سياسة مجتمع

اميركا واسرائيل وايران تتلاعب بالساحة اللبنانية: السلطة الشرعية بين ضربات المطرقة والسندان

زهير هواري

بيروت 6 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

اتفاق غير قابل للتنفيذ

لا يبدو أن حظ الاتفاق الأخير الذي جرى توقيعه منذ أيام في الخارجية الاميركية أفضل من الاتفاقات التي سبقته في الاعوام 2006 و2024 و2025. بالطبع مرد مثل هذا المصير متداخل بين سياسات أميركية – اسرائيلية وايرانية حزب اللاهيّه، بينما تبقى السلطة الشرعية هي الطرف الواقع بين معادلة المطرقة والسندان. ففي الايام التي أعقبت نشر النص تتابعت المواقف التي تعبر عن اشكالية المأزق المحلي، الذي تأكد من خلاله أن لبنان ما يزال بمثابة “صندوق بريد” للاطراف الاقليمية والدولية. وتبعا لذلك واصلت اسرائيل هجماتها على القرى والبلدات والمدن الجنوبية والبقاعية دون انقطاع، ومعها سقط المزيد من الضحايا والجرحى والمهجرين.

الجديد في الوضع أن الإنذارات بالتهجير وصلت إلى حافة صيدا، وطالت على نحو واسع البقاع الغربي. وقد تعاود الوصول غدا إلى الضاحية الجنوبية وبيروت، اذا ما منحت اميركا الضوء الأخضر لاسرائيل لمواصلة ضغوطها عليهما. أو قامت بحصارهما كما كان مقررا قبل ارغام ترامب نتنياهو على التراجع عن خطته الهجومية. أما حزب الله الذي التحق بالحرس الثوري وأعلن رفض الاتفاق، فتابع بدوره اطلاق صليات الصواريخ نحو المواقع الاسرائيلية في المستوطنات والمناطق الجنوبية المحتلة.

المهم أن سيل التصريحات التي صدرت وتصدر عن كل من الرئيس دونالد ترامب ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، وعلى المقلب الآخر تصريحات كل من الحرس الثوري الايراني ووزير الخارجية وأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم تؤكد على حقيقة ساطعة سطوع الشمس، مفادها أن الملف اللبناني مازال مفتوحا على مصراعيه من جانب الطرفين. وأن اللبنانيين سيستمرون بدفع الثمن من دمائهم وأرزاقهم واستقرار مجتمعاتهم. ما يعني أنه منذ الثاني من آذار إلى الرابع من حزيران سيزيد تباعا رقم الضحايا من شهداء وجرحى عن  14259 منهم 10733 جريحا.

والواقع أن السياسة الاسرائيلية التي تتابعت منذ موعد ما اسماه حزب الله الانتقام لمصرع الولي الفقيه على الخامنئي وحتى اليوم وبتغطية أميركية، تسعى إلى تحقيق دفع لبنان نحو فوضى اهلية مزعزعة لكيانه ومجتمعه. ومع أن السياسة الاميركية تبدو في بعض المفاصل غير متطابقة كليا مع الرغبات الاسرائيلية، إلا أنها فعليا تتقاطع معها، عندما لا تمارس أي ضغط عليها فترغمها بالتالي على الخروج من الجنوب اللبناني والاعتراف بسيادة الدولة اللبنانية عليه. ومثل هذه السياسة تتلاقى في المقلب الآخر مع سياسة ايرانية يقودها الحرس الثوري ويتولى حزب الله محليا ايقاد نارها. وعليه، لا وزن لدى كلا الفريقين لعذابات الجنوبيين الذين يتقاطرون على مراكز الإيواء المتنوعة، بعد أن يحملوا معهم بعض أغراضهم – أواعيهم – ويغادرون قراهم المهددة بالتدمير.

التدمير والتهجير معا

والواقع أن اسرائيل سعت طوال الأشهر المنصرمة إلى تفريغ الجنوب سكانيا من خلال ممارساتها بعد تقسيمه إلى ثلاثة مناطق جغرافية وعسكرية. يرسم حدود كل واحدة منها أحد الأنهار. لكن هذه الأنهار كما تبين ليست حدودا ثابتة، بل هي قابلة للتحرك والاختراق متى تقرر ذلك. وتمتد المنطقة الاولى من الحدود الدولية حتى  نهر الليطاني. وقد ثبت أن نهر الليطاني رغم تدمير شبكات الجسور عليه، وأهمها جسر القاسمية، قابل بسهولة للتجاوز متى صدرت القرارات السياسية والخطط العسكرية. وبهذا المعنى تمكنت القوات البرية من عبوره بعد اسقاط قلعة الشقيف، من خلال إقامة جسر سرعان ما عبرته الدبابات الاسرائيلية بسهولة. أما المنطقة الثانية فيحدها نهر الزهراني وهي تمتد حتى جنوبي صيدا، والتي تعرضت عمليا للإخلاء بفعل الهجمات السابقة والإنذارات الأخيرة، التي شملت  هذه المنطقة بشكل كامل تقريبا. أما المنطقة الثالثة فهي من نهر الزهراني حتى نهر الأولي، أي من جنوب إلى شمال مدينة صيدا. وبذلك فإن ما سبق وأعلنته اسرائيل لدى انطلاقة هجومها من أنها تسعى فقط إلى إبعاد الصواريخ والطائرات الموجهة عن أن تطال مستوطناتها الشمالية، هو محض تمويه على حقيقة المخطط المنوي تنفيذه.

ومنذ الأشهر الممتدة من أوائل آذار المنصرم حتى تاريخه، أرغمت القوات الاسرائيلية وعلى دفعات، مئات الألوف من اللبنانيين على مغادرة قراهم ومدنهم، وتعمدت قصف من قرر الصمود منهم في بيته رغم الإنذارات. إذ كانت يوميا تصدر البيانات التي تدعو إلى الإخلاء ومغادرة المنطقة شمالا نحو الزهراني أو الاولي أو لما هو أبعد منهما. ومن يتخلف مصيره الموت مثله مثل رجال الدفاع المدني والفرق الطبية.

واذا أضيف إلى هؤلاء ما شهدته الضاحية والبقاع الغربي وبعلبك – الهرمل من حملات تهجير وتدمير، يتبين أن الهدف هو السيطرة على هذه الجغرافيا اللبنانية من دون السكان. بدليل أن ما تمارسه من تدمير منهجي طال المدن والقرى التي أحالتها أحزمة الديناميت والجرافات قاعاً صفصفا. ما يعني أن لا إمكانية لعودة الأهالي إليها بفعل عاملين متكاملين أولهما هو استمرار القصف والتفجيرات، وثانيهما تعذر اعمارها، وبالتالي استحالة الرجوع والإقامة وسط التدمير الشامل لكل مقومات الحياة.

وتدرك اسرائيل أن من شأن وجود حوالي 1.200.000 مواطن خارج ديارهم أن يقود إلى صدامات تنعكس سلفا على جملة الوضع اللبناني الذي يعاني من تداخل وتعقد الأزمات السياسية والطائفية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. يحدث هذا أيضا في ظل ندرة فرص العمل، ومحدودية المساعدات التي لا تكفي للقيام بأود المحتاجين إليها. وكذلك يلعب الضخ الايديولوجي دوره في اطلاق موجات عنف محتملة بفعل الشحن الطائفي الذي يتجه نحو الآخرين من أبناء الوطن. ولعل الإقامة في المدارس كمراكز إيواء يمكن أن يتحول إلى بؤر تفجير باعتباره لا يقدم حلولا لأوضاع فئات استهلكت ما لديها من مدخرات مادية وأرزاقها، بعد أن قامت المصارف قبلا بنهب ما كان لديها في البنوك.

من النبطية إلى صيدا والبقاع الغربي

يجري حاليا تركيز التدمير على كل من النبطية وبعض القرى في منطقتي صيدا وجزين والبقاع الغربي بعد تدمير كل من بنت جبيل وصور والخيام وغيرهم عشرات البلدات والقرى. ما يعني أن اسرائيل عبر هجماتها تسعى إلى تطويق الساحل الجنوبي انطلاقا من المرتفعات الوسطى في هذه المناطق. ومن المعلوم أن الجيش الاسرائيلي يدرك جيدا أن السيطرة على النبطية ومحيطها وصولا إلى قضاء صيدا لن يكفي للقضاء على المقاومة، وعلى حزب الله خصوصا وأنه لن يحد من فاعلية الصواريخ والمسيرات التي يمكن أن تنطلق من مناطق جبلية وعرة أخرى كجبل الريحان وأقليم التفاح ومرتفعات البقاع الغربي، كي تستهدف كلا من القوات المتقدمة والمستوطنات الشمالية على حد سواء، وهو ما يعني أن كلا الخطين الأول والثاني لن يحققا الأمن الذي يبحث عنه نتنياهو كما بدأت التعليقات الاسرائيلية نفسها تؤشر إلى ذلك.

وتبعا للوضع تفكر اسرائيل بتوسيع هجومها نحو خط الدفاع الثالث. وهي في الأساس وجهت إنذارات بالإخلاء، وكثفت الغارات على قرى جبل الريحان وإقليم التفاح ومرتفعات برغز ومشغرة وسحمر وقليا وحاصبيا. وطالت الاستهدافات بالقصف  اطراف سد القرعون. وهو ما يحدث للمرة الأولى رغم تاريخ الحروب الطويل.

وخط الدفاع الثالث هذا هو عبارة عن جبال مرتفعة، وتحتاج القوات المهاجمة إلى التوجه صعوداً نحو مرتفعات عالية يمكن لأي مرابض أن يستهدفها ويحول دون تقدمها، ما يعني أن هناك صعوبة بالغة في الوصول إليها بسهولة، إلا في حال فتحت إسرائيل محوراً جديداً أو جبهة جديدة من جهة البقاع شرقا. جبهة تنطلق من مرتفعات جبل الشيخ باتجاه قضائي حاصبيا وراشيا للوصول إلى المشارف الجنوبية للبقاع الغربي، بما يتيح لها تطويق الجنوب وعزله بالكامل عن البقاع. وبذلك  تصبح قواتها في مواقع حاكمة من هذه التلال العالية. ومثل هذا التوجه يحتاج إلى تقدم إسرائيلي على الحدود اللبنانية السورية. وهي في الأساس مهدت من خلال تقدمها  في الاراضي السورية لامكانية دمج مناطق حاصبيا في جنوب لبنان مع مناطق في جنوب سوريا. ومن المعروف أن هذه المناطق لا تشرف فقط على العاصمة السورية، بل على خط بيروت دمشق ما يمكنها من التحكم بالمواصلات بين الدولتين ساعة تشاء.

تلاعب جغرافي وديموغرافي

إن السيطرة المباشرة وبالنارعلى حوالي ثلث مساحة لبنان وضمن المعادلات السياسية يعتبر تهديدا للكيان اللبناني برمته، ولا يتعلق بالمنطقة الجغرافية الجنوبية التي تشغل معظمها الطائفة الشيعية في الجنوب والبقاع وكذلك بعلبك ـ الهرمل. ما يعني أن هناك استعداداً للتلاعب بالخارطتين اللبنانية والسورية على حد سواء.

والمؤكد أن ما تعرض له لبنان بفعل الزلزال الذي أحدثه العدوان الاسرائيلي من خلال “العبقرية الاستراتيجية” لدى الحرس الثوري وحزب الله الذي من خلال افساحه الطريق نحو الهيمنة الاسرائيلية على الجنوب، فتح الباب أمام تفجير الكيان اللبناني برمته. وسبق أن عمد الحزب إلى التلويح بإشعال فتيل الحرب الأهلية  بمناسبة ومن دونها. خصوصا وأن المواد القابلة للاشتعال متوافرة وبكثرة في البيئة اللبنانية، على ضوء ما شهدته السنوات السابقة، بدءا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وسواه من القادة  والحزبيين والاعلاميين، ومن ممارسات تحريض وتعبئة مذهبية وطائفية ومن مختلف الاطراف. ولا يعني الكلام حول عدم جهوزية اللبنانيين لتكرار تجربة الحرب الأهلية شيئا، ما دامت التناقضات الاقليمية موجودة، والداخلية جاهزة لتوفير المقومات النفسية والسلوكية.

إن خطر محاولات التوسع الاسرائيلية  باتجاه هذه مناطق الجنوب والبقاع الغربي، ستدفع بجهات وقوىً دولية وإقليمية متعددة للتدخل،  بذريعة العمل على لجم مثل هذا المشروع الذي يهدد لبنان وسوريا على نحو مباشر والمرشح للتمدد إلى الاردن والعراق وما بعدهما. إن تل أبيب طالما تحدثت عن تغيير خارطة وتوازنات الشرق الاوسط، وبالتالي إحداث تحول جيوسياسي في المنطقة من خلال  إلغاء قضية الشعب الفلسطيني وتطويق الاردن ولبنان وسوريا، والعمل على تمزيق مجتمعاتها ودولها.

إن الخطوة الأولى في هذا الطريق تتمثل في ما أعلنته صحيفة “يديعوت احرونوت” العبرية مؤخرا عندما نقلت عن مسؤول إسرائيلي قوله إنّ “قوات الجيش الإسرائيلي ستبقى في المناطق التي سيطرت عليها بالفعل في جنوب لبنان، بما في ذلك منطقة قلعة الشقيف الاستراتيجية، في إطار مسار دبلوماسي مشروط يتشكل حول وقف إطلاق النار، بينما تستمر العمليات الهادفة إلى تفكيك بُنى حزب الله التحتية”. وأضافت : “إن جهود الولايات المتحدة تهدف إلى دفع لبنان إلى مواجهة حزب الله بشكل مباشر، على أن يقوم الجيش اللبناني بالانتشار في قطاعات محددة وإزالة وجود الحزب من الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني. وفي حال رفض حزب الله ذلك، قال المسؤول:” إن إسرائيل ستعتبر ذلك مبرراً إضافياً لمواصلة عملياتها العسكرية”.  بما فيه منح اميركا اسرائيل الضوء الأخضر للتقدم نحو مناطق جديدة.

على أي حال ليس هناك من شكل واحد للحروب والفوضى الأهلية وتمزيق كيانات المنطقة، وهو ما تتكافل وتتضامن في بلوغه أكثر من قوة اقليمية ودولية مع احصنة طروادة محلية.  ودوما على اللبنانيين دفع الثمن دون الحق بالصراخ من الوجع حتى.