تكفي قراءةٌ أولى لاتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان، لملاحظة ما يلي:
حفظ الاتّفاق حقّ إسرائيل الشهير وحدها في “الدفاع عن النفس”، (الحقّ نفسه الذي غطّى الإبادة في غزّة) فلم ينصّ على “حقّ كلٍّ من الدولتين في الدفاع عن النفس”، لا سمح الله!
أعلن الاتّفاق أنّ الدولتين “ليستا في حالة حربٍ” وهذا إعلانٌ تخطف جِدّتُه البصَر لأنّ الدولتين في حالة هدنة منذ العام 1949، وهو ما يعني قانوناً (على حدّ علمي القاصر) أنّهما باقيتان في حالة حربٍ، لكنهما تفاهمتا على وقفِ الأعمال الحربيّة إلى أجلٍ غير مسمّى… ولو كان الأمر غير هذا لبطلت الحاجة إلى التوجّه نحو عقد اتّفاق سلام، على ما يؤكّده الاتّفاق.
عاود الاتّفاق تأكيد حقّ الاستنساب الإسرائيليّ المطلق في “مواجهة أيّ هجّمات مخطّطةٍ أو وشيكةٍ أو جارية”، وهو ما كان اتّفاق 27 تشرين 2024 الذليل نوّه بما يشبهه، لكن مع شيءٍ من التقييد بتبليغ “الميكانيزم” الشهير الذي خلا من ذكره الاتّفاق الحالي. وهو أيضاً ما انتهى إلى أزيدَ من 400 لبنانيٍّ اغتيلوا، فضلاً عن جرحى أوفر عدداً ودمارٍ مضاف. وهو أخيراً ما كان السبب الثاني لاستئناف القتال من الجهة اللبنانيّة (السبب الأوّل – بترتيب الإعلان – كان الثأر للمرشد الإيراني)…
عاود الاتّفاق تأكيد مسؤوليّة دولتنا عن حصر السلاح في يد ما سمّاه “الأجهزة الأمنية اللبنانيّة” (جاعلاً الجيش واحداً منها!) وعن منع النشاط المسلّح لأيّة جهةٍ أخرى… جاعلاً الحصر والمنع مطلقين هذه المرّة، غير مقيّدين لا بـ”جنوب الليطاني” ابتداءً ولا بمرجعيّة القرار 1701…
كانت مدّة اتّفاق 27 تشرين ستّين يوماً، فيما مدّة اتّفاق أمس (المقدّم على أنّه “بادرة حسن نيّة من قِبَل حكومة إسرائيل”!) عشرة أيّام. وكان الاتّفاق السابق ينصّ على الانسحاب الإسرائيليّ التامّ من الأراضي اللبنانيّة في مدّته المشار إليها فيما يخلو الاتّفاق الحاليّ من أدنى ذِكرٍ للاحتلال الذي توسّع كثيراً وتوطّد واستكمل معه (في مَساق إنشاء “المنطقة العازلة”) تدمير مدينة الخيام ودُمّرت مدينة بنت جبيل وقرى وبلداتٌ عزيزةٌ أخرى. هذا إلى إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّ، مع إعلان الاتّفاق، أنّ جيشه باقٍ حيث هو.
هذا – حتّى إشعارٍ آخر – أبرز ما وجدته مستأهلاً الإشارة في نصّ هذا الاتّفاق الذي كلّف ما أحصاه عشرات الفسابكة غيري فلا أحتاج إلى تكراره.
هذا الاتّفاق هو الذي بصمت عليه الدولة اللبنانيّة وسائر القوى السياسيّة في لبنان وأوّلها الحزب المقاتل (وأبصم عليه بدوري “أنا العبد الحقير الذي ليس بطريرك إنطاكية وسائر المشرق”). وهو أخيراً الذي أطلقت قذائف الـb7 ابتهاجاً به في ضاحية بيروت، فيما لا يزال القتلى تحت دمار بيوتِنا والاحتلال جاثماً حيث هو… هل هؤلاء بشرٌ أم بلاط قبور؟
(*) عن فايسبوك ـ مدونة أحمد بيضون: معاني المباني 18 نيسان 2026
