صحف وآراء مجتمع

إنها حرب أهلية أيضاً

* يوسف بزي

في لحظة كتابة هذه المقالة، نشرت صحيفة موالية لحزب الله بياناً باسم “الضباط الوطنيين” في الجيش اللبناني، فحواه التلويح بالتمرد ضد السلطة السياسية إن حدث صدام مع حزب الله، أو في حال اتخذت هذه السلطة قرارات عسكرية وميدانية لا تناسب الحزب. بمعنى آخر، هناك تهديد بانقسام الجيش اللبناني، يفضي على الأرجح -إن حدث- إلى انهيار الحكومة وسقوط الدولة، عدا عن انفراط المؤسسة العسكرية ذاتها.

وتسمية أولئك الضباط أنفسهم “الوطنيون”، تعني أن سائر الضباط الآخرين غير وطنيين، أي خونة وعملاء. وهذه ليست مبالغة طالما أن صفة “صهيوني” أُلصقت برئيس الحكومة نفسه، وبسياسيين لبنانيين كثر، بل ويقال على نحو اعتيادي “يهود الداخل” كصفة لجماعات ومكونات وأحزاب برمتها.

أما ما يحفظ “وحدة الجيش” وبقاء الحكومة، حسب أولئك “الوطنيين”، فهو استمرار الدولة ونظامها السياسي على الحال القديمة: العجز والصمت وتسليم المصير والقرار لمشيئة حزب الله وحده. وكذلك، بقاء صيغة “الأمن بالتراضي” التي يعرفها اللبنانيون، وتعني أن الدولة أشبه بشرطة البلدية، فيما الحزب يمسك بقرار الحرب والسياسة الخارجية والأمن الداخلي والقضاء.. إلخ.

وحال الجيش اللبناني الذي يتعرض لامتحان قاس إزاء حرب تدميرية لا يستطيع (ولا يريد أصلاً) خوضها مع إسرائيل، ويعجز عن كبح حزب الله أو يتردد في تنفيذ مطالب السلطة السياسية، ويتلقى “قصفاً” متواصلاً من الضغوط الدولية التي تطالبه بنزع السلاح غير الشرعي وبسط سيطرته على كل الاراضي اللبنانية، من غير اعتبار لمخاطر الاشتباك مع أهل السلاح… هي عينها حال سائر اللبنانيين الذين لا يوافقون على زج لبنان في حرب إيران، ولا يؤخذ برأيهم.

والانقسام الظاهر بشدة هذه الأيام، لم يخفت يوماً منذ نحو عقدين. إذ يعتقد الشطر الأغلب من اللبنانيين أن ديمومة النزاع المسلح مع إسرائيل الذي يواظب عليه حزب الله، إنما هي علة لإدامة غلبة الحزب وسيطرته على مصير البلد، رغماً عن سائر اللبنايين وإرادتهم المخالفة له. وهو من أجل ذلك، يهدد معارضيه بحرب أهلية كلما حاولوا الخروج عن هيمنته.

وبديهياً، يأخذ الانقسام اللبناني طابعاً طائفياً مخيفاً. فالشيعة الذين يوالون سياسة حزب الله وقرارات قيادته، كاصطفاف “اضطراري” بوجه الطوائف الأخرى (المسيحيون، السنّة، الدروز)، التي (وفق غريزة الحرب الأهلية) تتحين الفرصة للانقضاض على الحزب وبيئته. بل ويذهب الشطط إلى حد الاعتقاد السائد اليوم أن الطوائف الأخرى ترغب من إسرائيل الفتك بالطائفة المنكوبة.

وهذا، للأسف، ليس مبالغة. إذ أن الضغائن المتراكمة منذ العام 2005 ضد حزب الله و”الشيعية السياسية”، جرفت الطوائف والجماعات السياسية إلى حد اشتهاء هزيمة الحزب على يد إسرائيل.

في خضم هذه “الحرب الأهلية الباردة” (أو الفاترة)، تعمد إسرائيل منذ “حرب الإسناد” إلى استهداف الحزب وبيئته حصراً، وتحييد الجغرافيات الطائفية الأخرى، تعميقاً للانقسام، وتغذية للغضب والنقمة المتبادلين بين اللبنانيين، بما يعزز من احتمال اندلاع حرب أهلية تامة. وهذا للمفارقة ما يستسهل حزب الله التلويح به!

والمفزع في هذه الحرب الجارية، أن الانقسام اللبناني بات مكشوفاً وعلنياً وحاداً أكثر من أي وقت مضى. فهذه هي المرة الأولى، التي يشعر فيها النازحون أنهم غير مرحب بهم، على عكس ما حدث في العام 2024، حين عوّل اللبنانيون على احتضان النازحين الشيعة، تشجيعاً لهم على الانفكاك عن حزب الله.

على أي حال، سمة الحرب الأهلية “المضمرة” تلازم أيضاً الحال الإيرانية. إذ قبيل بدء الهجوم الأميركي- الإسرائيلي على إيران، كان قوات “الباسيج” و”البسدران” تقتل الآلاف في شوارع المدن الإيرانية، في آخر سلسلة الانتفاضات الشعبية المعارضة لسلطة ولي الفقيه. وحسب تقارير وشرائط مصورة، أظهر إيرانيون فرحاً عارماً باغتيال المرشد علي خامنئي، فيما أظهر إيرانيون آخرون حزناً شديداً وتفجعاً بمقتله. وقد عوّل كل من نتنياهو وترامب على هذا الانقسام وحرّضا الإيرانيين على انتفاضة جديدة، وكان رد “الحرس الثوري” تهديد مواطنيهم بإطلاق النار فوراً على كل يخرج للتظاهر أو الاحتجاج.

ومن المعروف أيضاً، أن بعضاً من “شرعية” النظام الإيراني، مستمدة من ديمومة حال الحرب والنزاع المسلح مع “الشيطانين”، أميركا وإسرائيل.

وما يقال في أحوال لبنان وإيران يسري على دول قريبة، تزدهر فيها “أحزاب الله”.

* نشرت بتاريخ 12 آذار 2026 على موقع المدن