ليس تفصيلاً أن تتسابق واشنطن وطهران على تسجيل وقف إطلاق النار في لبنان باسم كلّ منهما. في الظاهر، يبدو الأمر جزءاً من الصراع المعتاد على النفوذ والرواية. لكن في العمق، يكشف شيئاً أكثر أهمية: لبنان ليس هامشاً في هذه اللحظة الإقليمية. ولو كان كذلك، لما حاول كل طرف أن ينسب إلى نفسه الفضل في تهدئة جبهته. هذا لا يعني أنَّ لبنان قوي، بل يعني أنه ما زال مهمّاً، وأن موقعه لم يخرج من حسابات المنطقة، لا في الحرب ولا في ما بعدها.
لبنان ليس هامشاً
لهذا، لا يكفي أن يقال إنَّ لبنان دخل مساراً تفاوضياً مباشراً مع إسرائيل، ولا أن يُختصر النقاش بين من يرفض التفاوض بالمطلق ومن يرحّب به بالمطلق، هذا نقاش لا طائل منه. السؤال الفعلي هو: هل دخل لبنان هذا المسار بملف واضح، وبرؤية واضحة، وبفريق يعرف ما الذي يجب تحصيله وما الذي يجب منعه؟ حتى الآن، لا يبدو الأمر كذلك. تبدو الدولة كأنها أمام استحقاق كبير بعدّة صغيرة: خطاب ومواقف عامّة، وغياب شبه كامل لآلة سياسية-تقنية قادرة على تحضير الملفات كما يجب.
وهنا تصبح الحاجة ملحّة إلى ما هو أكثر من وفد رسمي. فلبنان يحتاج إلى فريق عمل واسع وحقيقي يسبق التفاوض ويرافقه: قانونيون، وخبراء حدود، ودبلوماسيون، وباحثون في العلاقات الدولية، وأمنيون، واقتصاديون، ومتخصصون في إعادة الإعمار. فالمسألة ليست حدوداً فقط، ولا ترتيبات أمنية فقط، بل شبكة كاملة من الملفات المتداخلة: وقف النار، الضمانات، الانسحاب، الإعمار، السلاح، وموقع لبنان في الترتيب الإقليمي المقبل. من دون هذا التحضير، ستبقى الدولة تدخل كل استحقاق بالطريقة نفسها: متأخرة، ومربكة، ومضطرة إلى التكيّف مع ما رسمه الآخرون سلفاً.
ماذا يريد حزب الله؟
لكن هذا كله لا يكفي إذا لم تحسم الدولة أمراً أساسياً في الداخل: ماذا يريد حزب الله؟ فمهما تبدلت موازين القوى، ومهما تراجعت قدرته العسكرية، ومهما حاول البعض التصرف وكأن المرحلة تجاوزته، يبقى الحزب موجوداً سياسياً، ولا يزال طرفاً مركزياً في هذا الملف. لذلك، من واجب الدولة أن تسأله بشكل صريح وشفاف ومعلن: ما هو موقفك الفعلي من هذه المرحلة؟ ما هي مطالبك؟ ما الذي تعتبره شرطاً؟ وما الذي تعتبره نتيجة مقبولة؟ هذا ليس اعترافاً له بحق احتكار القرار، وليس مسايرة له، بل العكس تماماً: هو وضعه أمام مسؤوليته السياسية العلنية، ومنع بقاء البلد أسير العموميات والرسائل الملتبسة والارتهان.
فالدولة لا تستطيع أن تفاوض بجدية فيما أحد أبرز الأطراف المعنيين بالحرب والسلم يكتفي بالشعارات أو يترك الآخرين يفسرون موقفه بدلاً منه. وإذا كانت للحزب مطالب يراها لبنانية في جوهرها، فعليه أن يقولها بوضوح. وعندها يصبح على الدولة أن تقرر: ما الذي يمكن حمله من هذه المطالب بوصفه مطلباً لبنانياً عاماً، وما الذي لا يمكن. هكذا فقط تستعيد الدولة دورها: لا بإنكار وجود الحزب، ولا بالتسليم له، بل بفرض الوضوح السياسي عليه وعلى غيره.
ومن هنا أيضاً تأتي أهمية البراغماتية اللبنانية، لا بمعنى الارتماء في حضن هذا المحور أو ذاك، بل بمعنى أن يفهم لبنان أن الحرب الإقليمية لم تُحسم، وأن التفاوض الأميركي-الإيراني لم يُحسم أيضاً، وهذا يفتح له هامش حركة، ولو كان ضيقاً. فحين يكون الأميركي معنياً بالتهدئة، ويكون الإيراني معنياً بعدم خسارة ورقته اللبنانية، يصبح على الدولة اللبنانية أن تعرف كيف تستفيد من هذا التناقض، لا أن تتحول هي نفسها إلى مجرد تفصيل فيه. السياسة هنا ليست شعاراً، بل مهارة: كيف تأخذ من كل تناقض ما يفيدك، من دون أن تذوب في أي منهما.
فرصة العهد الأخيرة
لكن الاستفادة من تناقضات الخارج تبقى محدودة إذا ظل الداخل اللبناني يُدار بالعقلية نفسها. فالتفاوض، في النهاية، لا يحتاج فقط إلى أوراق خارجية، بل إلى حدّ أدنى من الانضباط الداخلي. لا أحد يطلب إجماعاً وطنياً اسطورياً في بلد مثل لبنان، لكن من حق الدولة على الأقل أن تمنع تحوّل كل خطوة خارجية إلى مادة انفجار داخلي، وأن تخفف من الانفلات الإعلامي والسياسي الذي يجعل أي مسار تفاوضي هشّاً من أساسه. فالدولة التي تفاوض وهي تحمل انقسامها معها، تدخل ضعيفة حتى لو كانت تملك بعض الأوراق. وهنا تحديداً يبرز دور لوزارة الاعلام عبر المبادرة الى كتابة ميثاق شرف اعلامي (مع الشركات الخاصة ومع المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي) يخفّف منسوب التحريض والتخوين في هذه المرحلة الحساسة، ويمنع تحويل كلّ تطور سياسي أو تفاوضي الى مادّة اشتباك داخلي مفتوح. هكذا تتصرف الدول الناضجة في زمن الازمات، فسلام المجتمع فوق كلّ الاعتبارات، حتى حريّة التعبير.
في النهاية، ليس أهم ما كشفه وقف إطلاق النار أنه أوقف النار مؤقتاً، بل أنه كشف أن لبنان ما زال حاضراً في حسابات الآخرين. وهذه ليست ميزة بحد ذاتها. قد تكون فرصة، وقد تكون عبئاً. والفرق بين الأمرين يتوقف على سؤال واحد: هل تملك الدولة هذه المرّة ما يكفي من الجدية لتتعامل مع أهمية لبنان كورقة يجب حسن استخدامها، لا كمجرد خبر سعيد يُقال عنه إن هذا المحور أو ذاك أنجزه؟ إذا لم تفعل، فسيبقى الآخرون يتفاوضون على لبنان، فيما يكتفي لبنان، مرة جديدة، بمتابعة ما يُقرَّر باسمه. إن العهد ما زال أمام هامش لالتقاط هذه الفرصة بالرّغم من الهفوات والشوائب والتقصير بالمرحلة السابقة، لأنّه ما زال أقلّ التصاقاً من غيره بالنادي السياسي التقليدي. ولأن هذه اللحظة قد تُتيح له أن يُسجّل خطوة فعليّة إذا أحسن قراءة موازينها وأدارها بجديّة.
* نشرت بتاريخ 18 نيسان 2026 على موقع المدن
