صحف وآراء مجتمع

أسباب ومقدمات حالات الطلاق الزوجي: تداخل الاقتصادي والاجتماعي والقانوني

ليلى مروة

بعلبك 11 آب 2025 ـ بيروت الحرية

لا أقدّم بحثا علميا ، كذلك لا أدّعي أنني باحثة اجتماعية، أنا اليوم أنقل خلاصة تجربة لقاءاتي مع كثير من النساء اللواتي التقيت بهنّ على مدى عقود طويلة  كنسوية، وكذلك منهنّ من التقيت خلال سفراتي  للمشاركة في مؤتمرات في بعض  الدول العربية، الأمر الذي فتح أمامي مجالا واسعا للتلاقي مع مطلقات (لأسباب محتلفة)..

أقول المطلقات، لأنني أرغب في الحديث كتابيا عن هذا الموضوع الذي صار منتشرا بشكل غير مطمئن، وبشكل لا يوحي بأن مؤسسة الزواج في مجتمعنا العربي عموما وفي لبنان خصوصا، ما تزال مؤسسة متماسكة تضرب جذرها في عقول ووعي ووجدان المتزوجين، إذ إن نسبة الطلاق في لبنان قد وصلت الى 34% عام ٢٠٢٢، وبعض الاحصاءات تشير الى نسبة ٢٧،٦%، ما يضع لبنان في المرتبة السادسة في الدول العربية، وهذا يعكس تحولا كبيرا في المواقف المجتمعية تجاه الزواج والانفصال.

لا شكّ أن اسباب الطلاق عديدة، ولا يمكن حصرها في حديث، بل تحتاج إلى دراسات.  وكل دراسة لها مجالها، فهناك العامل الاقتصادي، ارتفاع تكاليف المعيشة، تحرر المرأة، الضغوط النفسية، الزواج المبكر، العنف الأسري، الإدمان، بطالة الرجال، عدم التكافؤ المهني والاجتماعي والتعليمي بين الزوجين،  الفرق العُمري أن كان كبيرا بين الزوجين، وضغوطات الأهل…واللائحة بأسباب الطلاق تزيد لتصل الى الخيانة الزوجية او تعدد الزوجات  أوخلافات جنسية وغيرها…

اللافت للنظر أنني لم أقع على أي دراسة تربوية وعلمية في هذا الصدد (ضمن حدود اطلاعي طبعا)، وهذا الموضوع إشكالي و يحتاج اهتماما من كل الباحثين لأن الطلاق يتكاثر كنسبة، فمن خلال قراءاتي لبعض المقالات المتناثرة في صفحات الانترنت وتحديدا لمقال منشور في موقع بنت جبيل بتاريخ 13_9_2024، تبين من خلال حديثٍ للباحث في النشرة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لموقع سكاي نيوز أن لبنان سجل خلال عام ٢٠٢٤ ما مجموعه ٨٥٤١ حالة طلاق مقارنة بعام ٢٠٢٠ الذي سجل فيه ٦٧٩٣ حالة طلاق، وهذين رقمين غير قليلَيْن ومؤشراتهما خطرة…

وانا شخصيا من خلال خبرتي وعملي النسوي، تبين لي أن واحدا من أهم اسباب الطلاق هو الوضع الاقتصادي المتدهور، وتراجع قيمة الرواتب فضلا عن ارتفاع غلاء المعيشة، هذا يشكل ضغطا كبيرا على العلاقات الزوجية ويساهم في نشوب خلافات كثيرة بين الزوجين، فالزوج العامل صار من الصعب عليه تأمين كل مستلزمات الأسرة من تعليم وطبابة ومصاريف حياة يومية في ظل ارتفاع جنوني لاسعار السلع، ولا يمكن أن ألغي في حديثي “البطالة” التي يعاني منها شبابنا، هذا الأمر يمتد ليشمل المتزوحين ويسبب ضغطا نفسيا واجتماعيا على الرجل بسبب الثقافة المجتمعية السائدة التي تجعل منه مسؤولا عن تلبية احتياحات المنزل المادية وربط الرجولة بالإنفاق، هذا كله يفاقم الخلافات في الحياة الزوجية والأسرية ما يدفع بعض المتزوجين للطلاق كحلّ أخير لهذه المشكلات..

وعندنا ظاهرة منتشرة في مجتمعنا اللبناني للأسف (لن أعمّم لكنها موجودة) أن بعض ذوي الدخل المحدود ينافسون في إنفاقهم المقتدرين، يريدون أن يعيشوا حياة باذخة وأن يفرطوا في الصرف ما يضع بعض الأسر اقتصاديا على حافة الانهيار..

اطرح سببا آخر هو زيادة وعي المرأة وتحرّرها، وتزايد استقلاليتها الاقتصادية والاجتماعية، فتحرر المرأة قد يرتبط بشكل غير مباشر ببعض حالات الطلاق، اليوم وفي ظل هذا التقدم الواضح في حياتنا المعاصرة لم تعد المرأة تقبل بدور ينحصر ضمن جدران البيت، فتحقيق الذات من خلال النجاح الدراسي، والنجاح المهني وكسب راتب ٍ عالٍ هو من أولويات المرأة المعاصرة، وأن عمر الزواج عندها اختلف وصار متأخرا وإن كنا ما نزال نشهد حالات زواج مبكر.

وإن وعي المرأة لحقوقها الكاملة وقدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط الاجتماعية التي كانت تحدّ من خياراتها أيضا ساهم في اتخاذ قرار عند الكثير من النساء بعدم الاستمرار بزيجات هنّ غير راضيات عنها.

المرأة اليوم تسعى إلى أن تكون مصدر دخل في أسرتها، فهي لا تريد أن تضطر للبقاء باعتمادية كاملة على الزوج، طبعا هذا الوعي يساهم في زواج صحي وخيار أوعى وشراكة أكثر استقرارا، والى تقاسم الشراكة بين الزوجين لبناء زواج ناضج، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يؤيد كل الرجال هذا الأمر؟ هل تتغلب عليهم عقليتهم الذكورية؟..

اذ إن كثيرا من المطلقات اخبرنني أن ازواجهنّ لم يكونوا يرغبون باستقلاليتهن، ويعتبرها البعض تهديدا لدوره ضمن البيت ولاستمرارية الشراكة بينهما.

طبعا سأذكر اسبابا أخرى بقدر ما يتسع لي مجال الكلام، إذ من الصعب أن احيط بشكل شامل بأسباب الطلاق، بعض العينيات التي قابلتها من النسوة المطلقات، تحدثن عن عدم التوافق في الرؤى والأهداف من الزواج مع شركائهم، إذ اتضح أن ليس كل شريكين يدخلان في مشروع زواج وهما متفقان على الهدف منه، البعض ذكر انه تزوج بتطلعات عاطفية عالية، ظنا منه او منها أن الزواج حالة رومانسية دائمة فخابت التوقعات بتغير الأفكار والسلوك والمشاعر، منهم من دخل بالزواج لإتمام نصف دينه دون أن يفقه ما المقصود بهذه العبارة، الغير تزوج لأن عليه أن يتزوج بسبب ضغط الاهل والمجتمع، ولأن الزواج وسيلة للتكاثر والانجاب، البعض تزوج وهو يحمل قيما تتعارض وقيم الزواج، مثلا النجاح المهني أولا تليه الأسرة هذا الموضوع خطر جدا ولا شك بانه لا يضع عند الأطراف الطموحة الزواج كأولوية، كذلك من المتزوجين من اختلف مع شريكته بسبب رؤية كل منهما لطريقة التربية الموجهة للأطفال، هذا كله يؤدي الى عدم الرضا بين الزوحين والوصول الى الطلاق…

أذكر سببا اخيرا لكنه عندي الأول وهو العنف الأسري الذي يشكل عائقا اساسياً في ديمومة الحياة الزوجية، يتعلق يالقانون اللبناني الذي يفتقر الى قانون موحد للأحوال الشخصية، ممّا يعقّد على النساء حصولهنّ على الطلاق، فالعنف سواء كان لفظيا او جسديا او نفسيا او جنسيا يؤثر سلبا في أفكار وسلوكيات ومشاعر الطرف المعنف (المراة)، فالعنف قاتل صامت يفتك بروح المرأة ويجعل الاسرة بيئة غير صحية وغير آمنة لحياة المرأة وأطفالها، ويؤدي إلى الكثير من الاضطرابات النفسية والاكتئاب والقلق.

هذه جملة من الاسباب المتعددة والكثيرة التي تؤدي الى الطلاق، وقرار الانفصال له أثر بالغ وعميق عند كل الأطراف في الأسرة، فهو نهاية صلاحية ميثاق مقدّس، وضرب لهيكيلية مؤسسة الزواج.

هنا يأتي دور التوعية ونشر الثقافة الزوجية والحياة القائمة على المشاركة بين الزوجين، والتي تحتاج دورا كبيرا من وسائل الإعلام ومن الجمعيات، وكذلك المؤسسات التربوية التي لا تدرس شيئا عن الزواج، إذ ليس كل الافراد أهلا ليتحملوا مسؤولية حياة طويلة قائمة على المشاركة في كل التفاصيل. فالحياة الزوجية ليست سهلة، ولها نصيب وفير من التعقيدات التي تزداد يوميا بفعل ما آلت إليه التغييرات المجتمعية، ولا بد من ضمان لحقوق جميع الاطراف خصوصا الأطفال، اذ لا طلاق دون عواقب اجتماعية، نفسية،اقتصادية ناجمة عنه.