*طارق الحجيري
” لا أريد صدقةً ولا شفقةً، فقط أريد التمكّن من المشي ثانية. الطرف الصناعيّ يتآكل مع الوقت، ويحتاج إلى صيانة دائمة واستبداله كلّ مدّة من الزمن، لكن ذلك فوق قدرتي. أشعر أحيانًا أنّ الإعاقة ليست في جسدي فقط، بل في هذه الدولة التي وُلدنا فيها“. بهذه الكلمات يشرح قاسم الأطرش لـ”مناطق نت“ معاناة الأشخاص من ذوي الإعاقة، بعدما فقد ساقه في حادث عمل قبل سنوات. يؤكّد الأطرش أنّ المعاناة الحقيقيّة لم تعد في الإعاقة والبتر، بل عند صيانة الطرف الصناعيّ أو استبداله.
أمّا خالد الحاج (شلل خلقي) فيقول لـ”مناطق نت“ بحسرة وغضب: ”كلّ متر تسيره مركبتي الكهربائيّة يذكّرني بأنّني رهينة الفقر والمال. هناك كثيرون مثلي يبقون في منازلهم أشهرًا عديدة لأنّهم لا يستطيعون شراء مركبة كهربائيّة، أو إصلاح أطرافهم الصناعيّة أو استبدالها“. ويشير إلى أطفالٍ يكبرون وتكبر إعاقاتهم لأنّ أهاليهم عاجزون عن شراء الأجهزة والأدوات الداعمة بسبب غلاء أسعارها.
غلاء الأجهزة وشحّ الدعم
لا تقتصر أزمة ذوي الإعاقة في لبنان على محتاجي الأطراف الصناعيّة وحسب، بل تشمل أيضًا الكراسي المتحرّكة، والعكاكيز، والأجهزة المساعدة الأخرى، فقد ارتفعت أسعارها بشكل كبير بعد الأزمة الاقتصاديّة وانهيار سعر صرف الليرة، فيما برامج الدعم الرسمّي نادرة، وعند حضورها فهي شكليّة.
وتُسجّل في هذا المجال محاولات بعض الجمعيّات الإنسانيّة والخيرّية (مثل الصليب الأحمر والهاند كاب) لسدّ جزءٍ من الاحتياجات، لكنّها غير كافية، وهي بالأساس مسؤوليّة الدولة وواجبها تجاه أبنائها من ذوي الإعاقة.
حقوق على الورق
جاء في المادة 25 من الاتفاقيّة الدوليّة لضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي وقّع عليها لبنان: ”للأشخاص ذوي الإعاقة الحقّ في التمتّع بأعلى مستويات الصحّة دون تمييز على أساس الإعاقة“، ونصّت على اتّخاذ ”التدابير الكفيلة بحصول الأشخاص ذوي الإعاقة على خدمات صحّيّة تراعي الفروق بين الجنسين، بما في ذلك خدمات إعادة التأهيل الصحّيّ“، وأن تكون برامجها مجّانيّة أو معقولة الكلفة، ”تعادل في نطاقها ونوعيّتها ومعاييرها تلك التي توفرها للآخرين“.
مصدر في وزارة الصحّة يقرّ، في حديث إلى ”مناطق نت“، بأنّ الوزارة ليست قادرة على تغطية كلّ الاحتياجات، مبرّرًا ذلك بالأزمة الماليّة التي تضرب لبنان منذ العام 2019. ويقول إنّ ”ميزانيّة الوزارة تقلّصت بشكل كبير، والأولويّة حاليًّا لتأمين الأدوية والعلاجات الأساسيّة، فيما تعتمد برامج دعم الأطراف الصناعيّة إلى حدّ بعيد على التمويل الخارجيّ والهبات“، ويُقِرّ بأنّها غير كافية لتلبية الطلب المتزايد.
ويضيف المصدر أنّ الوزارة تعي حجم المعاناة، إلّا أنّ الإمكانات الحاليّة ”لا تسمح بإطلاق برنامج وطنيّ شامل لتغطية جميع الأشخاص المحتاجين“، مؤكّدًا أنّ الأزمة تتجاوز وزارة الصحّة وحدها، وتتطلّب خطّة حكوميّة متكاملة.
القانون حاضر والتنفيذ غائب
في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وارتفاع عدد مبتوري الأطراف، يسأل ناشطون في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة: أين وزارة الشؤون الاجتماعيّة؟ أليست هي جزءًا أساسيًّا من المسؤوليّة؟ ويعتبرون أنّ دورها في حماية هذه الفئة ما زال محدودًا ودون المأمول، سواء عبر برامج الدعم المباشر أو من خلال تنفيذ القوانين التي تكفل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويشير هؤلاء إلى أنّ القانون اللبنانيّ، بعد إقرار القانون رقم 220/2000، بات يضمن في نصوصه حقوق ذوي الإعاقة، وواجب وزارات الدولة، وفي مقدّمتها وزارة الشؤون، تأمينها، إلّا أنّ التطبيق ما زال ناقصًا، ما يجعل آلاف الأشخاص يعتمدون على المبادرات الفرديّة والجمعيّات الأهليّة للحصول على أبسط حقوقهم.
الحقّ بالحركة يحتاج سياسة وطنيّة
في حديثه لـ”مناطق نت“، يؤكّد توفيق عبد الجليل، وهو خبير وصاحب مركز أطراف صناعيّة، أنّ الأزمة في لبنان ليست تقنيّة وحسب، بل هي أزمة اجتماعيّة وإنسانيّة بامتياز. ويوضح أنّ الطرف الصناعيّ ”ليس جهازًا يُشترى مرّة واحدة ويُستخدم مدى الحياة، بل يحتاج إلى متابعة دوريّة وصيانة وتغيير بحسب العمر والوزن وطبيعة الاستخدام“.
ويشير عبد الجليل إلى أنّ كثيرًا من المرضى يؤجّلون الصيانة أو استبدال الأطراف بسبب الكلفة المرتفعة، ما يؤدّي إلى مضاعفات صحّيّة، أبرزها تشوّهات في العمود الفقريّ، وآلام في المفاصل، وتقرّحات في منطقة البتر، إضافة إلى تراجع القدرة على الحركة والعمل.
ويوضح أنّ الأطفال هم الأكثر تضرّرًا ”لأنّ نموّهم السريع يفرض تبديل الأطراف الصناعيّة بشكل دوريّ، الأمر الذي يضع عائلاتهم أمام أعباء ماليّة كبيرة ربّما تعجز عن تحمّلها“، ونحن هنا لا نتحدّث عن أرقام بسيطة، فوصلة ”السيليكون“، على سبيل المثال، يراوح سعرها بين 800 و1000 دولار، أمّا الأطراف الإلكترونيّة أو الذكيّة فقد تصل إلى عشرات آلاف الدولارات، وتختلف أسعار الأطراف التقليديّة بحسب حال المريض واحتياجاته.
ويرى عبد الجليل أنّ المطلوب ليس مساعدات موسميّة، بل خطّة وطنيّة واضحة تضمن حقّ الأشخاص ذوي الإعاقة في الحصول على أطراف صناعيّة حديثة وصيانتها بصورة منتظمة، باعتبارها جزءًا من الحقّ في العلاج والحياة الكريمة.
إعاقات من صنع الدولة
في بلدنا لبنان، لا يفقد ذوو الإعاقة جزءًا من أجسادهم وحسب، بل يجدون أنفسهم في مواجهة نظام عاجز عن ضمان أبسط حقوقهم، في دولة تبرّر تقصيرها بالأزمة الاقتصاديّة، ووزارة شؤون اجتماعيّة يغيب دورها الفاعل خارج كادر الكاميرا والمؤتمرات الصحافيّة.
في ظلّ هذا الواقع المرير، يبقى الآلاف من ذوي الإعاقة عالقين بين الحاجة والانتظار. الطرف الصناعيّ ليس رفاهيّة ولا منّة، بل هو حقٌّ أساس يضمن الحركة والعمل والاستقلاليّة والكرامة. وما لم تصبح هذه القضيّة من الأولويّات الوطنيّة، ستبقى معاناة ذوي الإعاقة في لبنان مضاعفة، وسيبقى الإنسان تائهًا بين إعاقته الجسديّة وإعاقة السياسات العامّة للدولة.
* تم النشر بتاريخ 2026 تمو 2026 على موقع مناطق.نت
