* كمال مصطفى
يأتي كتاب «من الدين إلى الطائفة: في ضرورة الدولة المدنية» لخالد غزال ضمن سياق فكري عربي يسعى إلى تفسير أزمة الدولة الحديثة في المجتمعات العربية من خلال تحليل العلاقة بين الدين والطائفية وبناء المجال السياسي. ومن منظور سوسيولوجيا المعرفة، لا تُقرأ أطروحات الكتاب بوصفها أفكاراً مجردة أو حقائق مستقلة عن الواقع الاجتماعي، بل باعتبارها نتاجاً لشروط تاريخية وثقافية وسياسية محددة. فالمعرفة، وفق هذا المنظور، ترتبط بالبنية الاجتماعية التي تنتجها، وتعكس إلى حد كبير موقع أصحابها داخل الصراعات الفكرية والسياسية القائمة.
ينطلق غزال من فرضية مفادها أن الانتقال من الدين كمنظومة عقائدية وأخلاقية، إلى الطائفة كهوية سياسية واجتماعية، يمثل أحد أهم معوقات تشكل الدولة المدنية. وفي هذا السياق، تبدو الطائفية ليست مجرد انتماء ديني، بل آلية لتنظيم المصالح والسلطة داخل المجتمع. ومن منظور سوسيولوجيا المعرفة يمكن القول إن هذا التحليل يعبر عن رؤية حداثية ليبرالية تشكلت في سياق إخفاق مشاريع الدولة الوطنية العربية وتصاعد الانقسامات الطائفية منذ أواخر القرن العشرين، ما يجعل مفهوم الدولة المدنية في الكتاب استجابة معرفية لأزمة اجتماعية وسياسية ملموسة.
غير أن قراءة الكتاب في ضوء أطروحات المفكر الماركسي اللبناني مهدي عامل تكشف اختلافاً جوهرياً في تفسير الظاهرة الطائفية. فبينما يميل غزال إلى التركيز على البعد الثقافي والسياسي للطائفية وضرورة تجاوزها عبر بناء دولة مدنية محايدة تجاه الانتماءات الدينية، يرى مهدي عامل أن الطائفية ليست بقايا ثقافية أو مجرد خلل في الوعي الاجتماعي، بل هي شكل من أشكال الهيمنة السياسية المرتبطة بالبنية الطبقية للمجتمع التابع. ففي تحليله، تعمل الطائفية كآلية لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية عبر تحويل الصراع الاجتماعي من صراع بين طبقات إلى صراع بين جماعات طائفية. لذلك فإن تجاوز الطائفية لا يتحقق فقط من خلال إصلاح سياسي أو قانوني، بل عبر تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها.
ومن زاوية سوسيولوجيا المعرفة، يعكس هذا الاختلاف موقع كل مفكر داخل حقل فكري مختلف؛ فغزال يتحرك ضمن أفق ليبرالي يضع الدولة المدنية وحياد المجال السياسي في مركز الحل، بينما ينطلق مهدي عامل من أفق ماركسي يربط إنتاج الأفكار والأيديولوجيات بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. ولذلك فإن مفهوم الطائفية عند غزال يمثل عائقاً أمام المواطنة، في حين يمثل عند مهدي عامل أداة أيديولوجية تخدم إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم.
وتتقاطع أطروحات غزال مع أعمال علي عبد الرازق التي دافعت مبكراً عن الفصل بين السلطة الدينية والسياسية، ومع أفكار عزيز العظمة الذي رأى أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تتأسس على الهويات الدينية ما قبل الوطنية. كما تلتقي جزئياً مع تحليلات برهان غليون حول أزمة الدولة العربية وعجزها عن إنتاج فضاء مواطني جامع. إلا أن هذه المقاربات، شأنها شأن أطروحة غزال، تميل إلى التركيز على البعد السياسي والثقافي للأزمة، أكثر من تركيزها على الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي أبرزها مهدي عامل.
كما يمكن ربط الكتاب بأفكار ماكس فيبر في سوسيولوجيا الدين، حيث يُنظر إلى المعتقدات الدينية بوصفها قوى اجتماعية تؤثر في تشكيل أنماط التنظيم السياسي والاجتماعي. لكن غزال يختلف عن فيبر في أن اهتمامه ينصب على الطائفية كإشكالية سياسية معاصرة، أكثر من اهتمامه بالدين كقوة تاريخية في بناء الحداثة. وفي المقابل، يقترب من التصور الذي قدمه بيتر برغر حول إنتاج المعاني الاجتماعية، إذ تبدو الطائفة في الكتاب بناءً اجتماعياً يُعاد إنتاجه عبر المؤسسات والخطابات السياسية والثقافية.
تكشف القراءة السوسيولوجية للمعرفة أن الكتاب لا يقدم فقط تحليلاً للطائفية، بل يعبر أيضاً عن موقع معرفي يسعى إلى تأسيس شرعية فكرية لمشروع الدولة المدنية في مواجهة الأشكال التقليدية للانتماء السياسي. غير أن المقارنة مع مهدي عامل تبرز حدود هذا المنظور؛ إذ إن التركيز على البعد الثقافي والهوياتي قد يؤدي إلى إغفال الآليات الاقتصادية والطبقية التي تجعل الطائفية قابلة للاستمرار وإعادة الإنتاج. ومن ثم فإن فهم الظاهرة الطائفية يقتضي الجمع بين التحليل الثقافي الذي يقدمه خالد غزال والتحليل البنيوي المادي الذي يقدمه مهدي عامل، بما يسمح بإدراك الطائفية بوصفها في الوقت نفسه بناءً رمزياً وأداة سياسية متجذرة في بنية المجتمع.
وبذلك يظهر الكتاب كجزء من سجال فكري عربي واسع حول شروط بناء الدولة الحديثة، حيث تتنافس تفسيرات ليبرالية وماركسية وسوسيولوجية مختلفة لفهم العلاقة بين الدين والطائفة والسلطة. وتكمن أهميته في أنه يسلط الضوء على مأزق المواطنة في المجتمعات العربية، بينما تكمن أهميته السوسيولوجية في أنه يمثل تعبيراً معرفياً عن مرحلة تاريخية تبحث فيها النخب الفكرية عن أسس جديدة للاندماج السياسي خارج الانقسامات الطائفية التقليدية.
