زكـي طـه
بيروت 21 آذار 2026 ـ بيروت الحرية
لم يعد ممكناً مقاربة ما يجري في لبنان بوصفه مجرد جولة جديدة من جولات الصراع مع إسرائيل، ولا امتداداً تقليدياً لمعادلات الردع التي حكمت المرحلة السابقة. ما يواجهه لبنان اليوم هو تحوّل نوعي يضع الدولة والمجتمع معاً أمام مأزق مصيري غير مسبوق، تتقاطع فيه الحرب الخارجية مع الانهيار الداخلي، وتتعاظم فيه كلفة الخيارات الخاطئة إلى حد تهديد وجود الكيان نفسه.
في صلب هذا المأزق، يبرز دور حزب الله، الذي لم يكتفِ بتعريض لبنان لحرب تدميرية مفتوحة، بل وضع الدولة في موقع العجز البنيوي عن مواجهة شروطها وتداعياتها، كما عن إدارة الصراع مع العدو أو احتوائه، في لحظة هي الأكثر حساسية وخطورة في تاريخه الحديث.
والمفارقة الأشد خطورة أن أداء الحزب وسلوكه لا ينفصلان عن مأزقه العميق الذي يحاصره. فهو للمرة الاولى منذ تأسيسه، يخوض مواجهة في ظروف معاكسة جذرياً: عمق استراتيجي مضطرب، حدود مغلقة، وخطوط الإمداد التقليدية مقطوعة من سورياً إلى ايران، وفعالية الردع التي شكّلت مصدر قوته الأساسية تراجعت، وتآكلت معها شرعية دوره وخطابه داخلياً وخارجياً، لأن شعارات التعبئة فقدت قدرتها على الحشد والاقناع، كما وأن طريق القدس لم تعد كافية لتبرير الانخراط في الحرب. والأخطر أنها تُخاض، للمرة الأولى، بشكل معلن من موقع الدفاع عن النظام الإيراني. الامرالذي يُظهر اولويات الحزب ووظيفته، على النحو الذي يضعف صدقية الادعاء بأن المواجهة تُدار لمصلحة لبنان، ويعزز القول بأنه يستخدم لبنان ساحة في حروب لا يملك اللبنانيون قرارها.
محدودية الدور العسكري
في الميدان العسكري، تكشفت الوقائع عن محدودية التأثير في مسار العمليات. لم تنجح الصواريخ في تعديل مخططات اسرائيل، بل وفّرت عملياته ذرائع إضافية لتوسيع نطاق الحرب، وتسريع تنفيذ سيناريوهات أكثر خطورة، من التوغل البري إلى إعادة رسم معادلات السيطرة في الجنوب. وهكذا، تحولت المقاومة، من عنصر قوة، إلى نقطة ضعف تستغلها اسرائيل لتبرير التصعيد، وأصبح انخراطه في الحرب عامل تيّسير لاستراتيجيتها بديلاً عن مواجهتها.
في المقابل، تقف الدولة اللبنانية في موقع بالغ الهشاشة. فهي عاجزة عن فرض قرار سيادي يضع حداً لازدواجية السلاح، ومضطرة لتحمّل تبعات حرب لم تقررها. وقد بلغ هذا التناقض ذروته مع رفع الغطاء السياسي عن دور الحزب العسكري والامني، في ظل عجز فعلي عن تنفيذ أي إجراءات بشأنه. والمحصلة وضع البلاد أمام معادلة قاسية: حرب مفتوحة تهدّدها بالانهيار، أو تفاوض تحت الضغط بأثمان سيادية مرتفعة. وفي الحالتين، يدفع البلد ثمن فقدان قراره الوطني.
وفي الميدان الداخلي يتكرّس الخلل في العلاقة بين حزب الله وحركة أمل. الاول يحتكر النطق باسم الطائفة لتغطية وتبرير مشاركته في الحرب، والثانية تلوذ بالصمت، ما يعكس ارتباكاً عميقا ناجماً عن رفضها الضمني لدور الحزب وخشية قيادتها من كلفة فك الارتباط معه في آن. وبذلك يستغل الحزب تردد شريكه وعجزه عن اعلان موقف واضح من أدائه، ومن قرارات الحكومة بشأن السلاح، وحول مبادرة رئيس الجمهورية في ما يتعلق بالمفاوضات.
وتردد حركة أمل وصمت قيادتها ممثلة برئيسها ـ رئيس مجلس النواب ـ يكشف خللاً بنيوياً في موقع الحركة ودورها، استناداً لمشروعها التاريخي القائم على الاندماج في الدولة والصراع من داخل مؤسساتها لتحسين شروط المشاركة، في مواجهة خطر الاصطدام الآن وفي ظل الحرب بمشروع الحزب الذي يتجاوز الدولة ويقوّض أسسها. ولذلك تفضّل الحركة الصمت تفادياً لانفجار الصراع بين الطرفين.
في المقابل تتصرّف، بقية قوى السلطة من زوايا ومواقع فئوية غايتها تحصين مواقعها وحماية مكاسبها المحققة، ولأنها ترى الحرب فرصة لإضعاف الحزب، يتجاهل أكثرها خطورة الأهداف الإسرائيلية. وهو رهان يتكرّر في التاريخ اللبناني: ارتهان للخارج ينتهي دائماً بخسارة من راهن.
يؤكد ذلك أن أكثرية أحزاب السلطة تتعامل مع الدولة كساحة لا كمرجعية: حزب الله يتجاوزها، وسائر القوى تتقاسمها. والمحصّلة دولة ضعيفة ومجتمع مهدد بالتفكك، في ظل تصاعد الانقسام، واتساع التهجير، واحتمال الانفجار الداخلي، مقابل تعاظم كلفة الحرب وتراجع القدرة على الصمود وإعادة البناء.
وفي هذا السياق، يكتسب خطاب رئيس الحكومة أهميته، ولو متأخراً، كمدخل لإعادة بناء الثقة. والمطلوب خطاب جامع يعيد تعريف دور الدولة وحدود قدرتها في ظل امكاناتها، ويحدّد بوضوح المصلحة الوطنية وحقوق المواطنين، وفي مقدّمها حق مساءلة من يعتدي عليها، وصولاً إلى مواجهة خطاب التخوين والوصاية، وشرح خطورة مصادرة قرارها وصلاحياتها على مصير البلد. والاكثر أهمية على هذا الصعيد تكريس حضور الدولة كمرجعية، وعدم ترك الساحة لخطابات التحريض والانقسام، بالتوازي مع مصارحة اللبنانيين بخطورة الوضع وطبيعة الخيارات الصعبة والمتاحة. ونظراً لعدم وجود حلول سهلة أو بلا أثمان، ولأن لبنان اليوم أمام لحظة تقرير مصيرحقيقية، لم يعد يجدي فيها الهروب إلى الأمام أو تأجيل الاستحقاقات. كما لم يعد كافياً توصيف الأزمة، لأن المطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل إعادة طرح الاسئلة الجوهرية حول طبيعة الدولة ودورها وسيادتها وحول تعريف المصلحة الوطنية الجامعة. والإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ترفاً فكرياً، بل شرطاً لبقاء لبنان نفسه. فإما أن ينجح في استعادة الحد الأدنى من وحدته وقراره الوطني، أو ينزلق أكثر نحو التفكك والانهيار، في مسار قد لا يكون قابلاً للعودة.
نحو مسار إنقاذ وطني
ولأن الأمر على هذا النحو لم يعد كافياً توصيف الأزمة أو تبادل الاتهامات. فالمطلوب انتقال فوري إلى برنامج عمل واضح، يحدّد أولويات الإنقاذ ويضع المواقع الدستورية والقوى السياسية كافة أمام مسؤولياتها التاريخية. وفي هذا السياق، تبرز الخطوات الآتية كحدّ أدنى لا بدّ منه:
أولاً، وقف الانزلاق إلى الحرب الشاملة عبر التزام رسمي لا لبس فيه بحصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، والعمل الفوري على تثبيت وقف إطلاق النار بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية المتاحة، بما يحمي المدنيين ويوقف التدمير المنهجي.
ثانياً، إطلاق مسار تفاوضي مضبوط بتوافق وطني أكثري جرّاء تعذر الاجماع، ليس بوصفه خياراً سياسياً مرغوباً بحد ذاته، بل كضرورة لوقف الحرب ودرء مخاطر الاحتلال والتفكك، على أن يتمّ تحت سقف واضح يحفظ السيادة ويمنع تحويل لبنان إلى ساحة مقايضات إقليمية.
ثالثاً، وضع خطة مرحلية لمعالجة مسألة السلاح خارج الدولة، تبدأ بوقف استخدامه في الصراع الجاري، وتنتقل إلى تسليمه للجيش ضمن جدول زمني واضح وضمانات داخلية وخارجية.
رابعاً، تفعيل مؤسسات الدولة واستعادة دورها التنفيذي والأمني والخدماتي، عبر تمكين الجيش والقوى الشرعية من بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ووقف كل أشكال الازدواجية التي تقوّض هيبة الدولة ووحدتها.
خامساً، إطلاق ورشة سياسية داخلية لإعادة بناء العقد الوطني، تتجاوز منطق المحاصصة الطائفية، وتؤسس لدولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون، بما يعالج جذور الأزمات المتكررة.
سادساً، تحصين الجبهة الداخلية اجتماعياً واقتصادياً، من خلال خطة طوارئ لدعم الفئات المتضررة من الحرب، وإعادة إعمار ما تهدّم، ومنع الانهيار الاجتماعي الذي يشكّل الوقود الأخطر لأي تفكك داخلي.
سابعاً، اعتماد سياسة خارجية متوازنة تعيد الاعتبار لمصلحة لبنان أولاً، وتخرجه من محاور الصراع الإقليمي، بما يعيد بناء شبكة علاقاته العربية والدولية على قاعدة الاحترام المتبادل والسيادة.
إن هذه الخطوات، رغم صعوبتها، تبقى أقل كلفة بكثير من الاستمرار في المسار الحالي. وهي تشكّل الإطار الواقعي الوحيد لوقف الانحدار، وفتح أفق سياسي يسمح بإنقاذ لبنان والحفاظ على ما تبقّى من مقومات بقائه كدولة ومجتمع.
