سياسة صحف وآراء

من خطوة إلى الأمام إلى الانزلاق في قلب المتاهة

* عارف العبد  

حسناً فعل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بعدم التورط كلياً في خطوة شكلية؛ أي المحادثة الهاتفية المقترحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، المتفلت من عقاله والمندفع في التقدم برياً وزيادة القصف والتدمير الجوي في لبنان.

فالرئيس عون الذي كان تقدم بمبادرة وخطوة متقدمة دبلوماسياً وسياسياً، بالدعوة للتفاوض مع إسرائيل للخروج من المأزق الذي تسبب به حزب الله، وجد نفسه الآن وجها لوجه أمام ترامب ونتنياهو مجتمعين حسب دعوة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض.

ماذا سيفعل الرئيس عون وكيف سيواجه الشروط الأميركية المنحازة بشكل كبير إلى وجهة نظر إسرائيل؟

في الواقع بات رئيس جمهورية لبنان في وضع لا يحسد عليه إطلاقاً، وهو الآن أمام واقع صعب ومعقد، ولن يتمكن بسهولة من الالتزام، كما لن يتمكن بسهولة من الإفلات من الالتزامات.

لنتخيل للحظة، أن مفاوضات باكستان قد انطلقت بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، من دون أن يكون للبنان مسار تفاوضي مستقل، أو أي وجود، أو تمثيل لدولته في هذه المحادثات الجارية في إسلام آباد. ماذا كانت لتكون النتيجة؟

في هذه الحالة، كنا سنشاهد المسؤولين في لبنان جالسين أمام شاشات التلفزة أو أجهزة الكومبيوتر، لتسقط الأنباء أو انتظار تلقي أخبار آخر التطورات أو نتائج هذه المحادثات، أو انتظار ما سينقله لهم عبر الهاتف أو عبر زيارة وزير خارجية إيران عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، لإبلاغ المسؤولين عندنا، ولوضعهم في نتائج المفاوضات وما عليهم أن يفعلوا ويتصرفوا ويتخذوا من قرارات!

هذا المشهد كان متوقعاً أن يحدث، لو أن السلطة في لبنان، وتحديدا رئيسي الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، لم يقدما على اتخاذ قرار مجلس الوزراء في اعتبار بيروت منزوعة السلاح، أو يجب تدعيم الأمن فيها وضبط ومنع الظهور المسلح.

في أكثر مراحل الوصاية السورية على لبنان تشدداً وسطوة، إثر إقرار اتفاق الطائف، وإنهاء تمرد العماد ميشال عون الميمون، وفي عز صعود وتبلور النفوذ السوري الأسدي البعثي، لم يفكر حافظ الأسد، الذي كان ألغى أي وجود للبنان من ذهنه، في أن يغّيب لبنان ويتمثل هو عنه في مؤتمر مدريد، الذي كان منتظراً ومتوقعاً لمحادثات السلام في المنطقة.

في الواقع، إن المتابع لعنف وحدّة رد فعل إيران، وربيبها المدلل حزب الله، على قرار إسرائيل القبول بمسار تفاوضي مستقل مع لبنان، يدرك تمام الإدراك مدى الكارثة المعنوية والفعلية التي كانت ستصيب لبنان، لو أنه لم يتم التجاوب مع مبادرة الرئيس جوزاف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل.

ما جرى، كشف ويكشف حقيقة النوايا الإيرانية ونوايا حزب الله تجاه لبنان ودولته وكيانه. وهي في المحصلة النهائية إلغاء تام وتسليم زمام الأمور لإيران وحزبها في لبنان. وهو جوهر ما فهمته الإدارة الأميركية البليدة الفهم عادة، وفي أكثر المفارق مؤخراً، عبر الضغط على إسرائيل لقبول مسار تفاوضي مستقل مع لبنان.

الخطوة والتطور الإيجابي الظاهري والشكلي، الذي أصاب لبنان في الأيام الماضية، هو النجاح الإعلامي الرمزي والشكلي، في فصل مسار لبنان التفاوضي عن مسار التفاوض الاميركي مع إيران.

في الواقع، فإن لبنان تقدم ظاهرياً خطوة إلى الأمام، في الابتعاد والتملص من السيطرة والوصاية الإيرانية، ومن ما تمثله إيران عبر حزب الله، لكنه في العمق تراجع خطوات إلى الوراء. وقد يقع نتيجة هذا التراجع في حفرة عميقة أخرى، لا تقل خطورة عن ما سبق أن وقع فيه وحدث معه.

كل ما فعلته الجولة الأولى من انطلاق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، في واشنطن، بشكل مباشر، أنها أطلقت مساراً جديداً بين البلدين الجارين والعدوين. وهي ليست المرة الأولى التي تحدث بين البلدين، فقد سبقها قبل الآن ست جولات تفاوض، منها مفاوضات الهدنة 1949، ثم مفاوضات 17 أيار 1983، والمفاوضات العسكرية في الناقورة التي لم تفض إلى نتيجة 1984، ثم المفاوضات التي سبقت تفاهم نيسان برعاية أميركية فرنسية سورية، وقد أنتجت ما عرف بـ”تفاهم نيسان”. ثم مفاوضات ترسيم الحدود البحرية وتوقيع التفاهم في تشرين الأول/أكتوبر 2022. تلته المفاوضات التي أسفرت عام 2023 عن تفاهم وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.

ظهر لبنان في الجلسة الصورية الأولى للمفاوضات في واشنطن ضعيفاً مهيض الجناح، وفي الواقع كان لبنان مكبلاً في الجلسة الأولى، بقيود ما كان يمكن الخروج منها.

سفيرة لبنان في واشنطن​ لدى الولايات المتحدة ​ندى حمادة معوض​، التي مثلت الجانب اللبناني هي سيدة محترمة، حاصلة على درجة العلوم الحديثة في الاقتصاد والمال، وقد تكون خبرتها وثقافتها مناسبة لتمثيل لبنان في الولايات المتحدة، لكنها بعيدة كل البعد عن إدارة أو قيادة دفة مفاوضات مع عدو متوحش في مثل هذه الظروف. وهي لا تتمتع، ولا تملك الخلفية السياسية أو الفكرية أو التجربة الثقافية التي تخولها تمثيل لبنان في مفاوضات حساسة ومفصلية، فيما يواجهها رئيس وفد إسرائيل وهو يعتبر من أكثر الشخصيات الإسرائيلية والصهيونية تطرفاً وثقافة وخبرة، أضف أنه حاصل على درجة دكتوراة في الفلسفة، ولديه تجربة سياسية إسرائيلية كبيرة في تيارات واتجاهات التطرف الصهيوني المتفاعلة والمؤثرة في إسرائيل.

في المقابل، فإن سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان، ميشال عيسى، اللبناني الاصل، لا يملك لا خبرة ولا خلفية سياسية، وهو من خارج الكادر الدبلوماسي، يتمتع بخبرة رجال الأعمال في البيع والشراء والربح والاستدانة، بسيط المعشر، سطحي المعرفة السياسية، ولا يعرف تاريخ مواقف بلاده في المنطقة، وغير قادر على مساعدة لبنان وبلده سوى ببعض العلاقات العامة السطحية. ونقطة قوته الوحيدة أنه صديق ونديم للرئيس الأميركي الغريب الطباع والتصرفات.

الفرق الكبير، الذي انكشف بعد الجلسة البروتوكولية الأولى، تمثل في المطالعة المطولة السامة، التي قدمها السفير الإسرائيلي رئيس الوفد، أمام وسائل الإعلام العالمية في واشنطن، لشرح وجهة نظر بلاده وأهدافها، وبالمقابل غياب لبنان التام عن الإعلام.

كان بإمكان لبنان استغلال المناسبة المتاحة عالمياً، لشرح وجهة نظره أمام وسائل الإعلام، على الأقل من الناحية الإنسانية، وتقديم وعرض دور الضحية وإظهار ما تعرض له لبنان من جرائم على يد الآلة العسكرية الإسرائيلية الطاحنة المجرمة والمدمرة.

المؤسف، أن لبنان فضّل أن يظهر بمظهر الحمل الوديع الشارد الغشيم والبسيط، من دون أن يستغل ذلك ويقدم وجهة نظره، ويفيد قضيته، مع أنه كان بالإمكان استغلال الفرصة عبر إعداد بيان مفصل تقدمه السفيرة، لا أن تصدر بياناً فارغاً لا مضمون له، يصح للإعلان والحديث عن “حفلة كوكتيل”، لمجموعة من ممثلي شركات بيع أدوات تجميل وعطور، لا عن جلسة مفاوضات بين بلدين، واحد دمر الآخر وقتل المئات من سكانه.

في الواقع لقد قلب دونالد ترامب المتقلب، كل الأمور رأساً على عقب، وحشر تقريباً الجميع في “بيت اليك”، كما يقول المثل العامي، وبالأخص لبنان، ورئيس الجمهورية في المقدمة.

حاول ترامب انتزاع اعتراف من الرئيس اللبناني بإسرائيل وبنيامين نتنياهو، عبر اقتراح التواصل الهاتفي بين عون والأخير.

تحجج الرئيس عون بانعدام الأوراق بين يديه، وأخصها وقف لإطلاق النار يعطي بلده نفساً ويمسكه بيده ورقة يقدمها أمام اللبنانيين، خصوصاً اشتراط الرئيس نبيه بري وحزب الله وقفاً لإطلاق النار، كمقدمة لأي أمر أو تحرك.

أراد الرئيس عون الظهور بمظهر محقق مكاسب على نسق: “أني نجحت باستجلاب وتحقيق نقاط متقدمة ومكاسب للبنان”، فكان رد فعل ترامب خارج المتوقع، فحشر الجميع مجدداً بإعلانه وقفاً للنار لعشرة أيام واستدعاء الطرفين لمباحثات سلام عنده في البيت الأبيض.

لا يُحسد رئيس لبنان على واقعه الآن، فمن جهة لا يتمكن من رفض دعوة ترامب لمصافحة نتنياهو، وفي المقابل ليس بالهين أو السهل أن يتولى تنفيذ ما يطرح أمامه على الطاولة من أجندة باتت معروفة.

فكيف سيتصرف رئيس جمهورية لبنان أمام الالتزامات التي ستطلب منه في البيت الأبيض وأمام العالم كله؟

   * نشرت بتاريخ 17 نيسان 2026 على موقع المدن