وسط فوضى المعلومات، كيف يمكن قراءة أوراق الملف اللبناني في لحظة تشهد فيها إيران ومنطقة الخليج تحولات دراماتيكية لا يُعرف حتى الآن المدى الذي ستصل إليه تداعياتها؟
بالنسبة إلى لبنان، يمكن أن نضع مجموعة تصورات محتملة تعتمد نظرياً على ثلاثة سيناريوهات سبق أن شهدها البلد في العقود الخمسة الماضية.
أولاً: سيناريو سنة 1978، الذي انتهى بإبعاد الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية المتحالفة معها عن الشريط الحدودي في الجنوب وتأسيس دويلة شكلت ذاك الحاجز الأمني الذي يمنع قوى المقاومة من التقدم إلى المناطق التي تعتبرها تل أبيب خطوط تماس لا يُسمح بخرقها أو تجاوزها.
ثانياً: سيناريو سنة 1982، الذي انتهى باجتياح الجنوب وصولاً إلى العاصمة، وقضى بإخراج الفصائل الفلسطينية طوعاً من بيروت والبدء بمفاوضات مع الجانب الرسمي اللبناني بهدف التوصّل إلى اتفاق سياسي يضمن أمن “إسرائيل” تحت مظلّة حماية دولية.
ثالثاً: سيناريو سنة 2006، الذي انتهى باتفاق وقف إطلاق النار وسط رعاية دولية/عربية ساهمت في إعادة ترميم ما دمرته الحرب من دون أن يتوصل لبنان إلى الحصول على ضمانات تضبط عدم تورّط الأطراف في مواجهات محتملة في المستقبل.
هذه السيناريوهات الثلاثة التي مرَّ بها لبنان وعاشها لم تعد واردة في أوضاع أصبحت متغايرة دولياً وعربياً وإقليمياً ومحلياً. فالسيناريو الأول (1978) كان ضد الفصائل الفلسطينية ومَنْ تحالف معها، لذلك لم يشتمل على طرد السكان وتدمير قراهم، إنما اقتصر على ترسيم شريط أمني حدودي أتاح لأهالي الحافة البقاء في منازلهم والعمل في أراضيهم بشرط عدم التعامل مع فصائل المقاومة الفلسطينية. والسيناريو الثاني استكمل ما بدأ تنفيذه في الشريط الحدودي، حين اجتاح الجيش الإسرائيلي البلد وطوّق العاصمة وحاصر الفصائل الفلسطينية وأجبرها على الخروج طوعاً من بيروت حتى يضمن ترتيب تفاهمات مع الحكومة المركزية اللبنانية. والسيناريو الثالث (2006) الذي اقتصر على الاجتياح الجوّي وضرب البنى التحتية وتقويض الجسور والأنفاق والمرافق العامة، استهدف ضبط الحدود ضمن صيغة سلبية (لا حرب ولا سلم)، تمنع المقاومة من اختراق الحافة وتهديد أمن “المستوطنات الاسرائيلية”.
كل هذه السيناريوهات التي شهدها لبنان خلال العقود الخمسة الماضية بات من الصعب تكرارها بسبب اختلاف الأوضاع الدولية والعربية والإقليمية، وكذلك بسبب تغير طبيعة الأهداف الإسرائيلية.
في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات والعشر الأول من هذا القرن الجاري، حصلت المعارك والاجتياحات تحت سقف معادلة دولية تمنع تعديل الخرائط السياسية الجغرافية، وتحدّ من إمكانات كسر التوازنات الديموغرافية.
وبسبب تلك التدخلات الدولية والعربية والإقليمية، كان من الصعب على تل أبيب الإقدام على تفريغ القرى والبلدات الجنوبية من سكانها وتجريف المباني والأراضي الزراعية وتقويض مقومات الحياة الضرورية للبقاء في الأمكنة الأمامية.
ما حصل وما زال يحصل منذ سنة 2023، لم يشهد لبنان مثيلاً له في نصف قرن. في السابق، وقعت الكثير من الكوارث (دمار، وتقويض، ونزوح، وقصف، وترويع)، إلّا إنها كانت إجراءات أمنية موقتة بقصد التخويف والترويع وزعزعة الاستقرار والتعايش الأهلي، لكن الخطوات لم تصل إلى مستوى طرد الناس من ديارهم وتجريف منازلهم وتقويض حياتهم. والسبب في اختلاف النهجين يعود إلى أن المعارك السابقة كانت تركّز على تحطيم الفصائل وتكسير الأحزاب ومنع المقاومة من تشكيل قوة أهلية قادرة على تأمين الحماية والدفاع عن المصالح. الآن، أصبحت المعركة تستهدف الأهالي مباشرةً وضد ما اتُّفق على تسميته “البيئة الحاضنة لمجموعات المقاومة”.
تعود أسباب اختلاف النهج إلى تبدّل الأهداف، فالغايات السابقة كانت تقتصر على إبعاد المخاطر المسلحة عن الحدود، لذلك كان التركيز على الجانب الفلسطيني بغية عزله عن الجانب اللبناني، بينما الآن أصبحت المواجهة مع البيئة الحاضنة مباشرةً واستتباعاً ضدّ القنوات والروافد الممتدة إقليمياً، وصولاً إلى إيران.
بهذا المعنى العام، يمكن القول إن السيناريو المحتمل افتراضي ولا ينطبق في حيثياته الدولية والعربية على تلك التي شهدها لبنان في العقود الخمسة الماضية. فالمعركة التي تتضخم وتتدحرج هي جزء من سيناريو كبير بدأت ترتسم معالمه من غزة والضفّة إلى الجنوب والجولان وجبل الشيخ.
هذه الجغرافيا القريبة (فلسطين، ولبنان، وسورية) ليست منفصلة عن الجغرافيا البعيدة (العراق، وإيران، والخليج) التي، كما يبدو، مُقبلة على متغيرات سيكون لها تأثيرها في ما يمكن أن يحصل في لبنان ودائرة جيرانه.
لذلك، فإن الأولوية الآن هي للجغرافيا البعيدة بينما تأتي الجغرافيا القريبة في المرتبة الثانية من الاهتمام من دون رعاية دولية كما كان يحصل نسبياً في الفترات السابقة. فالحرب على لبنان يمكن لها أن تتحوّل من اجتياح محدود وموقت إلى معركة مكشوفة ومفتوحة على احتمالات تتناسب مع تلك المتغيرات التي طرأت على التوازنات الدولية ونمو قوى إقليمية تتمتع بقدرات تسمح لها بالمغامرة والتنافس الموضعي مع مراكز الدول الكبرى.
لذلك، من المرجّح أن يشهد لبنان في المحطات المقبلة هجمات مركّبة من السيناريوهات الثلاثة السابقة تجمع بين تحطيم البنى التحتية وتوسيع الشريط الحدودي ميدانياً وتجريف المناطق حتى لا تكون صالحة للعيش إلاّ بعد فترة زمنية تقرّرها تل أبيب.
الأخطر من كل تلك السيناريوهات الثلاثة، هو احتمال وجود خطة اجتياح لا تقتصر على مدّ جسور وتثبيت نقاط مراقبة، وإنما تطمح نحو تغيير المعادلات الإقليمية/الجوارية التي تسمح لحكومة نتنياهو في جرجرة البلد في اتجاه القبول بحل يرتبط بمشروع كبير متصل بفكرة تعديل الخرائط وترسيم الحدود ونزع السيادة اللبنانية عن مناطق بحرية وبرية تتصل بالجوار الجغرافي.
هذا السيناريو التحطيمي المعدّل يعتمد كثيراً على تلك التحولات المحتملة في إيران والحدّ من نفوذها ودورها الإقليمي. فالمتغيّر المتوقّع حصوله في الجغرافيا البعيدة نسبياً سيكون له تأثيره المباشر في الجغرافيا القريبة التي تمظهرت صورتها في انقلاب المشهد السوري بعد سقوط نظام استقر لمدة 54 سنة من حكم عائلة نالت غطاءات دولية سمحت لها أن تستبدّ بالسلطة من دون منافسة.
يمكن اعتبار تبدّل المشهد السوري نقطة تحوّل مركزية في الجوار الإقليمي، لأنه فتح الباب لمتغيرات يمكن أن تتمدد إلى المحيط الجغرافي. فما حصل في سورية ليس مجرد تفصيل يحصل دائماً وفي كل مكان ووقت، بل هو حجر زاوية لإعادة ترسيم هيكلية الدائرة التي تحيط بفلسطين (غزة، الضفة، وأراضي 1948) الأمر الذي يؤشر إلى إمكان تدحرج التطورات حتى تستقر على صيغة تختلف عن تلك التي تمَّ التوافق عليها بعد نكبة التقسيم.
هذا الترابط النسبي بين الجغرافيا البعيدة والجغرافيا القريبة يرجّح أن يكون له تأثيره السياسي في ترسيم خريطة طريق تؤدي إلى إعادة هيكلة المنظومة الإقليمية وترتيب أدوار القوى الإقليمية، حتى لا تحصل “فراغات” يمكن أن نشهدها في حال تم تقليص نفوذ إيران في العراق وتقليم دورها في البيئة الإقليمية.
بهذا المعنى، يمكن رؤية التقلبات اللبنانية في إطار المشهد الإقليمي الذي تعدّلت موازين قواه لمصلحة نمو ترجيح كفّة لجانب التحالف الأميركي/الإسرائيلي. وهذا التغيّر في المعادلة لا يمكن أن يستقر قبل أن ترتسم ملامح خريطة المنطقة سياسياً وتُعاد هيكلة مراكز القوى وتُحدد حصصها ونفوذها وأدوارها على المديَين القريب والمتوسط.
كل هذه الاحتمالات تتوقف تداعياتها على نهاية المشهد في إيران ومحيطها وخطوط النفط وممرّاته البرية والبحرية في الخليج وامتداده الأوروبي والآسيوي.
هذا لا يعني أن الساحة اللبنانية موقوفة أو مرهونة لكل تلك الاحتمالات الافتراضية. فـالملف اللبناني الذي تم ربطه بالحدث الإيراني في بداية الاصطدام، بدأ ينفصل نسبياً ويتداعى مستقلاً ضمن آليات لن تكون محكومة بالنتائج التي ستسفر عنها المواجهة مع إيران وارتداداتها على دول الخليج وممرات النفط والمضائق.
أصبحت حسابات الملف اللبناني مُتخيّلَة ومختلفة بحدود معيّنة عن تلك المعادلة التي ارتسمت معالمها منذ خروج الاحتلال الإسرائيلي من البلد سنة 2000. لذلك، يمكن أن تستمر المواجهة العسكرية في لبنان، حتى لو توقفت المعركة في إيران.
ختاماً، على الرغم من الفوضى في المعلومات بدءاً من واشنطن وصولاً إلى طهران، فإن الواضح في المشهد المتقلّب هو بدء مسار فكّ ارتباط لبنان بمعادلة محور الممانعة ودخوله في دائرة لا تزال خريطتها الهندسية غير واضحة المعالم.
* صحافي وكاتب لبناني في الشؤون الدولي.
* نشرت بتاريخ 19 آذار 2026 على موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
