*محمد حجيري
من بين الأمور التي يستخلصها قارئ كتاب الأكاديمي والصحافي زهير هواري “أحكي وفي فمي تراب الكلام”(دار الفارابي)، هو تكوين بروفايل لأمين عام منظمة العمل الشيوعي الراحل، محسن إبراهيم (1935- 2020)، إذ تبدو صورة المنظمة على صورته، في صعودها وهبوطها وأفولها ونضالها. ويرسم هواري الصورة بدقة من خلال سرده الشخصي والعام والحزبي والعائلي، واللبناني والعربي، وهنا في هذه المقالة، استخلاص لصورة الأمين العام، وليس قراءة عامة للكتاب.
والحال أن محسن إبراهيم، الرجل الثاني في الحركة الوطنية، الذي أصبح شبه صامت بعد الحرب الأهلية لأسباب متعددة، كان ملتزماً بيته أو مسكنه. العديد من المرات ناقشت المنظمة مسألة خروجه من لبنان إلى فرنسا، و”مدى الأرباح والخسائر التي يمكن أن تترتب على قرار من هذا النوع. وجرى استبدال هذا الخيار بقرار الإنكفاء عن التنطح لدور معارض، لا قوى فعلية له لا في تشكيلات الأوساط السياسة أو على الأرض”. والأمين العام، ابن البيت الديني الجنوبي، المقرب من عبد الناصر وياسر عرفات وكمال جنبلاط والفاعل في الجزائر واليمن وحركة القوميين العرب، وجامع شمل المثقفين في السبعينيات واليسار الجديد قبل التصدّع والانشقاقات والتشظي، كان قد شرع في قيادة مراجعة داخلية كبرى لكل الخط الفكري والسياسي والتنظيمي للمنظمة، منذ تأسيسها قبل حوالي نصف قرن من الزمن وحتى تاريخه، مع كل ما رافقها من طروحات وتحولات وحرب أهلية وسلم أهلي بارد يمهد لحروب جديدة أو متجددة.
خلال هذه المراجعة التي استغرقت سنوات لا تقل عن عقد ونصف العقد “تلاشت المنظمة القديمة. منظمة الحرب الأهلية، الحاشدة بالشباب والصبايا”، و”ذابت إلى حد كبير، وتراجع دورها حتى الاضمحلال تقريباً. مئات الكوادر والمحازبين غادروا صفوفها، وتفرقوا أيدي سبأ”، ومسببات الاضمحلال لا ترتبط بسنوات المراجعة التي احتاجت أكثر من عقد فحسب، هنا جانب التفرغ الحزبي الذي انتهى مع نهاية الحرب والتمويل “ضاعف ذلك وقف التفرغ الحزبي نهائياً، بعدما توقفت المساعدة المالية التي كنا نحصل عليها من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. دفعة وقف التفرغ الأخيرة شملت الصف القيادي الأول حدثت خلال العام 1992، وقضت حينها أيضاً بوقف صدور مجلة المنظمة “بيروت المساء” عن الصدور”، والتمويل بين الأمس واليوم وغدا في لبنان، يبدو مصدر انتعاش أي حزب، إلى جانب شخصية القائد، إذا ما تأملنا واقع السياسة في لبنان. وهو ليس موضوعنا في هذه المقاربة، بقدر ما هدفنا رصد قيادي لأحوال حزبه من خلال أحوال قائده.
يقرّ المؤرخ زهير هواري ويدرك من خلال قراءته لواقع المنظمة أن “اسم محسن ابراهيم بات في حال من الغياب بعد حضور طاغٍ في مراحل سابقة من حياة البلاد، وأن الجيل الجديد، جيل الشباب الذي لم يعش الحرب الأهلية لم يسمع باسمه حتى، ومن يكون وما هو دوره ووزنه وماهية مواقفه وطروحاته. وما ينطبق عليه أشد انطباقاً على تنظيمه”. أوقف محسن إبراهيم محركاته فتوقف مسار تنظيمه، وفي غضون عقود دارت الحياة دورات ودورات، مع تغطيات اعلامية تصل الليل بالنهار للقوى الطافية على السطح، بينما الرفاق في منظمة العمل “صامتين في جُحر صغير على مقاسنا”. كانوا يقاربون التحديات والأسئلة “بإجراء عمليات عصف فكري في كل اجتماع حول استعادة مقومات الدور الذي يجب أن نلعبه، والموقع الذي يتوجب علينا أن نعيد إشغاله”. وبقيت منظمة العمل تنظر إلى محسن ابراهيم بوصفه “الأب الروحي” حتى الرمق الأخير، فكانت وفاته صدمة “أن تعيش الخسارة وتتصور خطورة مضاعفاتها ليس بالأمر اليسير على تنظيم ورفاق، تعودوا أن يتفيأوا ظل حضوره الوارف، وقدراته الاستثنائية على طرح الأسئلة والجدل والنقاش والتحليل، وتزويدهم بالمعطيات التي لا يجدون قريباً أو مشابها لها في وسائل الاعلام”.
وحتى وهو في حالة الانكفاء والصمت والغياب عن الأحداث على امتداد عقود متواصلة، بالنسبة للمنظمة كان ابراهيم “من القلائل القادرين على تفسير وسبر أغوارها” وهو بات محدود العلاقات والحركة منذ أعوام طويلة، واجتماعاته مع آخرين نادرة الحدوث منذ العام 1985 تقريباً، وتكاد تقتصر على لقائه المتقطع مع وليد جنبلاط والقيادات الفلسطينية دون سواها. مع ذلك فالمعلومات التي يسوقها في مستهل كل اجتماع كانت “مفاجئة” لأعضاء المنظمة وتلامذته ورفاقه، “متى وضعها في قالب وسياق خاص، يستطيع دون سواه أن يعجنه ليحيله لنا خبزاً ساخناً على مائدة ما يدور من أحداث”. وهو “قالب وخبز نادر المثيل والشبيه، بالقياس إلى ركام المواقف والمجريات اليومية”.
ويسرد زهير هواري المقاربات والمطارحات التي كان يقدمها محسن إبراهيم، فهو كان “ملك الكلام”، يرى في الحرب “منجم المناجم ومدرسة المدارس، بما تقدمه من وقائع دروس وعِبر وأمثولات وما تحمله من احتمالات. كان كلما ابتعد عن تلك الحرب عاد وأعادنا إليها، باعتبارها علامة فارقة في الاجتماع اللبناني، تتطلب الوقوف عندما أملته علينا وعلى البلد من تحديات. تحديات لا مخرج منها كما يبدو من خلال مواقف وطروحات القوى الطافية على سطح سلطة التحكم والأحداث الراهنة”. وكان كلام محسن ابراهيم “أقرب ما يكون إلى صانعي المجوهرات الذين يزنون عباراتهم بنقاطها وفواصلها بميزان الصاغة الدقيق. كلامه الملقى شفاهة عبارة عن صياغة كلامية لنص متماسك. لا تستطيع أن تخترقه بإضافة من هنا أو هناك”. وفي ذكرى أربعين صديقه ورفيقه جورج حاوي، “كان النص الذي ألقاه مكتوباً على غير عادته خلال سنوات الحرب، ولغة الحشود والتعبئة”. وهي كانت الاطلالة الأكثر تعبيراً بالنسبة لمحسن إبراهيم بعد الحرب، تجرأ وقدّم نقداً ذاتياً لمسيرة اليسار في الحرب الأهلية، وعلاقة الحرب بالمقاومة الفلسطينية.
وعدا مرايا محسن إبراهيم الفكرية، وهو “عقل المنظمة” ومدبرها ورافعتها السياسية، في سنوات المنظمة الأخيرة، وفي زمن تراجع الحضور السياسي والإنكفاء، كان مرض محسن إبراهيم كأنه مرآة لواقع المنظمة “بات أبو خالد في أعوامه الأخيرة أكثر هزالاً مما كان عليه. جسمه الرقيق أصبح أكثر نحولاً مما تعودناه. نشاطه الفكري وهمته الجسدية تتراجعان باستمرار. وصحته تتدهور في أحايين كثيرة. يغيب عنا أسابيع بدواعي المرض. ثم عندما يعود ليترأس الاجتماع من على كرسيه الخيزران وسط القاعة، يقدم لنا تقريراً صحياً مفصلاً عما أصابه وعاناه”… و”تعودنا هذا النمط من العلاقات معه، أن يضع شأنه الأكثر خصوصية أمامنا على الطاولة. شأن بشري لا يملك أحد منا أن يعلّق عليه بكلمة. كان هذا يحدث قبل وقعته الأخيرة”.
كان محسن ابراهيم يدرك مدى التدهور الذي يعيشه صحياً، و”لم يملِ على أحد وصيته لنا نحن رفاقه وتلامذته وحوارييه الأبرار، وما علينا أن نفعله بعد رحيله”. و”كان مفعماً بالحياة حتى الرمق الأخير وأنه سيعيش سنوات إضافية، ويكمل ما بدأه. ولهذا السبب كان كل الذين طرقوا بابه لإجراء أحاديث مصورة أو مسجلة تتناول ذاكرته عن سنوات الجمر والنار التي عاشها، كان يردهم على أعقابهم، يقيناً أنه يملك ما يقوله عن المستقبل، وليس ما يتذكره عن الماضي”. ولم يسمح بنشر حوار معه حول الماضي.
لم يحضر أبو خالد مؤتمر المنظمة الرابع والأخير. صاغ واصف وزكي رسالة باسمه إلى أعضاء المؤتمر العام كمبرر لإعادة انتخابه أميناً عاماً من جانب المؤتمرين الذين معظمهم لم يكونوا مدركين للوضع الذي آلت إليها صحته”.
*نشرت في المدن الالكترونية يوم الخميس 2026/05/21
