على وقع التّصعيد الكلاميّ البالغ والمستجدّ بين الرّئيس دونالد ترامب وقادة طهران، يتأرجح الجنوب اللّبنانيّ وهدنة العشرة أيّام. وفيما ثبّت الإسرائيليّون خطّ سيطرتهم الأصفر، وقسّموا المنطقة المحتلّة إلى ثلاثة أقسام عسكريّة، وواصلوا نسف المنازل فيها، جاء تهديد وزير أمنهم يسرائيل كاتس اليوم متماديًا في ممارسة السّيطرة داخل لبنان، إذ رسم “الخارطة الحقيقيّة” لما بعد مذكّرة التّفاهم، موحيًا بانتقال إسرائيل من مرحلة “الحرب الشّاملة” إلى مرحلة “الاحتلال العمليّاتيّ” تحت غطاء الهدنة. فهو طرح تمديد “الخطّ الأصفر” إلى مدى مضادّات الدّروع، “كورنيت” وغيرها، وهذا إعلانٌ رسميّ عن نيّة قضمٍ جغرافيّ جديد بعمق عدّة كيلومترات، فيما يبدو الجنوب منطقةً خاضعةً تمامًا للتّقدير الإسرائيليّ المنفرد.
وبتحديده “الخطّ الأصفر” بناءً على مدى الأسلحة، يفرض كاتس واقعًا أمنيًّا يجعل من القرى اللّبنانيّة الحدوديّة مناطق ممنوعة من الحياة. وهذا المفهوم يعني أنّ إسرائيل لن تنسحب فعليًّا، بل ستُبقي نيرانها وسيطرتها لتشملا كلّ نقطة يمكن منها استهداف جنودها. وفي أيّ حال، نشأت “المنطقة العازلة” على أرض الواقع. وتعني تعليمات كاتس بتدمير أيّ مبنى أو طريق “يُشتبه” في احتوائه على عبوات، نسفًا كاملًا لجوهر أيّ اتّفاق لوقف العمليّات العدائيّة. فكلمة “اشتباه” تمنح الجيش الإسرائيليّ شيكًا على بياض لمواصلة تدمير البنية التّحتيّة اللّبنانيّة وتفجير المنازل التي صمدت خلال الحرب، تحت حجّة “حماية الجنود”. وهذا ما دأبت عليه القوّات الإسرائيليّة، على الرّغم من الهدنة، تحت عنوانٍ خطير هو “التّطهير”. كذلك، يضع كاتس لبنان أمام اختبارٍ مستحيل. فهو يطالب الدّولة اللّبنانيّة بتنفيذ تعهّدات تفوق قدرتها، أي نزع السّلاح المخفيّ والعبوات، ويهدّدها بالتّحرّك العسكريّ “بكلّ قوّة” إذا لم تتجاوب.
إذًا، واضحٌ أنّ إسرائيل تستثمر “مذكّرة التّفاهم” لتحويل الجنوب إلى ساحة رماية دائمة، مستغلّةً ضمانة واشنطن لتنفيذ مشروع “المنطقة العازلة”، التي تعني عمليًّا أنّ جزءًا من جنوب لبنان دخل نفق الاحتلال حتّى إشعارٍ آخر.
هدنة هشّة تحت نار الخروق
بموازاة التّصعيد على جبهة إيران، خيّمت أجواء الحذر والخوف على لبنان في اليوم الثّالث من اتّفاق وقف إطلاق النّار، وسط تصاعد الخروق الإسرائيليّة واتّساع رقعة التّهديدات الميدانيّة. ولم يعد المشهد في الجنوب يُقرأ بوصفه مجرّد تجاوزات ميدانيّة متفرّقة، بل باعتباره مسارًا منظّمًا لإعادة إنتاج الاحتلال بصيغةٍ جديدة، أقلّ كلفةً سياسيًّا وأكثر مرونةً عسكريًّا.
وفي استنساخٍ واضح لنموذج “قضم الأراضي تحت ذرائع أمنيّة” الذي تطبّقه إسرائيل في قطاع غزّة، أعلن الاحتلال إقامة “خطٍّ أصفر” فاصلٍ في جنوب لبنان، ومنع عودة السّكّان إلى 55 بلدةً جنوبيّة، مهدّدًا باستهداف من زعم أنّهم “إرهابيّون” بذريعة اقترابهم من شمال هذا الخطّ. وبهذا المعنى، لا يبدو الأمر متعلّقًا فقط بتدبيرٍ عسكريّ عابر، بل برسم جغرافيا سياسيّة جديدة تُدار بالنّار والإنذار والمنع.
التحوّل الأخطر في السّلوك الإسرائيليّ هو الانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق السّيطرة الدّائمة تحت سقف التّهدئة. فإسرائيل لا تتصرّف على أنّها أوقفت الحرب، بل على أنّها أعادت تنظيمها. ومن هنا، فإنّ “الهدنة” تبدو، في القراءة العمليّة، إطارًا يمنح تل أبيب شرعيّة حركة أوسع، لا قيدًا على فعلها العسكريّ.
فالغارات الوهميّة في أجواء النّبطيّة، والقصف المدفعيّ المتقطّع، والطّلعات الجويّة المتواصلة، كلّها مؤشّرات إلى أنّ إسرائيل تُبقي الجبهة الجنوبيّة تحت ضغطٍ دائم، بما يحول دون عودة الحياة الطّبيعيّة. وهي بذلك لا تكتفي بفرض منطقة عازلة بالنّار، بل تعمل على تكريس معادلة جديدة عنوانها: لا انسحاب كاملًا، ولا استقرار فعليًّا، ولا سيادة لبنانيّة مكتملة في المدى المنظور.
هدمٌ منهجيّ وتفريغٌ مقصود للحدود
لم تقتصر الخروق الإسرائيليّة على توسيع نطاق المناطق المحتلّة، بل امتدّت إلى عمليّات هدمٍ منهجيّة في القرى الحدوديّة. فقد تواصلت عمليّات تفجير المنازل في بنت جبيل، والخيام، ومركبا، والطّيبة، بالتّزامن مع تحليقٍ مكثّفٍ للطّائرات المسيّرة على علوٍّ منخفض، في مشهدٍ يؤكّد أنّ إسرائيل لا تكتفي بالانتشار، بل تسعى إلى تغيير البيئة العمرانيّة والبشريّة للمنطقة.
هذا الهدم ليس تفصيلًا ميدانيًّا، بل جزءٌ من عقيدة عسكريّة، سياسيّة في آنٍ واحد، قوامها إزالة ما يمكن أن يشكّل بنية عودة للأهالي أو غطاءً لأيّ مقاومة مستقبليّة. وحين تُستخدم الجرافات والآليّات الهندسيّة بإشرافٍ عسكريّ وضمن خطّة “تطهير”، فإنّ الهدف يتجاوز التّكتيك إلى إعادة تشكيل الحدود بالنّار والرّكام.
وفي هذا السّياق، تغدو عرقلة عودة النّازحين إلى الجنوب والضّاحية جزءًا من الحرب نفسها، لا نتيجةً جانبيّة لها. فبقاء آلاف العائلات في حال ترقّبٍ وقلقٍ هو، في الحسابات الإسرائيليّة، عنصر ضغطٍ إضافيّ على الدّولة اللّبنانيّة وعلى البيئة الاجتماعيّة الحاضنة لـ”حزب الله”.
خرائط الجيش الإسرائيليّ
نشر الجيش الإسرائيليّ خريطةً تُظهر نطاق انتشار قوّاته وخطّ الدّفاع الأماميّ في جنوب لبنان، في إطار عمليّاته الهادفة، وفق زعمه، إلى منع “تهديدٍ مباشر” على بلدات الشّمال. وأعلن أنّ خمس فرقٍ عسكريّة تعمل بشكلٍ متزامن، إلى جانب قوّات سلاح البحريّة، جنوب خطّ الدّفاع الأماميّ، لتنفيذ عمليّات تستهدف “تدمير بنى تحتيّة تابعة لحزب الله ومنع أيّ تهديدٍ محتمل”.
لكنّ جوهر هذه الخرائط لا يكمن في بعدها العسكريّ فحسب، بل في دلالتها السّياسيّة. فحين يُرسَم “الخطّ الأصفر” وفق مدى الأسلحة، لا وفق الحدود المعترف بها، تصبح إسرائيل هي الجهة التي تعيد تعريف الجغرافيا والسّيادة والأمن من طرفٍ واحد. وهذا تطوّر بالغ الخطورة، لأنّه ينقل النّقاش من وقف إطلاق نار إلى فرض واقع احتلاليّ جديد مغلّفٍ بمفردات أمنيّة.
بحسب ما أوردته وسائل إعلامٍ إسرائيليّة، قسّمت إسرائيل الجزء الذي تحتلّه من جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق. الأولى، ما يسمّى “الخطّ الأحمر”، وتشمل القرى الملاصقة للحدود مباشرةً، حيث دمّرت معظم المباني، وأُقيمت في بعض المواقع نقاط تمركز ثابتة. والثّانية، “الخطّ الأصفر”، وتمتدّ بين ستّة وعشرة كيلومترات من الحدود. أمّا الثّالثة، فتصل إلى نهر اللّيطاني، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها بالنّار ونقاط المراقبة.
هذا التّقسيم ليس تقنيًّا، بل سياسيّ بامتياز. إنّه إعلانٌ عن جنوبٍ مجزّأ، تتفاوت فيه درجات الاحتلال بين انتشارٍ مباشر، وهيمنة ناريّة، ومنعٍ للحياة. ومن البحر المتوسّط إلى الحدود السّوريّة، يتّضح أنّ المشروع الإسرائيليّ يتجاوز فكرة “حماية الشّمال” إلى إنشاء حزامٍ أمنيّ فعليّ، ولو تحت تسميات أقلّ استفزازًا.
كاتس ونتنياهو وزامير: خطابٌ واحد بلغةٍ متعدّدة
سياسيًّا، لا خلاف داخل المؤسّسة الإسرائيليّة على جوهر المقاربة. بنيامين نتنياهو يؤكّد أنّ قوّاته “ستواصل العمل في منطقة الحزام الأمنيّ بلبنان”، ويسرائيل كاتس يرفع سقف التّهديد عبر التّلويح بالعمل “بكلّ قوّة” برًّا وجوًّا إذا لم تلتزم الحكومة اللّبنانيّة بما يسمّيه “تعهّداتها”، فيما يكرّر رئيس الأركان إيال زامير أنّ “المعركة مستمرّة” وأنّ قدرة إسرائيل تمتدّ إلى “كلّ هدف” في المنطقة.
اختلاف المواقع هنا لا يخفي وحدة القرار. فنتنياهو يمنح الغطاء السّياسيّ، وكاتس يبلور العقيدة الأمنيّة، وزامير يترجمها عسكريًّا. واللافت أنّ كاتس لا يتحدّث عن وقف تهديدٍ آنيّ فحسب، بل عن “نزع سلاح” كامل بوصفه هدف المعركة. وهذا يعني أنّ إسرائيل تحاول تحويل الهدنة إلى منصّة ضغطٍ مفتوح على لبنان، دولةً ومؤسّساتٍ وتوازناتٍ داخليّة.
ميدانيًّا، أقدمت قوّات الاحتلال على تفجيراتٍ كبيرة للمنازل في بنت جبيل، ومركبا، والخيام، والطّيبة، كما طوّقت بلدة الخيام بسواتر ترابيّة. وشنّ الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غارةً بمسيّرة على بلدة كونين، ما أدّى إلى سقوط شهيد، فيما أطلق الجيش الإسرائيليّ رشقاتٍ ناريّة على عيترون، بالتّزامن مع تعرّض مدينة الخيام لقصفٍ مدفعيّ.
هذه الوقائع لا تشير فقط إلى خرقٍ للهدنة، بل إلى محاولةٍ لإدارة الجغرافيا الحدوديّة بالقوّة المباشرة. فالتّطويق، والردم، والهدم، والمنع، كلّها أدوات في مشروعٍ واحد: إخضاع الجنوب لميزان القوّة الإسرائيليّ، وحرمان لبنان من أيّ فرصة لاستعادة زمام المبادرة على حدوده.
دمشق على الخطّ
إقليميًّا، دخل الخطّ السّوريّ على المشهد، مع إعلان مصدرٍ في وزارة الدّاخليّة السّوريّة إحباط “مخطّطٍ تخريبيّ” تقف خلفه خليّة “مرتبطة بحزب الله”، كانت تعتزم إطلاق صواريخ خارج الحدود بهدف “زعزعة الاستقرار”. وبغضّ النّظر عن دقّة هذه الرّواية أو أبعادها الفعليّة، فإنّ إدخال السّاحة السّوريّة في التّوقيت نفسه ليس معزولًا عن محاولة توسيع دائرة الضّغط على الحزب وبيئته الإقليميّة.
فإسرائيل، ومعها أطراف إقليميّة ودوليّة، تدفع في اتّجاه صورةٍ تقول إنّ المواجهة لم تعد لبنانيّة، إسرائيليّة فقط، بل جزءًا من صراعٍ أوسع يتداخل فيه لبنان وسوريا وإيران. وهذه المقاربة تتيح لتل أبيب توسيع هوامش التّدخّل، وربط الجبهة الجنوبيّة بملفّات إقليميّة أشمل.
نعيم قاسم: الميدان لا يزال يحكم السّياسة
في المقابل، أكّد الأمين العامّ لـ”حزب الله” نعيم قاسم أنّ الميدان هو صاحب الكلمة الفصل، مشدّدًا على أنّ السّياسة النّاجحة هي التي تستفيد من نتائج الميدان لفرض توازنات قوّة تُرغم إسرائيل على الإذعان. وحدّد خمس أولويّات لما بعد وقف إطلاق النّار، تبدأ بوقف العدوان على كلّ لبنان، وتمرّ بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلّة، والإفراج عن الأسرى، وعودة الأهالي، ولا تنتهي بإطلاق عمليّة إعادة الإعمار.
رسالة قاسم واضحة: الحزب لا يرى في ما يجري نهاية المعركة، بل فصلًا جديدًا منها. وهو بذلك يواجه الخطاب الإسرائيليّ بخطابٍ مقابل يربط بين السّيادة، والميدان، وشروط ما بعد الهدنة. غير أنّ التّحدّي الفعليّ يبقى في قدرة هذا الخطاب على ترجمة نفسه سياسيًّا في لحظة ضاغطة داخليًّا وخارجيًّا.
سلام في أوروبا
في المقلب الدّبلوماسيّ، يتحرّك رئيس مجلس الوزراء، الدّكتور نوّاف سلام، نحو أوروبا، مستهلًّا زيارته من لوكسمبورغ بدعوةٍ من الممثّلة السّامية للاتّحاد الأوروبيّ للشّؤون الخارجيّة والسّياسة الأمنيّة، كايا كالاس، قبل أن ينتقل إلى باريس للقاء الرّئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه.
وتكتسب المحطّة الفرنسيّة أهمّيّة خاصّة، لأنّ باريس لا تكتفي بالتّأكيد على دعم وقف إطلاق النّار ووحدة الأراضي اللّبنانيّة، بل تربط ذلك أيضًا بمطلب السّيادة الكاملة وحصريّة السّلاح بيد الدّولة. ومن المتوقّع أن يثير ماكرون، كذلك، ملفّ الهجوم الذي استهدف الجنود الفرنسيّين العاملين ضمن “اليونيفيل”، بما يعكس إصرار فرنسا على عدم فصل أمن قوّاتها عن مسار تثبيت الاستقرار في الجنوب.
مفاوضات مرتقبة
في الوقت نفسه، تتحدّث مصادر رسميّة عن جهودٍ تُبذل للمحافظة على وقف إطلاق النّار، وعن تحضيرٍ قائم لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على أن يُعقد اجتماعٌ ثانٍ على مستوى السّفراء في واشنطن الأسبوع المقبل. غير أنّ أيّ مسار تفاوضيّ يبدو، حتّى الآن، محكومًا بموازين الميدان لا بنصوص التّفاهمات.
فإسرائيل تفاوض وهي تقضم، وتضغط وهي تبتسم دبلوماسيًّا، وتُعيد تعريف الوقائع بينما يُطلب من لبنان أن يلتزم الصّمت والانضباط. ولذلك، لا تبدو المشكلة في وجود مفاوضات من عدمه، بل في السّؤال الأكثر جوهريّة: هل يُراد لهذه المفاوضات أن تثبّت الانسحاب والهدنة، أم أن تُشرعن واقعًا أمنيًّا جديدًا فُرض بالنّار؟
الخلاصة أنّ الجنوب اللّبنانيّ يقف اليوم عند مفترقٍ بالغ الحساسيّة. الهدنة قائمة شكلًا، لكنّ الاحتلال يتمدّد مضمونًا. والخروق لم تعد أحداثًا معزولة، بل صارت بنيةً متكاملة لفرض منطقة عازلة فعليّة، ومنع الحياة، وتوسيع هوامش التّدخّل العسكريّ الإسرائيليّ تحت لافتة “الدّفاع عن الجنود”.
ما تفعله إسرائيل اليوم ليس مجرّد إدارةٍ لمرحلة ما بعد الحرب، بل تأسيسٌ مدروس لمرحلة “احتلال منخفض الكلفة”، تُمسك فيها بالنّار والخرائط والحركة والمبادرة، فيما يُطلب من لبنان أن يثبت حسن سلوكه تحت التّهديد. وبين تصعيد ترامب مع طهران، واندفاعة تل أبيب في الجنوب، تبدو الرّسالة أكثر وضوحًا من أيّ وقت: الهدنة ليست نهاية المواجهة، بل اسمها الجديد.
* نشرت بتاريخ 19 نيسان 2026 على موقع المدن
