صحف وآراء مجتمع

لبنان 2026.. ملحمة الإنسان والمكان في مواجهة “إبادة الذاكرة”

  الدكتور سعيد عيسى*

في قلب هذه الأرض التي اعتادت أن تلملم جراحها قبل أن تجف، يبرز اليوم مشهد تراجيدي يعيد صياغة العلاقة الأزلية بين الإنسان والمكان في لبنان، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد حيز مكاني للعيش، بل تحولت إلى شاهد حي على تمزق الهوية والوجود تحت وطأة آلة الحرب التي لا ترحم. إن ما يشهده لبنان في هذا المنعطف التاريخي من عام 2026 يتجاوز حدود الصراع العسكري التقليدي، ليمس جوهر الرابطة التي تجمع اللبناني ببيته، وقريته، وزيتونه، وهي رابطة صهرتها عقود من الصمود والنزوح المتكرر، حتى بات المكان جزءاً من التكوين النفسي للإنسان، وبات ضياعه يعني ضياعاً للذات.

تبدأ الحكاية من تلك القرى الجنوبية التي كانت حتى الأمس القريب تضج بالحياة، حيث كانت البيوت الحجرية القديمة تحكي قصص الأجداد، واليوم تقف صامتة أو محطمة تحت سماء ملبدة بدخان الغارات. فالمكان هنا ليس مجرد جدران وسقوف، بل هو مخزن للذاكرة الجماعية، وكل حجر يسقط هو فصل من تاريخ شخصي وعام يمحى من الوجود. إن الإنسان في هذه القرى لا يرى في بيته مجرد مأوى، بل يراه امتداداً لجسده؛ فالسقف الذي يحميه هو السقف الذي ولد تحته آباؤه، والأرض التي يزرعها هي الأرض التي دفن فيها أجداده، ولذلك فإن فعل التدمير الذي تمارسه الحرب اليوم هو في الحقيقة فعل “اغتيال للمكان” بكل ما يحمله من دلالات رمزية وروحية.

تتجلى مأساة الإنسان في هذه الحرب من خلال تلك اللحظة القاسية التي يضطر فيها إلى حزم حياته كلها في حقيبة واحدة، أو في صندوق سيارة متهالكة، ليغادر مكاناً لم يتخيل يوماً أنه سيفارقه بهذا الشكل المفاجئ والعنيف. إن مشهد النزوح المليوني الذي يشهده لبنان اليوم ليس مجرد انتقال جغرافي من الجنوب والبقاع نحو الشمال أو العاصمة، بل هو اقتلاع قسري للروح من تربتها، حيث يترك الإنسان خلفه مفتاح بيته الذي قد لا يفتحه ثانية، ويترك حديقته التي سقاها بعرقه، ليجد نفسه في العراء، أو في مراكز إيواء تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.

في هذه اللحظات، يصبح المكان “ذاكرة” يبحث عنها الإنسان في وجوه الغرباء، ويصبح الإنسان “لاجئاً” في وطنه، يبحث عن مكان يشبه مكانه الضائع، فلا يجد إلا صدى الانفجارات التي تلاحقه أينما ذهب. هذا النزوح يحمل في طياته شعوراً عميقاً بالهزيمة الشخصية، ليس أمام العدو فحسب، بل أمام القدر الذي يصر على تكرار مآسي الماضي. فكل جيل لبناني يبدو محكوماً عليه بأن يعيش تجربة الفقد والرحيل، وكأن المكان في لبنان هو “وعد” لا يتحقق أبداً بالاستقرار الكامل.

إن ما يسمى بـ “كتيب قواعد غزة” الذي يُطبق اليوم في لبنان، من خلال أوامر الإخلاء الجماعية والتحذيرات التي تشمل قرى بأكملها، يهدف في جوهره إلى كسر هذه العلاقة بين الإنسان ومكانه، وتحويل الأرض إلى مساحة محروقة لا تصلح للحياة. عندما يُطلب من مئات الآلاف مغادرة بيوتهم في غضون دقائق، فإن الهدف ليس عسكرياً فحسب، بل هو تدمير البنية النفسية للمجتمع، وجعل فكرة “العودة” تبدو مستحيلة أو بعيدة المنال.

المكان هنا يتعرض لعملية “إبادة مكانية” ممنهجة، حيث تُمحى معالم القرى، وتُسوى الأحياء بالأرض، ليس فقط للقضاء على الخصم، بل لمحو الأثر الإنساني الذي يعطي للأرض معناها وقيمتها. ومع ذلك، يبرز الإنسان اللبناني في هذه المحنة ككائن عصي على الانكسار، حيث يرفض البعض مغادرة بيوتهم رغم القصف، مفضلين الموت في أمكنتهم على العيش في غربة النزوح، في تجسيد أسمى لمعنى الالتصاق بالأرض، حيث يصبح الموت في المكان فعلاً من أفعال السيادة والحرية.

في بيروت وضواحيها، يتخذ الصراع شكلاً آخر، حيث يتحول المكان الحضري إلى ساحة للرعب اليومي، وتصبح الشوارع التي كانت تنبض بالثقافة والفن مسارات للهروب والبحث عن الأمان. الإنسان في المدينة يعيش حالة من الاغتراب داخل مكانه المألوف، فالمباني التي كانت تمثل الاستقرار أصبحت أهدافاً محتملة، والليل الذي كان للراحة صار وقتاً لترقب الموت القادم من الجو.

هذه الحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تدمر “الألفة” مع المكان، وتزرع الخوف في الزوايا التي كانت يوماً ملاذاً. إن العلاقة بين الإنسان والمكان في لبنان اليوم هي علاقة صراع من أجل البقاء، حيث يحاول الإنسان الحفاظ على هويته من خلال التمسك بذكرى المكان، بينما يحاول العدو تحويله إلى كائن بلا جذور، يتنقل في فضاءات غريبة عنه، مسكوناً بالحنين إلى أرض لم تعد تشبه نفسها.

المدينة التي كانت تفتح ذراعيها للجميع، تبدو اليوم منقبضة على نفسها، وشوارعها التي كانت تعج بالحياة باتت مسكونة بصمت القلق وترقب المجهول.

وعندما نتأمل في حال النازحين الذين افترشوا الساحات العامة والمدارس، ندرك أن “المكان البديل” لا يمكن أن يعوض “المكان الأصل”، مهما توفرت فيه سبل الراحة. فالإنسان الذي اعتاد رؤية الجبل من نافذته، يجد نفسه اليوم محاصراً بجدران إسمنتية باردة في مدرسة مكتظة، حيث تضيع الخصوصية، وتذوب الفردية في بحر من المعاناة الجماعية.

هنا، يتحول المكان إلى “سجن” اختياري للنجاة، وتتحول الأيام إلى انتظار طويل لخبر قد يأتي أو لا يأتي عن حال البيت الذي تُرِك في الجنوب أو البقاع أو الضاحية. هذا الانتظار هو بحد ذاته نوع من أنواع التعذيب النفسي، حيث يعيش الإنسان في حالة من “اللا-مكان”، فلا هو في بيته، ولا هو مستقر في مكانه الجديد، بل هو معلق في برزخ من القلق الوجودي الذي ينهش روحه يوماً بعد يوم.

إن تدمير المعالم الثقافية والتاريخية في هذه الحرب يضيف بعداً آخر لمأساة المكان، فالمواقع الأثرية والبيوت التراثية التي صمدت لقرون، تجد نفسها اليوم عرضة للاندثار في لحظة. هذا التدمير ليس مجرد خسارة مادية، بل هو بتر لجزء من الذاكرة الإنسانية العالمية، ومحاولة لتجريد الإنسان اللبناني من عمقه التاريخي.

عندما يسقط بيت تراثي في البقاع أو قلعة أثرية في الجنوب، فإن ما يسقط هو “الزمن” المتجسد في المكان، ويصبح الإنسان بلا مرجعية بصرية تربطه بماضيه. الحرب هنا تعمل كممحاة عملاقة تحاول جعل الحاضر هو الزمن الوحيد الممكن، وهو حاضر مشوه بالدم والدمار، مما يجعل المستقبل يبدو كأنه فراغ موحش لا ملامح له.

ومع ذلك، يظل هناك خيط رفيع من الأمل يربط الإنسان بمكانه، وهو خيط “الإرادة” التي تتجلى في قصص العودة الفردية والمغامرة بالحياة من أجل تفقد الأنقاض. نرى أناساً يعودون إلى قراهم تحت القصف فقط ليشموا رائحة ترابهم، أو ليطمئنوا على شجرة زيتون قديمة، في مشهد يختصر كل معاني الوفاء للمكان.

هذه الأفعال الصغيرة هي في جوهرها أفعال مقاومة ثقافية ووجودية، تؤكد أن الحرب مهما بلغت قوتها، لا يمكنها أن تقتلع المكان من قلب الإنسان. إن العلاقة بين اللبناني وأرضه هي علاقة “عشق صوفي”، حيث يرى في المكان تجلياً للذات الإلهية وللجمال المطلق، ولذلك فإن الدفاع عن المكان هو دفاع عن الجمال في وجه القبح، وعن الحياة في وجه العدم.

في نهاية الأمر، يظل الإنسان هو المكان الحقيقي. فالمباني قد تُهدم والقرى قد تُحرق، لكن الذاكرة التي يحملها اللبناني لمكانه تظل هي الحصن الأخير. إن هذه الحرب، رغم قسوتها ودمارها، تعيد التأكيد على أن المكان في لبنان ليس مجرد عقار أو مساحة جغرافية، بل هو كينونة وجودية.

إن الإنسان الذي فقد بيته اليوم هو نفسه الذي سيعود غداً ليبنيه مجدداً، مدفوعاً بتلك الرابطة الغامضة والمقدسة التي تجعله يرى في تراب وطنه امتداداً لجسده وروحه.

إن مصير لبنان اليوم معلق بين مطرقة الحرب وسندان النزوح، لكن الإنسان والمكان يظلان في حالة عناق أبدي، يرفضان الاستسلام للعدم، ويصيغان معاً ملحمة جديدة من ملاحم البقاء في وجه الإبادة والنسيان. إن الأرض التي ارتوت بدماء أبنائها ودموع أمهاتها، لا يمكن إلا أن تنبت من جديد، فالإنسان اللبناني قد يرحل جسداً، لكن روحه تظل تحوم فوق أطلال بيته، بانتظار تلك اللحظة التي يعود فيها الحجر ليعانق الحجر، وتعود الحياة لتدب في عروق المكان الذي أبى أن يموت.

 *  نشرت بتاريخ 14 آذار على موقع بوليتيكا