صحف وآراء مجتمع

 فما عاد لي حال أمضي إليها

 أنا مثل بلدي، جدار تعلّق عليه بيانات النعي موقّعة باسم زهير ابن أبي سلمى الذي علّق اسمه لمجرد أنه قال هذا البيت أمام جدار المعلقات.

 * سمير عطالله

الظلم الأكبر الذي يلحق بالناس في الحروب هو ظلم الفقر. وهو ذلّ في النهار وجوع في الليل. وفي الأزمنة القاسية تراهم عن بعد. صحافيون وكتاب سابقون يعبرون الحي مشاة نحو المقهى لتمضية جزء من نهارهم العقيم، ومعهم صحيفة أو كتاب أو ندم أو ذكريات، أو لا شيء. لم يعد معهم شيء. دخلوا زمن العقم واليباس.

لم يكونوا دائما ما أصبحوا. كانوا، إلى حد ما، مثل لبنان. حيويون ويريدون أن يغيروا وجه الكون مع شيء من المساعدة من فلاديمير إيليتش، وكانوا يتظاهرون بالموافقة على كل ما تقوله الرفيقة الخشنة المعجبة بالعنف التروتسكي. كانت الأشياء في حجم الأشياء، والحكايات تحكى عن بيروت. لكن أحدا لم يتوقع خرابها وفقرها وعقم الأزمنة. هؤلاء السادة كانوا يحتلون كراسي الأرصفة ويحللون أوضاع العالم. وكانوا دائما على حق. وقد كان كل هذا في الماضي الذي كان. الآن عتقت ثيابهم. وعلقت بها مظاهر البطالة والفقر. والبعض لم يعد يفكر حتى في المجيء. صار المقهى عدوه. وصار يخاف نظرة صاحبه. ولم يعد يحتمل منظر المرأة التروتسكية ورائحة التبغ الفرنسي بين أصابعها الصفراء.

سألت عن بعض الغيّاب هنا، فضحك متعهد المقهى في خبث ولم يقل إنه غير قادر على التسديد. بل قال ببلاغة لعبة يتقنها أصحاب المقاهي الساحلية: “الأيام صعبة يا صاحبي”. ومضى إلى حاله، فيما لم يعد لي حال أمضي إليها. ولا أحد أعدو إليه. أنا مثل بلدي، جدار تعلّق عليه بيانات النعي موقّعة باسم زهير ابن أبي سلمى الذي علّق اسمه لمجرد أنه قال هذا البيت أمام جدار المعلقات.

أنا يا صديقي، شاعري المفضل بينهم أمرؤ القيس. أحيانا قليلة أبايع في حضرة المزاح صاحب هند التي من برقة تمهد. هذا حق موروث كما تعرف، سجله لنا أفلاطون الذي رأى في الشعراء خلاعة وهوى. مثل لبنان ولدت تحت البرج الذي لا يسمى. ولي أصدقاء عدة ولدوا تحت برج بابل. وقد سألت عنهم فقال متعهد المقهى إنهم يسافرون إلى إفريقيا وأميركا لتمضية سنوات التقاعد على حساب أقربائهم الذين يحق لهم التقاعد في زوايا المدن. وقال بأسى إنه ارتكب الارتكاب الكبير عندما سافر إلى إفريقيا بدل أوستراليا. فالعملة فيها بالدولار. وسعر الصرف في يد الصرافين. والله مع الصابرين.

* نشرت بتاريخ 18 آذار 2026  في جريدة النهار