سياسة مجتمع

لبنان بين منطق الدولة وسردية “المقاومة”: تقاطعات وصراع مفتوح على القرار الوطني

زكـي طـه

بيروت 19 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية

في لحظة لبنانية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها نهاية جولة عسكرية مدمّرة مع بداية مسار تفاوضي محفوف بالمخاطر، برز خطاب رئيس الجمهورية وبيان الأمين العام لحزب الله بوصفهما تعبيرين مكثّفين عن رؤيتين سياسيتين متمايزتين لمفهوم السيادة، وأدوات تحقيقها، وحدود العلاقة بين الدولة و”المقاومة”. وبين حدّة المواقف وكيل الاتهامات التخوينية والتحريض على رئاستي الجمهورية والحكومة من قبل بعض قادة ونواب الحزب، التي سبقت البيان، ونبرة التهدئة المشروطة التي تضمّنها، على النحو الذي يبرر طرح السؤال: هل نحن امام توزيع ادوار أو امام خلافات قيادية؟. وفي السياق  تتكشف خريطة معقّدة من نقاط الخلاف والتقاطع، تفرض قراءة هادئة من زاوية المصلحة الوطنية.

بين فرصة سياسية واستمرار معركة

يرى رئيس الجمهورية في اللحظة  الراهنة فرصة للانتقال من الحرب إلى السياسة، ومن وقف إطلاق النار إلى بناء اتفاقات دائمة. في هذا الإطار، يُعرف  قرار الهدنة المؤقتة، باعتباره انجاز تحقق بنتيجة تضافر الجهود السياسية والدبلوماسية والصمود الشعبي، مع تركيز واضح على استعادة الدولة لقرارها السيادي.

في المقابل، يُصرّ أمين عام حزب الله على أن الميدان هو الذي فرض وقف إطلاق النار، وأن السياسة ليست سوى استثمار لنتائج القوة. وعليه، لا يرى في الهدنة معبر نحو الاستقرار، بل لحظة في صراع مستمر بأدوات مختلفة، الامر الذي يبرر الاحتفاظ بجهوزية الحزب العسكرية كعنصر حاسم.

هنا يتبدّى أول خلاف جوهري: هل نحن أمام نهاية جولة وبدء مسار سياسي تقوده الدولة، أم أمام هدنة مؤقتة في سياق صراع مفتوح يقوده الحزب بإسم “المقاومة”؟.

 حصرية قرار الدولة أم تكامل الأدوار؟

يستند رئيس الجمهورية على مقولة واضحة: الدولة وحدها يجب أن تمتلك قرار الحرب والسلم، وأن تبسط سلطتها بقواها الذاتية حصراً. هذه الرؤية تعيد التأكيد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، كشرط لازم لبناء دولة قابلة للحياة.

في المقابل، يكرر أمين عام حزب الله مقولة التكامل بين الجيش والشعب والمقاومة،   ليس من أجل تثبيت شرعية سلاحه كجزء من منظومة الدفاع الوطني، بل كعنصر تفوّق أثبت فعاليته في الميدان وفق ادعائه، متجاهلاً النتائج التدميرية التي وقعت على البلد وأولها وقوعه تحت السيطرة العسكرية والامنية، والاحتلال المباشر للشريط الحدودي. أما القول بالاستعداد للانخراط في استراتيجية وطنية، فإن المطاعن بمصداقيته، هي أكثر من أن تحصى وأهمها رفض اخضاع سلاح الحزب لسلطة الدولة.

وعليه، فإن التباين لا يقتصر على الوسائل، بل يمسّ جوهر الكيان: هل السيادة تُختزل بالدولة ومؤسساتها، أم تتوزّع بين قوى متعددة تحت عنوان الشراكة؟.

 التفاوض خيار وطني أم مسار مفروض؟

يدافع رئيس الجمهورية عن خيار التفاوض بوصفه تعبيراً عن قوة الدولة ومسؤوليتها في حماية شعبها، نافياً أن يكون تنازلاً أو ضعفاً. ويضع هذا الخيار في سياق رفض بقاء لبنان ساحة لصراعات وحروب الآخرين.

في المقابل، يقدّم حزب الله موقفاً نقدياً حاداً من مسار التفاوض، وهو يرى في أن التفاوض المباشر مع إسرائيل خضوع لإملاءات أميركية، ومس بالسيادة وإهانة وطنية. ولذلك يشدد على أن أي مسار سياسي يجب أن يكون محكوماً بنتائج الميدان لا العكس، ومن موقع المنتصر وليس المهزوم، دون أن يخبر اللبنانيين أين يكمن النصر الذي يدعيه قادة الحزب.

هنا يظهر خلاف مزدوج: على شرعية التفاوض نفسه، وعلى الجهة التي تملك حق قيادته وتحديد شروطه. والأهم اختلاف في قراءة نتائج الحرب التي قررها الحزب ضمن سردية معروفة دعماً واسناداً لإيران وانتقاماً للمرشد الأعلى.

تحييد لبنان أم إدراجه في المحور؟

يحاول رئيس الجمهورية، وإن دون إعلان صريح، الدفع باتجاه تحييد لبنان عن صراعات المحاور، ولذلك أكد على رفض موت اللبنانيين من أجل أي كان غير لبنان.

في المقابل، لا يخفي أمين عام  حزب الله اندراجه ضمن محور إقليمي تقوده إيران، بل يفاخر بدور هذا المحور، ويؤكد أنه هو من فرض وقف إطلاق النار، من مضيق هرمز إلى الدعم العسكري والسياسي. وهذا الإقرار يعمّق الإشكالية حول استقلال القرار اللبناني، ويضعه في قلب صراعات إقليمية أوسع.

بين التهدئة والتصعيد

تميّز خطاب رئيس الجمهورية بنبرة توحيدية، داعية إلى نبذ التخوين والانقسام، رغم إشاراته الضمنية إلى المغامرين بمصير لبنان. في المقابل، حاول الأمين العام أن يكون أقل حدّة من مواقف نواب الحزب والناطقين باسمه، لكن بيانه المكتوب لم يخلُ من لغة التخوين والتوصيفات الحادة: “المتخاذلون”، و”الطاعنون بالظهر”.

هذا التفاوت او التباين يعكس ازدواجية في خطاب الحزب، بين رغبة في احتواء التوتر السياسي، واستمرار خطاب تعبوي يهدد بإعادة إنتاج الانقسام الاهلي من مواقع طائفية.

هل من أرضية مشتركة قابلة للبناء عليها؟

على الرغم من عمق الخلافات، يمكن رصد مجموعة من نقاط التقاطع المهمة:

  • التأكيد على وحدة لبنان ورفض الفتنة الداخلية.
  • الالتقاء على أهداف مباشرة: وقف العدوان، انسحاب إسرائيل، عودة النازحين، إعادة الإعمار.
  • إعلان الاستعداد للتعاون بين حزب الله والسلطة السياسية ك”فريقين متكافئين”، ولو بشروط مختلفة.
  • الإقرار بأهمية بناء استراتيجية وطنية للأمن، وإن اختلفت مضامينها في الطرحين.

هذه النقاط، وإن بدت عامة، إلا أنها تبرر طرح السؤال هل تشكّل الحد الأدنى الضروري لأي مسار وطني جامع.

علماً أن ما تكشفه المقارنة بين خطاب رئيس الجمهورية والبيان الذي وزعه أمين عام حزب الله ، ليس مجرد اختلاف تفصيلي في التقدير السياسي، بقدر ما هو صراع  جوهري على تعريف لبنان الكيان:
هل هو صراع بين دولة تسعى لاستعادة سيادتها الكاملة عبر مؤسساتها، أم ساحة “مقاومة” أو “مقاومات” دائمة تُدار بحسابات بين فريق داخلي وقوى خارجية؟

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس فقط التهديد الإسرائيلي، بل استمرار الازدواجية في القرار الوطني، بما يعرّض أي إنجاز ـ عسكري أو سياسي ـ إذا وجد، لخطر التبديد بما فيه القتال البطولي لمقاتلي الحزب. فالدولة التي لا تحتكر قرارها، تعجز عن حماية نفسها، و”المقاومة” التي لا تندمج في مشروع وطني جامع، مهما كانت تضحياتها محكومة بأن تبقى عنصر انقسام داخلي وعامل تفجير دائم.

من هنا، تبدو الدعوة التي تحدّث عنها البيان المكتوب الصادرعن أمين عام حزب الله بشأن الصفحة الجديدة، فرصة مشروطة: إما أن تُترجم فعلاً في إطار واضح يضع كل عناصر القوة تحت سقف الدولة، أو تبقى مجرد إعلان تضليلي في سياق صراع مستمر على السلطة والقرار.

في لحظة مصيرية كما هو الحال راهناً، لا يكفي التلاقي على العناوين العامة، بل المطلوب حسم السؤال المركزي: من يقرر باسم لبنان؟ وعلى أي أساس؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار بداية خلاص، أم مجرد هدنة  تنتهي بعودة القتال وطريق سريع نحو الانهيار.

 إنقاذ لبنان كمعيار وحيد للمصلحة الوطنية

في المحصلة، لا يمكن مقاربة الخلاف القائم بوصفه مجرد تباين في وجهات النظر حول إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل هو تعبير عن صراع عميق على هوية الدولة ووظيفتها ودورها. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تفرض إعادة ترتيب الأولويات على نحو لا لبس فيه: إن إنقاذ لبنان، دولةً ومجتمعاً، لم يعد بنداً ضمن جدول الأعمال السياسي، بل بات المعيار الوحيد لتعريف المصلحة الوطنية نفسها.

فكل سياسة، وكل خيار، وكل سلاح، وكل تحالف، يفقد مشروعيته إذا كان يُعرّض بقاء البلد للخطر، أو يضعه في مسار الانهيار المفتوح، أو يحوّله إلى ساحة مستباحة لصراعات الآخرين. وفي المقابل، تكتسب الخيارات التي تفتح أفق الخلاص ـ مهما كانت صعبة أو مكلفة ـ بُعدها الوطني الكامل، لأنها تنحاز إلى حق اللبنانيين في الحياة والاستقرار والسيادة الفعلية.

من هذا المنطلق، لا يعود النقاش حول صيغة التفاوض أو شرعية المقاومة أو الاستراتيجيات الدفاعية نقاشاً مجرداً، بل يصبح محكوماً بسؤال واحد حاسم: هل يقرّب هذا الخيار لبنان من النجاة أم يدفعه نحو الهاوية؟ وعلى هذا الأساس تحديداً، يصبح بناء الدولة القادرة، صاحبة القرار الواحد، ليس خياراً سياسياً بين خيارات، بل شرطاً وجودياً لبقاء لبنان نفسه.

إن المصلحة الوطنية اليوم تختصر في معادلة واضحة: لا إنقاذ للبنان من دون دولة، ولا دولة من دون سيادة مكتملة، ولا سيادة في ظل ازدواجية القرار والسلاح. وكل ما عدا ذلك، مهما اكتسى من شعارات، يبقى دوراناً في حلقة الأزمة، أو إعادة إنتاج لها بأشكال أكثر خطورة.

في لحظة بهذا القدر من الحسم، لا يكفي الدعوة إلى الوحدة، بل المطلوب إعادة تأسيسها على قاعدة صلبة: دولة واحدة، قرار واحد، ومستقبل واحد لجميع اللبنانيين. هذه هي نقطة البداية لأي خلاص ممكن، وهي أيضاً الاختبار الفعلي لكل القوى السياسية، بلا استثناء