سياسة مجتمع

قوى السلطة بين إدارة الانهيار وإفلاس النموذج السياسي!

زكي طه

 بيروت 21 تموز 2026 ـ بيروت الحرية

أزمة نظام… أم نهاية نموذج تاريخي؟

ليس من المبالغة القول إن لبنان يقف اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخه الحديث. فالبلاد لا تواجه حرباً إسرائيلية مفتوحة على حدودها الجنوبية فحسب، ولا تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة فحسب، بل هي أيضاً وسط تحولات إقليمية ودولية كبرى غايتها إعادة رسم خرائط النفوذ، وموازين القوى، وأولويات الفاعلين الدوليين والإقليميين. وفي خضم هذه التحولات، يبدو لبنان، أكثر من أي وقت مضى، عاجزاً عن تحديد موقعه، أو امتلاك القدرة على التأثير في مسارات الأحداث التي ترسم جزءاً كبيراً من مستقبله.

وعلى أهمية هذه التحولات، فإن الأزمة اللبنانية ليست من نتاجها المباشر، وإن كانت قد كشفت هشاشة بنية البلد، وحدود النظام الذي حكم قيام الدولة وتطورها خلال العقود الماضية. فما يشهده لبنان اليوم ليس مجرد خلل سياسي عابر، بل أزمة بنيوية عميقة تطال الأسس التي قامت عليها الدولة، وآليات عملها، ووظائفها، وقدرتها على إنتاج الاستقرار وإعادة إنتاج نفسها.

لقد اعتاد اللبنانيون، ومعهم معظم القوى السياسية، النظر إلى الأزمات المتعاقبة باعتبارها أزمات حكومات، أو رئاسات، أو توازنات طائفية، تُعالج عبر تسويات تعيد توزيع الحصص بما يسمح للنظام بالاستمرار، انطلاقاً من قدرته المفترضة على ترميم نفسه وتعديل توازناته وإعادة إنتاج الاستقرار. لكن السنوات الأخيرة بيّنت أن الأزمة تجاوزت حدود الأداء الحكومي، وتخطت مظاهر الفساد وسوء الإدارة، وبلغت مستوى أعمق يتمثل في عجز النظام الذي حكم الدولة اللبنانية عن تأدية وظائفه الأساسية.

لقد انهار النموذج الاقتصادي الريعي الذي قام على الخدمات والديون والتحويلات والاستهلاك، من دون أن تنجح الدولة الخاضعة لسلطة القوى الطوائفية الميليشسياوية في بناء اقتصاد منتج أو في رسم سياسة تنموية مستدامة. وتراجعت وظائف الدولة الأساسية، ليس بوصفها إدارة عامة فحسب، بل باعتبارها الإطار الجامع للمواطنة، والضامن للحقوق، والمنظم للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، والمرجعية الوحيدة للسيادة والسلطة المشروعة.

وبذلك بلغ النظام الطائفي حدود عجزه التاريخي. فهو لم ينجح، طوال العقود الماضية، في بناء دولة المواطنين، ولم يعد قادراً حتى على إدارة التوازنات التي ادعى حمايتها. ومع تراكم الأزمات، تحول من صيغة لإدارة التنوع والاختلاف إلى آلية دائمة لإنتاج التعطيل، وإعادة توزيع الامتيازات، وتغذية الانقسام الأهلي، حتى أصبحت الطائفة بديلاً عن الدولة، والمحاصصة بديلاً عن السياسة، والولاء الفئوي بديلاً عن المواطنة.

وعليه، لم يعد بالإمكان اختزال ما يجري على ما اُصطلح على تسميته بأنه «أزمة نظام» يمكن تجاوزها بإصلاح بعض قواعد عمله، أو تعديل موازين القوى داخله، مدخلاً لاستعادة الاستقرار. فالوقائع القائمة تشير إلى أن الأزمة بلغت مستوى أكثر عمقاً وتعقيداً، يتصل بالصيغة أو النموذج التاريخي الذي قام عليه لبنان منذ نشأته الحديثة، وقد فقد تدريجياً قدرته على إنتاج الدولة والاقتصاد والسياسة في آن واحد.

إدارة الانهيار

إن أخطر مظاهر الأزمة يتمثل في انتقال قوى السلطة من محاولة إدارة الدولة إلى الاكتفاء بإدارة نتائج انهيارها. فلم تعد الأولوية إنتاج سياسات عامة تعالج أسباب الأزمات، بل احتواء تداعياتها، وتأجيل انفجاراتها، والبحث عن تسويات مؤقتة تسمح باستمرار التوازنات القائمة وإعادة إنتاجها، ولو على حساب المصلحة الوطنية والمجتمع والدولة نفسها.

وبذلك أصبحت إدارة الانهيار هي البديل عن مشروع بناء الدولة. يؤكد ذلك تعامل قوى السلطة والحكم مع الأزمات بوصفها وقائع دائمة ينبغي التكيف معها، لا تحديات تاريخية ينبغي تجاوزها. ومن هنا يصبح مشروعاً التساؤل عما إذا كان لبنان يواجه فقط أزمة سلطة أو أزمة نظام، أم أنه يعيش لحظة استنفاد دور نموذج أو نظام تاريخي بكامله، بما يفرض إعادة التفكير في أسس ودور الدولة ووظيفتها، وفي المشروع الوطني القادر على تأسيس مرحلة جديدة.

ولأن الأزمة التي يواجهها لبنان تجاوزت حدود التعثر الحكومي أو الاختلالات الدستورية، فإن أداء قوى السلطة، على اختلاف مواقعها وخطاباتها، يشكل التعبير السياسي الأكثر وضوحاً عن أزمة هذا النظام بعدما بلغ حدود عجزه التاريخي. وما يبدو في الحياة العامة سلسلة من الأزمات المتفرقة ليس، في حقيقته، سوى تجليات متعددة لأزمة واحدة، تتبدى كل مرة بصورة مختلفة، لكنها تعود دائماً إلى المصدر نفسه: فقدان القدرة على إنتاج سياسة عامة تستجيب لمتطلبات بناء الدولة وتحصين المجتمع.

وبذلك يتكشف المشهد اللبناني الراهن بكل تناقضاته. ففي القضايا السيادية، يتعثر اللبنانيون في بناء رؤية وطنية موحدة لإدارة المفاوضات، والسعي إلى وقف العدوان الإسرائيلي، وتحرير الأراضي المحتلة، وتثبيت حق الدولة وحدها في امتلاك القرار السيادي. وفي القضايا الاقتصادية والاجتماعية، تتعثرالمبادرات الجزئية من دون أن ترتقي إلى مستوى سياسة اقتصادية أو اجتماعية متكاملة، فيما تتفاقم أزمات السكن والتعليم والاستشفاء والجامعة اللبنانية والإدارة العامة والرواتب والضمانات الاجتماعية، لتتحول كلها إلى أزمات دائمة لا تجد طريقها إلى حلول مستدامة.

ولا يعود العجز إلى غياب الكفاءات أو نقص الإمكانات فحسب، بل إلى أن قوى السلطة نفسها لم تعد تمتلك إطاراً وطنياً جامعاً تستطيع من خلاله تحويل ممارسة السلطة إلى مشروع للدولة. فكل قوة تنظر إلى الملفات العامة من زاوية موقعها في ميزان القوى الطوائفي، أو من زاوية جمهورها المباشر، أو ارتباطاتها وتحالفاتها، فيما تتراجع الدولة بوصفها المرجعية العليا التي تُقاس على أساسها الخيارات والسياسات.

والمفارقة الأكثر دلالة لا تكمن في كثرة الأزمات، بل في الطريقة التي تُدار بها. فبدلاً من البحث في أسبابها البنيوية، يجري الاكتفاء بإدارة نتائجها، وبدلاً من بناء سياسات عامة تعالج جذورها، تُنتج تسويات مؤقتة لتأجيل انفجارها. وهكذا تصبح الأزمات  جزءاً من آلية الحكم، لا حالات استثنائية تستدعي المعالجة.

والأخطر، أن هذا المسار أنتج ما يمكن تسميته «التطبيع مع الانهيار». فحين تتكرر الأزمات من دون حلول، ويتحول الاستثناء قاعدة، يتكيف المجتمع مع تردي الخدمات وهدر الحقوق، ويصبح الانهيار سمة من سمات الحياة السياسية اليومية، وتتآكل قدرة الدولة على الفعل أو المبادرة، ويعتاد الرأي العام انتظار إدارة الأزمة بدلاً من انتظار الحل.

عجز أم إفلاس سياسي؟

إن الفساد وسوء الإدارة وضعف الأداء عناصر حقيقية وأساسية في تفسير ما يجري. غير أن الحديث عنها لم يعد كافياً لتوضيح كيف أصبحت قوى السلطة عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جديد، أو عقد سياسي جديد، أو رؤية تتجاوز إدارة الوقائع إلى إعادة تأسيس الدولة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يعود هذا العجز إلى بلوغ قوى السلطة حالة من الإفلاس السياسي؟

لا يعني الإفلاس السياسي غياب السياسة، ولا توقف الصراع بين القوى المختلفة، ولا انعدام المبادرات اليومية. بل يعني أن السياسة المعتمدة فقدت قدرتها التاريخية في العمل على إنتاج المستقبل. فبدلاً من أن تكون أداة لبناء الخيارات الوطنية، أصبحت وسيلة لإدارة موازين القوى القائمة؛ وبدلاً من أن تؤسس لتوافقات جديدة، باتت تكتفي بإعادة إنتاج الانقسامات؛ وبدلاً من أن تفتح أفقاً للدولة، انحصرت وظيفتها في تأجيل الانهيار وإدارته.

ولذلك، فإن الإفلاس السياسي ليس وصفاً أخلاقياً، ولا شتيمة في معرض السجال، بل توصيف لمرحلة تاريخية تصبح فيها السياسة عاجزة عن أداء وظيفتها الأصلية، أي قيادة المجتمع نحو تحقيق انتقال جديد. وعندما تبلغ الأزمة هذا المستوى، لا يعود ممكناً الاكتفاء بتغيير الحكومات، أو تبديل التحالفات، أو إعادة توزيع الحصص، لأن المشكلة لم تعد كامنة في شكل السلطة وحده، بل في استنفاد النموذج الذي تنتجه وتعبر عنه.

ومن هنا، فإن الخروج من الأزمة لا يبدأ بالبحث عن تسوية إضافية داخل النموذج القائم، بل بإعادة فتح النقاش الوطني حول الدولة التي يحتاجها اللبنانيون، والاقتصاد القادر على تأمين شروط الحياة الكريمة، والنظام السياسي الذي ينتج المواطنة والسيادة والعدالة والديمقراطية. وهذه ليست مهمة حكومة جديدة، ولا مسؤولية فريق سياسي بعينه، بل مهمة تاريخية تفرضها نهاية مرحلة كاملة، وتستدعيها عملية  الشروع في بناء مرحلة جديدة.

نحو إعادة إنتاج السياسة

إذا كان ما يعيشه لبنان اليوم يعبر عن استنفاد صيغة نظام أو نموذج تاريخي، فإن التحدي لم يعد  يقتصر على تغيير الحكومات أو تعديل موازين القوى، بل أصبح يتمثل في إعادة إنتاج السياسة نفسها بوصفها فعلاً وطنياً ديمقراطياً يؤسس لدولة قادرة، واقتصاد منتج، ومجتمع مواطنين.

إن الاعتراف بعمق الأزمة ليس دعوة إلى اليأس، بل هو الشرط الأول للخروج منها. فالأزمات التاريخية لا تُواجَه بإنكارها، ولا بإدارة نتائجها، وإنما بامتلاك الشجاعة الفكرية والسياسية لفتح نقاش وطني حر حول الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها المرحلة المقبلة.

وغاية هذه القراءة ليست إصدار الأحكام، بل المساهمة في إعادة بناء الوعي الوطني، وفتح أفق لحوار ديمقراطي مسؤول، يضع مصلحة لبنان ودولته ومجتمعه فوق كل اعتبار آخر.