ثمة في الخطاب الإيراني وخطاب حزب الله استتباعاً، تفسير للانتصار، نقطة نظام صالحة للتداول. فنتائج الحروب، منذ عقود على الأقل، لا تقاس بنتائجها العسكرية، ولا بعدد القتلى، ولا حتى بمساحة الأرض التي تُحتل أو تُستعاد. ما يحدد موقع أي طرف اليوم وصلاحيته بعد أي حرب، هو قدرته على الاحتفاظ بوظيفة داخل نظام إقليمي ودولي يتغير بسرعة، ولا ينتظر أحداً.
هذا التغير هو ما لا يلاحظه النظام الإيراني جيداً، رغم صلاح حجته. ففي الماضي القريب كان صحيحاً أنَّ أيَّة قوة مسلحة تستطيع أن تخسر وتبقى. وأن تحول صمود بنيتها إلى إنجاز، وانتصار معنوي. أما اليوم، فالأمر مختلف. الخسارة لم تعد قابلة للتأويل إلى مكسب، والصمود لم يعد كافياً لتبرير الاستمرار. بهذا المعنى، ليست أزمة حزب الله ولا الحرس الثوري الإيراني عسكرية فقط، بل هي، قبل كل شيء، أزمة وظيفة.
لقد قامت شرعية هذه القوى، في لحظة تاريخية محددة، على مزيج واضح: مقاومة عسكرية، تمثيل سياسي، ودور إقليمي ضمن توازنات دولية كانت تسمح بهذا النوع من الأدوار. لم تكن هذه الشرعية وهماً بالكامل، بل كانت تعبيراً عن حاجة في نظام معين. لكن هذا النظام نفسه يشهد تغييرات متسارعة اليوم.
في تصريح على منصة “تروث” بشّر ترامب الصين بأن النفط الذي تحتاجه سيصل إليها، وذهب أبعد من ذلك، إلى القول إن شي جين بينغ سيعانقه عناقاً حاراً حين يلتقيه في العشر الأواخر من الشهر المقبل. ما يقوله ترامب في هذه التغريدة، أن الوظيفة التي كان يستطيع النظام الإيراني تسويقها عن نفسه لم تعد صالحة للاستخدام حتى لأكثر خصوم أميركا قوة وقدرة. المناوشات التي كان النظام الإيراني يقودها بين وقت وآخر، في مضيق هرمز، وتلك التي قادها الحوثيون الذين يغذيهم النظام نفسه في باب المندب، لم تعد صالحة للاستخدام. هناك قوة كبرى اليوم ستتكفل بحماية النقل البحري، وهذا يعني، من باب أول أن النفط الذي كانت تستورده الصين رخيصاً بسبب العقوبات، سيبقى رخيصاً بسبب تراجع كلفة التأمين البحري بعدما صارت هذه المضائق آمنة.
قد لا يكون كل ما صرح به الرئيس الأميركي متحققاً، لكنه من دون شك يعكس رغبة دولية في الانتقال من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية التطهير الوظيفي.
والحال، لم تعد الدولة الأكبر والأقوى في العالم متسامحة مع استمرار الصراعات بطريقة المناوشات، وها هي تسخر كل قوتها لتحقيق ما يمكن عنونته بـ”استقرار الممرات، وأمن الطاقة، وسلاسل التوريد”. في هذا السياق، يتحول أي فاعل يهدد هذه العناصر من ورقة ضغط إلى عبء يجب احتواؤه أو تحييده. كما لو أن الدور الذي منح هذه القوى نفوذها هو نفسه الذي يجعلها اليوم غير قابلة للاندماج في الترتيب الجديد.
جزء من هذا المأزق يعود إلى سوء تقدير عميق لطبيعة العالم. الحديث المتكرر عن استنزاف الولايات المتحدة، وعن كلفة الحروب التي بلغت مئات المليارات، يكشف خللا في فهم بنية القوة لا مجرد مبالغة خطابية. هذه ليست أرقاماً تُفهم كما تُفهم ميزانية منزل. الاقتصاد الحربي في دولة كبرى يعيد تدوير هذه الكلفة داخل بنيته، ويحوّلها إلى إنتاج وتطوير ونفوذ. ما يعتقده البعض خسارة هو في كثير من الأحيان أحد شروط استمرار التفوق.
والأمر نفسه ينطبق على التعويل على ضجيج إعلامي أو احتجاجات رمزية في الغرب. وقدرة هذه الأصوات المرتفعة على تغيير السياسات. وأقل ما يقال في هذه التمنيات، إنها غارقة في الخلط بين الرأي العام ومراكز القرار. وهذا الخلط هو الذي يغذي سردية الصمود وعجز العدو عن الإبادة الكاملة، بوصفها محفزاً لاستمرار القتال. وهذا الخلط ناجم عن تصور قديم للعالم، لم يعد قائماً.
لكن الأزمة، للأسف، لا تقف عند حدود سوء التقدير. بل هي تستشري في مستوى أعمق كثيراً وتطال البنية نفسها التي تقوم عليها هذه القوى التي ما زالت متمسكة بهذه السردية.
في حالات كثيرة، يمكن لفاعل مسلح أن يتحول إلى فاعل سياسي. يمكنه أن يخفف من دوره العسكري، وأن ينخرط في الدولة، وأن يعيد تعريف نفسه ضمن اقتصاد ومجتمع مختلفين. هذه هي الصيغة التي جرى تعميمها طويلاً بوصفها مخرجاً. لكن هذه الصيغة ليست بالضرورة متيسرة، وجاهزة للتطبيق في حالتي إيران وحزب الله.
والحق إن العالم شهد نماذج متعددة لفاعلين مسلحين حاولوا الانتقال إلى السياسة.في إيرلندا الشمالية، تمكن الجيش الجمهوري الإيرلندي من تفكيك بنيته العسكرية تدريجياً، لأن الاقتصاد المحلي كان قادراً على استيعاب المقاتلين، ولأن البنية الاجتماعية لم تكن قائمة على السلاح بل على هوية سياسية قابلة للتفاوض. وفي نيبال، نجح الماويون في التحول إلى حزب سياسي، لكنهم احتاجوا إلى إعادة هندسة علاقتهم بالمجتمع، وإلى تفكيك اقتصاد الحرب الذي نشأ حولهم.أما في كولومبيا، فقد أظهرت تجربة “فارك” محدودية هذا التحول: فحين لا يكون الاقتصاد الرسمي قادراً على استيعاب آلاف المقاتلين، يعود جزء كبير منهم إلى اقتصاد مواز، أو إلى شبكات عنف جديدة، لأن البنية التي نشأوا داخلها لا تجد مكاناً طبيعياً في السلم.
في الحالة اللبنانية، تبدو هذه الصيغة أقرب إلى فرضية نظرية منها إلى إمكانية فعلية. إذ لم يكتفِ حزب الله ببناء قوة عسكرية، بل أعاد تشكيل بيئته الاجتماعية والاقتصادية حول هذه القوة، طوال سنوات هيمنته على مقدرات الطائفة والبلد. آلاف من الشبان أُدرجوا في بنية مغلقة، تتحدد قيمتها ووظيفتها من خلال العمل العسكري والأمني. وهذا ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه بقرار سياسي. وحين يُطرح السؤال: ماذا لو توقف القتال؟ لن يقودنا الجواب حكماً إلى السلام، بل يمكن أن يقودنا إلى الفراغ. فسؤال من قبيل أي اقتصاد يمكنه أن يستوعب هذه الكتلة؟ ليس سؤالاً يمكن الإجابة عنه ببداهة. ومثله أيضاً السؤال المتعلق بأي وظيفة اجتماعية يمكن أن تحل محل وظيفة السلاح؟ والمشكلة هنا ليست أخلاقية، ولا حتى سياسية فقط، بل هي مشكلة بنيوية: الاقتصاد الذي نشأ حول السلاح لا يملك نقطة دخول طبيعية إلى اقتصاد السلم.
هذا ما يجعل فكرة إعادة التموضع مضللة في هذه الحالة تحديداً. ليست المسألة أن الفاعل لا يريد أن يتغير، بل أن شروط التغيير نفسها غير متوفرة.
والأخطر من ذلك أن نزع السلاح، في غياب هذه الشروط، لا ينهي المشكلة، بل يعيد إنتاجها في شكل آخر. فالسلاح الذي يفقد غطاءه السياسي لا يختفي، بل يبحث عن وظيفة جديدة. وغالباً ما يجدها في اقتصاد موازٍ، أو في أشكال عنف أقل تنظيماً وأكثر فوضوية.
بهذا المعنى، لا يكون الانتقال من الحرب إلى السلم انتقالاً فعلياً، بل انتقال من عنف مُؤطر إلى عنف منفلت.
ويمكن ملاحظة ملامح المشكلة نفسها، على مستوى مختلف، في بنية الحرس الثوري الإيراني. نحن لا نتحدث عن جهاز عسكري فقط، بل عن شبكة اقتصادية وأمنية متشابكة. تغذت طوال هذه السنوات على وظيفة التوتير، ورسخت مصالحها، اقتصادياً وسياسياً، على قاعدة أن التوتير الذي تقوم به وظيفة أبدية ودائمة. وبحسب التقديرات يشكل الحرس الثوري كارتل اقتصادي يسيطر على أكثر من 30% من اقتصاد إيران. وحين ينزع فتيل التوتر الإقليمي الذي يغذي هذه الإمبراطورية، ويفتح السوق الإيراني للمنافسة العالمية، فإن الأرجح أن انتحاراً طبقياً سيواجه هذه النخبة العسكرية. والحال، فإن تفكيك هذه البنية ليس مجرد قرار سياسي. بل هو ضرب في الصميم لبنية كاملة، تشكلت عبر عقود، وترتبط بمصالح وطبقات ونُظم توزيع.
لهذا، تبدو فكرة التسليم أشد تعقيداً مما توحي به اللغة السياسية. فالتسليم ليس إعلاناً، بل مسار تفكيك طويل، ومكلف، ومحفوف بالمخاطر. وهو قرار لا يستطيع ان يتخذه رجال السياسة الإيرانيين منفردين، لأنه يعني عند تطبيقه انتحاراً طبقياً لعشرات آلاف المستفيدين منه. وقد يكون هذا اليقين هو الأرجح في تفسير الإصرار على القتال، ورفض وقف النار، سواء في لبنان أو إيران، كما لو أن الجانبين يتبادلان فعلاً إطلاق النار، وليس الأمر أن طرفاً يدمر ويقتل بمنهجية ومن دون روادع، والطرف الآخر يشاغب. وهذا ما يجعل فكرة الخيار العسكري الانتحاري مطروحة لدى الطرفين بقوة، وتغلب محاولات التفكيك السلمي. لأن الأول يبقي على أسطورتهم، بينما الثاني يحولهم إلى مواطنين عاديين، والأرجح بلا وظيفة من أي نوع.
ما نواجهه ليس مجرد صراع بين أطراف، بل مأزق فاعلين تأخروا عن زمنهم. وهذا ما حول الشرعية إلى كلفة، وحول الدور إلى عبء. وفي مثل هذه الحالات، لا يصح تماماً، السؤال: هل يمكن أن تتغير هذه القوى؟ بل يجدر بنا أن نطرح سؤالاً آخر: ماذا يحدث حين يكون التغيير نفسه غير ممكن؟
عند بلوغ هذه النقطة يصعب أن تتحول الهزيمة إلى بداية جديدة، والأرجح أن تتحول إلى فراغ. وفراغ من هذا النوع لا يُملأ بسهولة، ولا يمر بلا ثمن.
* نشرت بتاريخ 17 نيسان 2026 على موقع المدن
