اللحظة التي تفشل فيها الدولة في أن تكون المرجعية الأولى للمواطن. فعندما يصبح الحصول على العدالة مرتبطا بالانتماء، والحماية مرتبطة بالجماعة، والفرص مرتبطة بالنفوذ، فإن فكرة الدولة تبدأ في التراجع، ويعود الإنسان إلى الهويات التي تمنحه شعورا بالأمان.
لقد كشفت الأزمات السياسية والاجتماعية المتكررة أن ضعف الدولة لا ينتج فقط عن نقص الموارد أو التدخلات الخارجية، بل أيضا عن فشل داخلي في بناء مؤسسات عادلة، ونخب قادرة على الانتقال من منطق السلطة إلى منطق الدولة. فالدولة لا تقوم بمجرد إعلان الاستقلال أو كتابة الدساتير، بل تحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بأن القانون فوق الجميع، وأن المواطنة أقوى من كل الروابط الضيقة. ويصبح السؤال الأكثر إلحاحا هل أصبحت القبيلة والطائفة أقوى من الدولة، أم أن الدولة نفسها فشلت في بناء القوة التي تجعلها فوق هذه الانقسامات؟ فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود الهويات الفرعية، بل في غياب الدولة العادلة التي تجعل الانتماء الوطني هو الإطار الأوسع والأكثر قدرة على حماية المواطن.إن أزمة الدولة العربية اليوم هي في جزء كبير منها أزمة بناء الإنسان، وبناء المؤسسات، وبناء نخبة سياسية وثقافية تؤمن بأن مستقبل المجتمعات لا يصنعه توزيع النفوذ بين الجماعات، بل تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة والكفاءة. لقد أخطأت كثير من الأنظمة العربية حين اعتقدت أن بناء الدولة يعني بناء القصور الرئاسية، وتوسيع الأجهزة الأمنية، وزيادة عدد الوزارات، بينما أهملت بناء المواطن والمؤسسات. فالدولة ليست مباني ولا أعلاما ولا أناشيد وطنية، بل عقد سياسي وأخلاقي يشعر فيه المواطن أن حقوقه مصونة بقوة القانون، لا بقوة الانتماء. وعندما ينهار هذا العقد، يبحث الإنسان بطبيعته عن إطار آخر يوفر له الأمان، فتعود القبيلة والطائفة إلى الواجهة، ليس لأنها أقوى من الدولة بطبيعتها، بل لأن الدولة تخلت عن وظيفتها.
وأن كثيرا من الحكومات تتحدث صباحا عن المواطنة، وفي المساء تدير الدولة بمنطق المحاصصة والولاءات الضيقة. ترفع شعارات المساواة، لكنها توزع النفوذ وفقا لموازين الانتماء. تتحدث عن الكفاءة، بينما تكافئ الولاء. تدعو إلى الوحدة الوطنية، لكنها تستثمر في الانقسام كلما احتاجت إلى تثبيت سلطتها. وهذه الازدواجية هي التي تدمر ثقة المواطن في الدولة أكثر من أي خطاب قبلي أو طائفي.إن ما أصاب الدولة العربية ليس وجود القبيلة أو الطائفة، بل تحول الدولة نفسها إلى راع لهما سياسيا. فبدلا من أن تكون المؤسسة التي تذيب الانقسامات داخل إطار المواطنة، أصبحت في كثير من الأحيان تعيد إنتاجها وتمنحها شرعية جديدة. وصار الانتماء إلى الجماعة وسيلة للحصول على الوظيفة، أو الترقية، أو النفوذ، أو الحماية، بينما تراجعت قيمة القانون والكفاءة.ولا تقع المسؤولية على السلطة وحدها، فالنخب السياسية والفكرية تتحمل جزءا كبيرا من هذا الإخفاق. فمنذ الاستقلال انشغلت بمعارك أيديولوجية طويلة حول القومية والاشتراكية والإسلام السياسي والليبرالية، لكنها لم تمنح مشروع بناء الدولة الحديثة الاهتمام الذي يستحقه. والأسوأ أن بعض هذه النخب وقعت في تناقض واضح، فهي تهاجم القبلية والطائفية في كتبها وخطاباتها، لكنها تستدعيهما عند الانتخابات، أو في توزيع المناصب، أو عند بناء التحالفات. وهكذا أصبح الخطاب شيئا، والممارسة شيئا آخر.كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية لم تؤد دورها في ترسيخ مفهوم المواطنة. فالمدرسة التي لا تعلم الطفل أن القانون أعلى من الأشخاص، وأن الحقوق لا ترتبط بالقبيلة أو الطائفة، تترك فراغا تملؤه الولاءات الضيقة. والإعلام الذي يختزل المجتمع في هويات متصارعة، بدلا من أن يعزز فكرة الوطن الجامع، يسهم هو الآخر في تعميق الأزمة.ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتمسك الناس بقبائلهم أو طوائفهم؟ بل: لماذا أخفقت الدولة في أن تصبح أكثر عدلا وإقناعا من هذه الروابط؟ فالإنسان لا يترك الدولة لأنها موجودة، بل لأنه لا يجدها عندما يحتاج إليها. وعندما يصبح الحصول على الحق مرتبطا بمن تعرف، لا بما يكفله القانون، فإن اللجوء إلى الجماعة يصبح خيارا عقلانيا في نظر كثير من المواطنين، حتى وإن كان يقوض فكرة الدولة على المدى الطويل.لقد أثبتت تجارب عديدة أن التنوع القبلي أو الديني أو المذهبي لا يؤدي بالضرورة إلى الفشل. فهناك دول تضم عشرات القوميات واللغات والأديان، ومع ذلك نجحت في بناء دول مستقرة، لأن مؤسساتها كانت أقوى من الانقسامات، ولأن القانون كان أعلى من الجميع. أما حين تصبح الدولة نفسها طرفا في الصراع، أو تتعامل مع المواطنين بدرجات مختلفة، فإن التنوع يتحول من مصدر ثراء إلى مصدر صراع.
إن الأزمة ليست أزمة قبيلة ولا أزمة طائفة، بل أزمة دولة لم تكتمل. فما زالت في كثير من البلدان دولة تحمل الشكل الحديث، لكنها تدار بعقلية ما قبل الدولة. تمتلك دستورا، لكن العلاقات الشخصية تتغلب على النصوص. تمتلك برلمانا، لكن القرارات الحقيقية تصنع خارج المؤسسات. تمتلك قضاء، لكن النفوذ يتقدم أحيانا على العدالة. وهذا التناقض هو الذي يجعل المواطن يفقد ثقته تدريجيا في الدولة، ويبحث عن بدائل توفر له ما عجزت عنه المؤسسات. ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة بإعلان الحرب على القبيلة أو الطائفة، لأن ذلك يعني الدخول في صراع مع البنية الاجتماعية للمجتمع. الحل ليس في إلغاء الهويات، بل في بناء دولة تجعل المواطنة أكثر عدلا وأكثر نفعا من أي انتماء آخر. فلا أحد يطالب الإنسان بأن يتخلى عن قبيلته أو طائفته، وإنما المطلوب ألا تكون هذه الانتماءات هي الطريق إلى الحقوق أو السلطة أو الثروة.ولهذا فإن الإصلاح يبدأ من إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الاستقلال والكفاءة وسيادة القانون. ويبدأ من تعليم يغرس قيمة المواطنة منذ السنوات الأولى، ومن إعلام يعزز الهوية الوطنية بدلا من استثمار الانقسامات، ومن اقتصاد يوسع فرص العمل بعدالة، ومن إدارة عامة تجعل المنصب مسؤولية لا غنيمة. كما يبدأ من نخب سياسية تمتلك الشجاعة للاعتراف بأن الدولة لا تبنى بالمحاصصة، بل بالمؤسسات، وأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه توازن الولاءات، بل عدالة القانون.
إن أكبر وهم تعيشه بعض الأنظمة هو الاعتقاد بأن استثمارها في الانقسامات يضمن بقاءها. ربما يمنحها ذلك مكاسب مؤقتة، لكنه يضعف الدولة نفسها، والدولة الضعيفة لا تحمي أحدا، حتى من استفادوا من ضعفها. فحين تنهار المؤسسات، لا ينجو أحد من آثار الانهيار.لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تسقط بسبب تعدد قبائلها أو طوائفها، وإنما تسقط عندما تصبح هذه الانتماءات أقوى من فكرة المواطنة، وعندما تعجز الدولة عن أن تكون الحكم العادل بين الجميع. فالقوة الحقيقية للدولة لا تقاس بعدد الجنود ولا بحجم الأجهزة الأمنية، بل بقدرتها على إقناع المواطن بأن القانون هو ملاذه الأول، وأن مستقبله يتحدد بكفاءته لا بانتمائه.ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العالم العربي اليوم ليس: كيف نضعف القبيلة والطائفة؟ بل كيف نبني دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى الاحتماء إلا بالقانون؟ فعندما تصبح العدالة متاحة للجميع، والفرص متكافئة، والمؤسسات مستقلة، ستعود القبيلة والطائفة إلى دورهما الطبيعي بوصفهما جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي، لا بديلا عن الدولة ولا منافسا لها.فالدولة التي تعجز عن بناء مواطنة حقيقية ستظل أسيرة الولاءات الضيقة، مهما رفعت من شعارات الوحدة الوطنية. أما الدولة التي تجعل القانون فوق الجميع، والكفاءة معيارا للتقدم، والإنسان محور سياساتها، فهي وحدها القادرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، وصناعة وطن يشعر كل مواطن بأنه ينتمي إليه بالحقوق والواجبات، لا بالخوف والحاجة. عندها فقط لا يعود السؤال: هل أصبحت القبيلة والطائفة أقوى من الدولة؟ بل يصبح السؤال: كيف نجحت الدولة أخيرا في أن تكون وطنا للجميع، لا غنيمة تتقاسمها الجماعات.
* تم النشر على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب
