سياسة صحف وآراء

في مصير حزب الله بعد الحرب

*عمر كوش

لم يتأخّر حزب الله اللبناني عن الانخراط في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إسناداً لها، وردّاً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، وذلك بالتضاد من إرادة الحكومة اللبنانية، وعلى الرغم من هشاشة وضعيه، العسكري والسياسي، بعد الضربات القوية التي لحقت به بعد دخوله حرب إسناد غزّة، وأفضت إلى خسارته الصفّين الأول والثاني من قياداته السياسية والعسكرية.

لم يأت قرار الحزب دخوله في الحرب الدائرة ردّ فعل ميداني على الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بل نتيجة ارتباطه العضوي، سياسياً وعسكرياً ومالياً بالنظام الإيراني. وشكل دخوله الحرب فرصة سانحة لحكومة اليمين المتطرّف الإسرائيلية، كي تستكمل ما بدأته في الحرب الماضية من قتل وتدمير وتهجير في لبنان، خصوصاً أنها تعتبرها المعركة الأخيرة مع حزب الله، في ظل توافر ظروف قد لا تتكرّر، وجاءت في الوقت المناسب لإنهاء الحزب عسكرياً، وإعادة هندسة المجالات، السياسي والأمني والجغرافي، التي يتحرك داخلها. فضلاً عن أن دخول الحزب في حربٍ مع إسرائيل استدعى طرح أسئلة بشأن كيفية خروجه منها، عن مصيره الذي لم يعد مرتبطاً بشكل كبير بالوضع في لبنان فقط، إنما بما ستتمخض عنه الحرب على إيران وإرهاصاتها.

تكشف مسيرة حزب الله منذ تأسيسه في الثمانينيات أنه كان يتصرّف باعتباره صاحب قرار مستقل عن قرار الدولة اللبنانية، واحتل موقعاً يتجاوز مؤسّساتها وجيشها، وخارج أطرها القانونية والشرعية، وحاول ترسيخ نفسه سلطة موازية داخل لبنان، وتثبيت وجوده دويلة داخل الدولة. وتعامل وفق هذا المسار مع كل الدعوات إلى نقاش وضع سلاحه، وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية اللبنانية. ورفض بشكل قاطع قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة، والذي صدر في الخامس من أغسطس/ آب الماضي. في المقابل، عارضت معظم القوى السياسية اللبنانية ربط الحزب الوضع في لبنان بالكامل مع إيران، وتحويله ساحة مفتوحة على أخطار متعدّدة، فهو لم يعد فقط مسرحاً لعمليات عسكرية قد تتوسّع، بل أيضاً ميداناً لتصفية حسابات جيوستراتيجية، تتجاوز قدرته على تحمّل تكلفتها. ولذلك سارعت الحكومة اللبنانية إلى حظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، بينما اعتبر الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الحزب يسعى إلى “سقوط دولة لبنان من أجل حسابات النظام الإيراني”.

جاء قرار حزب الله الانخراط في حرب إسناد إيران في ظروف مختلفة، حيث لم يكن نتيجة امتلاكه قوة زائدة كالتي كان يملكها من قبل، بل لأنه كان محدود الخيارات، خصوصاً أنه لم يعد بإمكانه الاستفادة من الأراضي السورية، التي كانت ممراً لوجستياً حيوياً له للحصول على سلاحه من إيران، إضافة إلى خسارته حليفه نظام الأسد البائد، الذي كان سنداً أساسياً له، وكان معه في المحور الإيراني نفسه. كما أن انخرط الحزب في الحرب على إيران أفضى إلى ربط وجوده بمآلات وجود النظام فيها، ومن ثم، تضع أي ضربة قاصمة للنظام الإيراني حزب الله أمام أزمة مركّبة، لا تطاول المظلّة والتمويل، بل فقدانه موقعه وقوته، وتحوّله إلى كيان لبناني سياسي.

يبدو أن انخراط الحزب في حرب مع إسرائيل كان خياراً اضطرارياً، ومحاولة للهروب من المأزق الداخلي، ولجأت قيادته إلى محاولة إيجاد معادلات مختلفة عبر دخولها معركة مع إسرائيل، كي تعيد تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية، مثلما كان الأمر بعد حرب لبنان 2006، التي خاضها الحزب بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وبما يمكّنه من استثمار مغامرة الدخول فيها على المستوى السياسي، من أجل خلط الأوراق داخلياً وتثبيت أقدام الحزب سياسياً. لكن قيادته تعي تماماً أن هذه الحرب التي يخوضها الحزب تتجاوز هذه المرّة كونها جولة عسكرية جديدة مع إسرائيل، وأنه يخوض “معركة وجود”، على الرغم من حالة ضعفه العسكري وانكشافه الداخلي. وقد تكون معركته الأخيرة، لذلك دخلها بكل ما يملك من قوة، لأن المطلوب فيها رأسه بالكامل، ومن ثم، سيقاتل حتى الرمق الأخير.

المستغرب أن حزب الله، ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، التزم بوقف إطلاق نار مع إسرائيل، ولم يرد على الضربات الإسرائيلية التي لم تنقطع واستهدفت مقرّاته ومواقعه في الجنوب اللبناني وسواها، وأوقعت حوالي 500 قتيل، عدد كبير منهم من عناصره. ومع ذلك، قرّر الدخول في حرب مع إسرائيل إسناداً لإيران، ويصرّ على استكمالها أياً تكن الأثمان التي سيدفعها، وتدفعها معه الدولة اللبنانية وسائر اللبنانيين، خصوصاً المشرّدين والمهجّرين الذي تجاوز عددهم المليون شخص. لكن الحزب لا يكترث بالأثمان الباهظة التي يدفعها لبنان واللبنانيون، ولا بالمأزق الناتج الذي يواجهه مع بيئته الحاضنة التي تستهدفها إسرائيل، وباتت تعبر عن استيائها من الأحمال الثقيلة على كاهلها في ظل الانهيارين، الاقتصادي والمعيشي، اللذين تعيشهما، والاستنزاف التي تعرّضت له في السنوات الماضية، فضلاً عن احتمالات قطيعة داخلية من البيئة المحيطة.

يدرك قادة حزب الله أن الصواريخ التي يطلقها على إسرائيل لن تؤثر على خطط حكومة بنيامين نتنياهو، ولن تضطرّها إلى وقف الحرب، وفي الوقت نفسه، لا توفر أي حماية له، ولا لحاضنته الاجتماعية، ولا للبنان الذي تدمّر إسرائيل عديداً من مرافقه وبناه التحتية، ولا للمدنيين اللبنانيين. ولعل إنكاره جسامة الورطة التي أدخل فيها لبنان، جعلته يخوّن جميع معارضيه، وهم كثر. ووصل الأمر إلى حدّ تخوين الحكومة اللبنانية، التي شبهها نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، بحكومة فيشي التي حكمت فرنسا خلال احتلال ألمانيا النازية، ووضعها أمام خيارين: “الاعتذار من الشعب اللبناني ومن المقاومة، والتراجع عن قراراتها، أو مواجهة تسونامي شعبي قد يؤدّي إلى إسقاطها وإسقاط شرعيتها”. الأمر الذي يكشف أن حزب الله بات يخوض حرباً وجودية على جبهتين: في لبنان ضد جميع معارضيه، ومع إسرائيل استجابة لتوجيه حليفته السياسية والعقائدية والاستراتيجية.

الأرجح أن حزب الله سيواصل في الحرب مع إسرائيل إسناداً لإيران، والتي لا يمكن تعليل انخراطه فيها بعامل معيّن، لأنه يعود إلى جملة من عوامل وحيثيات، يتقاطع فيها الوضع الداخلي في لبنان مع الوضع الإقليمي المتعلق بولاء الحزب لإيران وارتباطه بالنظام في طهران على مختلف الأصعدة. ويبقى السؤال الأهم” ما مصير حزب الله بعد انتهاء الحرب الدائرة في المنطقة؟

*نشرت في العربي الجديد يوم 20آذار / مارس 2026