صحف وآراء مجتمع

الجنوب وأهله متروكون لوحدهم في فم التنين الاسرائيلي والعجز المزدوج

محمد قدوح

بيروت 11 آذار 2026 ـ بيروت الحرية

كان مشهد بداية  النزوح تعبيرا عن خوف جماعي، نتيجة تراكم الصدمات التي تعرض لها الجنوبيون خلال الحروب المتتالية، ورؤيتهم منازلهم وقراهم تمحى مرارا وتكرارا، فاستيقظ الرعب  المختزن داخلهم، حين بدأ القصف مقرونا مع الانذار الاسرائيلي بالإخلاء العاجل. معاناة النازحين بدأت منذ لحظة مغادرة منازلهم وهم ينظرون إلى الوراء، بينما تراودهم اسئلة كثيرة من دون جواب حول ما ينتظرهم في واقع تهجيرهم، وعن مستقبلهم  فيما لو ظلوا  على قيد الحياة. ليس بعيدا عن قراهم بدأ ازدحام السير. ازدحام كان يزداد تعقيدا كلما  اقتربوا من مدينة صيدا. لم يروا في ترحالهم شرطيا واحدا يقوم بواجبه في تنظيم السير. واقتصر الامر على مبادرات محلية في كل من الغازية وصيدا.

استغرقت رحلة النزوح اكثر من 24 ساعة. وبعدها بدأ النازحون يتوزعون بين العاصمة والمناطق. قسم منهم توجه نحو المناطق مزودين بخبرتهم من التجارب السابقة المماثلة، وعلاقاتهم الشخصية التي اقاموها خلالها. وهم في الغالب من المقتدرين ماديا، فاستأجروا منازل للإقامة فيها. قسم ثان كان قد تحسب لهذه اللحظة واستأجر منزلا لعائلته في العاصمة ومحيطها. وقسم ثالث احتضنه الأهل والأقارب. أما القسم الرابع والأخير فقد توجه إلى مراكز النزوح في العاصمة والمناطق. ومن لم يتيسر له أماكن فيها افترش جوانب الطرقات والساحات العامة.

النازحون وشؤونهم الاجتماعية

قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية إن عدد النازحين الموجودين في مراكز الإيواء بلغ حوالي 90000 ألف نازح. وارتفع العدد لاحقا إلى 117000  نازح . أما العدد الاجمالي فهو غير معروف حاليا. لكنها اشارت إلى أن عدد النازحين المسجلين على المنصة بلغ حوالي454000 نازح. كما اشارت إلى أن الهئية العليا للاغاثة ليس لديها سوى 20000 فرشة و66000 حرام، علما أن  الدولة سبق وتبلغت معلومات تفيد عن حرب محتملة قبل فترة غير قصيرة. ورغم ذلك لم تعمل على تأمين وتخزين ما يكفي من التجهيزات والمواد الغذائية للاستجابة الفورية لحاجات النازحين. ولم يكن وضع المنظمات الدولية افضل حالا من وضع الدولة، فهى الاخرى لا تملك المال اللازم للتدخل الفوري. وقد طلبت من الصليب الأحمر الدولي مساعدتها على تأمين المواد الاغاثية لحين تدبير التمويل اللازم من المانحين. معنى ذلك أنه لن تتوافر المساعدات إلا بعد اسابيع على بدء العدوان الاسرائيلي. وما هو متوافر حاليا يقتصر على مبادرات فردية، ومن عدد من الجمعيات الاهلية التي تقوم بجمع التبرعات من اللبنانيين المقيمين والمغتربين لتأمين بعضا الحاجات الملحة للنازحين.

الخلاصة على هذا الصعيد، وبالرغم من ضجيج اجتماعات هيئة الكوارث، أن لا وجود لاستراتيجية وطنية للتعامل مع النزوح، والتي تفترض اشراك المجتمع المحلي والبلديات والمنظمات الدولية والجيش ايضا بصفته غطاءً مطمئنا للنازحين. ومع هذا الغياب يواجه النازحون مصيرهم لوحدهم في ظل موجة من الغلاء الفاحش الذي يطال بدلات الايجار التي تضاعفت عدة مرات بين عشية وضحاها. والمحروقات وحدها مثلا ارتفعت اسعارها في غضون يوم واحد ما بين 90000 ل و240000 ليرة. وكذلك ارتفاع اسعارباقي المواد الغذائية وكل مستلزمات العيش، ما يجعل النازحين عرضة للبرد والجوع و المرض، وهو أمر لا يطالهم وحدهم وإنما يطال كل اللبنانيين الذين باتوا عند حدود خط الفقر و دونه.

 مواطنون بلا حماية و لا رعاية

لا شك أن المطلوب في هذه اللحظة السياسية الحرجة والخطرة أن تعمل الدولة على استعادة سيادتها و قرارها، يدعمها في هذا التوجه غالبية اللبنانين. لكنها يجب ألا تكتفي في تحميل حزب الله مسؤولية اشعال الحرب دون أن يحسب حسابا لمصير الأهالي، وإنما يجب عليها ان تشعر المواطنين بحضورها بينهم، ودورها في في تأمين الحد الأدنى من الحماية والرعاية لهم. قد يتفهم المواطن الجنوبي قرار مجلس الوزراء المتعلق بإعادة تموضع وحدات الجيش اللبناني وانسحابها من القرى الحدودية الأمامية، نظرا لفقدانها الوسائل القتالية اللازمة للدفاع عن نفسها وأرضها، وربما كان الاجدى والأهم بالنسبة لها أن تطلب منه البقاء حيث امكن مع الصامدين في ارضهم لمنحهم بعض الحماية والطمأنينة اقله على المستوى المعنوي.

مؤسف مخز ألا تؤمن وزارة الداخلية فصيلة من قوى الأمن الداخلي لتنظيم السير يوم النزوح الطويل. مؤسف ومخز ألا يجد النازح في مراكز الأيواء فرشا واغطية ليرتاح بعد قضاء يوم ماراثوني طويل عالقا في السيارات. وألا يجد مكانا في هذه المراكز ويضطر لافتراش جوانب الطرقات والساحات العامة. مؤسف أيضا ألا تقوم الدولة بمختلف اجهزتها بدورها للحد من ارتفاع بدلات ايجار الشقق السكنية، ومراقبة اسعار جميع المواد والسلع الغذائية والأساسية.

مؤسف جدا أن تقتصر جهود الدولة لإستعادة سلطتها على استنزاف ما تبقى من قيمة أجور ومدخرات اللبنانيين من خلال زيادة الضرائب المباشرة، فيما لا تزال تتردد حتى الآن في استعادة قرارها وحقوقها الضريبية من اصحاب المصارف والتجار وشاغلي الأملاك البحرية والنهرية واصحاب المقالع و الكسارات وأمثالهم.

الجنوبيون باتوا يدركون أن السلاح لم يحمهم ولن يحمهم في المستقبل. لكنهم لم يشعروا بعد بحماية الدولة حتى الآن على الاقل. فلا يمكن أن يطلب منهم فك الارتباط بالطائفة وسلاح حزبها باشكالياته الداخلية وأدواره الاقليمية، فيما العدو الاسرائيلي يواصل القصف والقتل والتدمير. بينما الطوائف الاخرى تتقوقع على نفسها، وتشهر في وجههم ما يزيد عن الحذر الذي قد يكون مبرر أحيانا، والمترافق مع مشاعر متناقضة مثل التضامن والتكافل، ومحاولات السيطرة والعداء والشماتة احيانا أخرى.

لطالما كانت قرى الجنوب عصية على الاحتلال، ويُعرف اهلها في تاريخهم حديثا وقديما، بتمسكهم بأرضهم رغم القصف والموت والدمار، لكن السؤال اليوم هو هل التمسك بالارض وحده كاف لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي؟

لا يمكن لأحد أن يطلب من الجنوبيين الصمود وهم عالقون منذ فترة طويلة بين مطرقة الاحتلال وسندان سلاح ثبت مرة ومرات أنه لا يستطيع أن يكفل الهدوء من خلال تحقيق توازن الرعب الذ ي يدعيه، أو أن يقوم بحمايتهم في قراهم وبلداتهم ومدنهم، ودولة بدورها عاجزة عن توفير الحد المطلوب من شروط بقائهم في بيوتهم ورعاية أوضاعهم.

التاريخ علمنا أن الاحتلال لا يحتاج  إلى ترسانة الاسلحة فقط لاحتلال الارض، إنه يحتاج أيضا إلى ارض فارغة وإرادة مكسورة. الجنوب لم يُفرغ بعد من جميع سكانه، رغم القتل و الدمار وأهله هم على استعداد للعودة، فيما لو توافر لهم  الحد الادنى من الضمانات التي لا تستطيع سوى الدولة تقديمها. التجارب السابقة تؤكد ذلك، حتى  في ظل استمرار شراسة العدوانية الاسرائيلية. لذلك من المؤسف ألا يكون للدولة  موقف من افراغ الجنوب من أهله، يُترجم بوضع خطة وطنية لصمود من بقى في ارضه، والعمل على  إعادة من يمكن اعادته من النازحين إلى منازلهم وقراهم. خطة تكون عامودها الفقري مؤسسات الدولة  لاشاعة الاطمئنان لديهم وثقتهم بها عبر توفير الخدمات الاساسية للصمود . لقد سبق وأن عبر الجنوبيون عن احتضانهم للجيش، و لكل رموز الدولة. المهم الآن ودوما أن تكون الدولة جاهزة لاحتضانهم ورعايتهم وهو اضعف الإيمان، لا أن تتركهم لقمة سائغة في فم التنين الاسرائيلي. تستطيع الدولة أن تثير ما يجري من تدمير اسرائيلي في الجنوب والبقاع والضاحية في المحافل الدولية ومن خلال سفاراتها المنتشرة في دول العالم . وهو ما لا يتطلب الكثير من الجهد. وكل هذا يشكل المدماك الاول في استعادة وحدة تراب الوطن واعادة بناء الدولة وانتزاع سيادتها وقرارها من المتطاولين عليها في الداخل والأعداء في الخارج.