إطلاق القذائف الستة على إسرائيل من قبل حزب الله ليس ما دفعها إلى قصف لبنان بشكل جنوني. كما أن إقامة منطقة عازلة على حدودها ليست ما تسعى إليه.
لنفهم أهداف إسرائيل تجاه لبنان، علينا العودة إلى العام 1982، حين احتلت لبنان ونشأ حزب الله. وقد ظل هذا الأخير، في مواقفه حتى اليوم، يشدد على ضرورة إزالة إسرائيل، و”استئصال هذا السرطان”، و”العبور حتمًا” إلى الجليل وصولًا إلى المسجد الأقصى. في المقابل، تُعرّف إسرائيل نفسها بأنها “دولة اليهود”. واليهود، بوصفهم جماعة دينية، عرفوا منذ نشأتهم الاضطهاد حيثما وُجدوا، ولا سيما في أوروبا. كما أن معاداة السامية ليست غائبة حتى في الولايات المتحدة، الحليف والسند الأول لإسرائيل. أما في الشرق الأوسط، حيث أُقيمت دولة إسرائيل في العام 1948 على حساب الشعب الفلسطيني الذي هجرته ولا تزال تضطهده، فلم تتمكن من الانخراط في هذه المنطقة والعيش بسلام مع جيرانها. فالسلام الحقيقي يتجاوز معاهدات “عدم الاعتداء”، التي هي واقع اتفاقيات السلام بينها وبين بعض الدول العربية. ويتجاوز السلام الحقيقي أيضًا العلاقات الاقتصادية والمصالح السياسية، إذ إنها ظرفية. فالسلام الحقيقي بين الدول التي كانت متصارعة يقوم على القبول بالآخر على اختلافه، وعلى التبادل الثقافي والتواصل بين الشعوب، وهذا ما لم يتحقق.
انطلاقًا من هذا الواقع، أي التهديد الدائم لوجود إسرائيل من قبل حزب الله المدعوم من إيران، التي ترفع الشعار نفسه بإزالتها، والشعور المستمر لدى إسرائيل بالخوف على مصيرها نظرًا لتاريخ الشعب اليهودي المزدوج المُضطَهَد-المُضطَهِد، يمكن رسم أهداف هذه الدولة تجاه لبنان.
بعد طرد “رأس الأفعى”، أي منظمة التحرير الفلسطينية -حسب تعبيرها- من بيروت عام 1982، احتلت إسرائيل جزءًا من لبنان وانسحبت منه في العام 2000، تحت ضربات “جبهة المقاومة اللبنانية” حتى العام 1985، ثم حزب الله من بعدها، حيث أقصى هذا الأخير “الجبهة” عن كل عمل مقاوم. وقد أدركت إسرائيل أن لبنان عصيٌّ على أي احتلال؛ فلا المنظمات الفلسطينية تمكنت من السيطرة عليه، ولا الجيش السوري أيضًا، الذي اضطر إلى الانسحاب، وإن اختلفت الظروف وأنواع المواجهات. ولا أي شريط حدودي منزوع السلاح يمكن أن يمنع صواريخ حزب الله، المنطلقة من العمق اللبناني، من عبور الحدود الجنوبية.
تتخذ السياسة الإسرائيلية تجاه جيرانها اتجاهين: إما “السلام البارد” مع من تخلى عن محاربتها (مثل مصر، الأردن، ودول الخليج)، أو تفكيك الدول المعادية (لبنان) أو التي لا تثق بها (سوريا وربما العراق) .فيما يخص لبنان، منذ العام 2000 بعد تحرير الجنوب، تفاعلت إسرائيل مع حزب الله، الذي أفقد لبنان فرصة تثبيت واقع “عدم العداء”، حسب ظروفها الداخلية والوضع الإقليمي وتقديراتها المتفاوتة للمخاطر. لكن بعد عملية 7 تشرين الأول 2023 وتدخل حزب الله، لم يعد لإسرائيل خيار سوى تطبيق خططها الرامية إلى تفكيك لبنان. وفعالية صواريخ حزب الله على القرار الإسرائيلي بوقف العدوان شبه معدومة، ولم تساهم في حماية لبنان، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية والاقتصاد اللبناني الهش، وهجرة داخلية مليونية. كما زاد خطاب حزب الله التخويني تجاه كل من يعارضه من نفور باقي اللبنانيين تجاه الطائفة الشيعية، وساهم في ظهور خطاب فئوي وعنصري من بعض منتقديه. ورافق تهجمه الحاد على الرئاستين الأولى والثانية انتقادات لقيادة الجيش من قبل خصومه.
لكل ذلك نتيجة واحدة: إضعاف الكيان اللبناني لخدمة إسرائيل. وإنَّ تفكك لبنان، فلن يحصل حزب الله إلا على السيطرة على بعض المناطق في دولة متحللة، حيث سيزداد في تلك المناطق التفكك الاجتماعي والفقر والتشرد. ومع ذلك، سيبقى وهم النصر مرفوعًا، بينما يتربع على أنقاض هذا المجتمع من يدّعون رفض الذل، في حين أن الواقع الفعلي يُظهر خلاف ذلك.
* نشرت بتاريخ 19 آذار 2026 على موقع المدن
