*فارس أشتي
صدر للدكتور زهير هواري نصٌّ جميل وبليغ ومؤثر بعنوان “أحكي وفي فمي تراب الكلام: سيرة حياة وسط الحروب” (بيروت: دار الفارابي، 2025)، وهو عمل يصعب تحديد صنفه الأدبي: هل هو سيرة ذاتية، وفيه بعض منها بصيغة شخصية وبالأسماء؟ إلّا أنه ليس كذلك من ناحيتين: التسلسل الزمني للسيرة، وهذا ما لم يلتزم به الكاتب، وكذلك في إيراد مجمل ما عاشه، وهذا ما لا يرد في النص، وأنا أعرف بعضه، ومنه المشاركة الفاعلة في تأسيس المجلس الثقافي الاجتماعي للبقاع الغربي وراشيا في بيروت إبان الاجتياح الإسرائيلي ومساهمته الفاعلة، نشاطًا وإدارة وثقافة، فيه حتى اليوم. أو هل هو رواية؟ ويوحي فصله الأول وفصله التاسع الأخير أننا أمام رواية متخيلة يضع الكاتب/ بطل الرواية نفسه في لحظة ما بعد الموت، فيحكي حواره مع ملكَي الموت اللذين يفترض به أن يعرض عليهما ما قام به في حياته. لكنهما يتساهلان معه بإتاحة الفرصة له ليكتب، فيكتب على هواه، ليقف في نهاية العرض أمام الله متسائلًا عن مصيره: نحو جهنم أو الجنة؟ وفي أي من المقرَّين سيكون منتهاه. لكنه ليس كذلك في الفصول الأخرى، فهو يروي سيرة مشبعة بالأسماء والأماكن والوقائع.
فإذا كان النص ليس سيرة ولا رواية، فماذا عساه أن يكون؟ إنه بوح شخصي لاختلاجات جيل يساري ولد في تراب الأرض وكابد مشاقها والتزم بها، ولم تغره “انتصاراته” ولم تثنه “هزائمه”، وبقي وفيًّا لتراب بلاده وقضاياها. إنها سيرة لنموذج من المناضلين عاش ما بعد الستينيات وهرم مع يساره في أيامنا هذه، وما زال من عرفه يكن له الاحترام، وما زال شباب اليوم يقولون حين يحكي “وين بعدو!”.
يتضمن النص/ السيرة تسعة فصول، يستعيد في الثاني، وعنوانه “في الطريق إلى النار”، لمحة موجزة عن سيرته الحزبية في منظمة العمل الشيوعي وتحولاتها مستذكرًا ثلاثة من راحليها الأشد علاقة به هم: محمد مروة، محسن إبراهيم، خالد غزال. وفي الفصل الثالث الموسوم بعنوان “الدروب الأهلية لجهنم” يستعيد تجربته، وهو في بداية العمل الصحافي، منذ لحظة 13 نيسان/ أبريل 1975 وما تلاها، أي المرحلة الأولى من الحرب الأهلية. وفي الفصل الرابع “حروبنا الصغيرة والكبيرة إذن”، يواصل رواية ما كابده في سكنه في حي ماضي بالضاحية الجنوبية، وتنقله بين المناطق، وتأزمه، وفي الاجتياح الإسرائيلي وخروجه إلى البقاع.
ويلمح في الفصل الخامس “الخلايا”، إلى تجربته الحزبية من حركة القوميين العرب إلى منظمة العمل الشيوعي. ويعطي لعمله الصحافي الفصل السادس “الصحافة والبحث عن الحقيقة” ليجمع في الفصل السابع “الاستشارية والجامعة والتعليم” أي عمله الاستشاري في لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني ودراسته وتدريسه في الجامعة، تعلمًا وتعليمًا. أما الفصل الثامن فيحمل عنوانًا هو “نشوء دون ارتقاء”، وصولًا إلى “النهاية” في الفصل التاسع.
وفيما يتجاوز الترتيب الذي اختاره لفصوله، وهو ترتيب غير تسلسلي، والمتداخل في كل فصوله بين الشخصي والعام، يمكن تتبع حياة شاب ريفي اختار النزوح إلى المدينة، أو اختير له ذلك، للترقي الاجتماعي. واختار هو ما رآه الأسلم لهذا الترقي بالنضال لرقي المجتمع وتقدمه وتحرره عبر العمل اليساري.
ويكشف النص البيئة المجتمعية للساعين إلى التحرر، فهو من المنصورة في البقاع الغربي، حيث الكدح الزراعي والكفاف مرتبط بالمطر، وهي في جوار نهر الليطاني، لا كهرباء ولا ماء، وأقرب مركز للخدمات هي زحلة. ومسلموها، كمسيحييها، لا يفرق بينهم غير وجود خوري وشيخ يدير كل منهما مدرسة وكنيسة وجامعًا، والتمايز بينهما لا محل له لأنه غير قائم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي لا تأبه لمغالاة المتزمتين، وهذه حال جيل من أبناء الريف نما بين صفوفه اليساريون.
وابن المنصورة، وقد تضع مكانها أي ضيعة أخرى في البقاع والجنوب والشمال والجبل، لم يطق ذووه عيش الكفاف واستحالة إكمال التعلم، فأدخله ذووه مدرسة الأزهر الدينية الداخلية في بيروت، لينجو أحد أولادها من سوء المصير، وكانت بيروت جديدة عليه بأبنيتها وشوارعها وبحرها وناسها، وكان حنينه للطبيعة زاخر الحضور. وأصرت العائلة على مواصلة تخصصه الجامعي في أزهر القاهرة وهو المتاح الوحيد، وقد يكون لابن ضيعة أخرى مدرسة شبيهة في العاملية والرهبانيات وغيرهما، وفي أضعف الأحوال التقدم لنيل شهادة الموحدة السورية أو التوجيهية المصرية. وكان مدخله إلى المدينة انتسابه إلى حركة القوميين العرب، وربما انتسب غيره إلى حزب البعث أو الشيوعي أو التقدمي الاشتراكي تبعًا لعلاقة ما، وقد أصبحت مع الترانزسستور قرابة مع جمال عبد الناصر ومصر الناصرية.
لا تتيح شهادة زهير له وظيفة رسمية، ولا تتيح زعامات منطقته وظيفة خاصة، وتتيح إرادة الترقي بذل المستحيل فكان الخيار اليساري، بتلاوينه الاشتراكية والقومية، علّ انتصار هذا الخيار يرقي المجتمع ويترقى به ومعه. لكن إلى أن ينتصر هذا الخيار “بدنا نعيش”، فقد بلغنا الشباب ولم تعد زوادة الأهل تكفي، فكان التفتيش عن عمل يقيم الأود، معلم في مدرسة مجانية أو أهلية أو مطبعة أو مطعم أو صحيفة زاد سوقها، فأتاحت لزهير العمل، وساعدته ثقافته الحزبية ومتابعته السياسية.
انخرط زهير هواري في الحرب ليكتشف بعد حين بشاعة تحولها إلى حرب طائفية وتجاوزها حدود لبنانيتها إلى لعبة دولية، أحبطته وجيله الحالم، لكنه ظل متمسكًا ببراءة الحلم وأخلاقية التأسيس. وكان مع آخرين في اليسار غير مأخوذ بانتصار إسرائيل وانتصار الإمبريالية وانتصار الطائفية، فلم يتخلَّ عن خياراته، واختار الجرأة في نقد تجربته ورفاقه وأبناء جيله الحالمين. وعبر عن ذلك في خاتمة الكتاب وهو يتخيل نفسه أمام الله في لحظة الحساب بالقول: “حاولنا عبر مسارات دامية وعصية أن نفعل شيئًا يعدّل في طبيعة الأشياء. وكان علينا في كل خطوة نخطوها، أن ندفع الثمن مضاعفًا دمًا وعرقًا وأثقالًا من الوجع والألم. أجيال “تشلعت” على الطرق المجهولة، قبائل وشعوبًا وهي تتلمس الطريق للخروج من حياة المفازة”.
*أستاذ جامعي لبناني. والنص نُشر في العربي الجديد يوم 13 آذار / مارس 2026
