* د. شربل داغر
هذا ما جرى في “فندق أفريقا”، في مدينة تونس، صباح أحد الأيام الربيعية، قبل سنوات قليلة، مع الرفيق والمغني أحمد قعبور : التقينا صدفةً في فطور الصباح، من دون أن ندرك مسبقًا وجودنا معًا في الفندق عينه، وفي الأيام ذاتها : هو في نشاط متصل بعروض “مسرح الدمى”، وأنا في مهرجان “قرطاج الشعري” في دورته الأولى. تحادثنا في غير أمر وأمر، وأنا أعرف قعبور وأخاه محمد، عبر سعد محيو، منذ بدايات الحرب، عدا أن بيته القريب من “المركز” سهَّل علينا اللقاء غير مرة؛ وفي إحداها أسمعني أغنيته التي ستطلق مسيرته الغنائية : “أناديكم”…
من جملة ما حدثني به، في طرف جملة : مسرحيتي معه.
مسرحيتي ! أي مسرحية ؟!
هذا ما أخفيتُه عن أحمد، لأنني اعتبرتُ أنني لم أفهم المقصود من كلامه عن مسرحية. لكنني حدَّقتُ فيه مليًّا، واستعدتُ النقاش معه، وتحققتُ من أنه يتحدث عن مسرحيتي… من دون علمي، وهي مسرحيتي معه في سنة الحرب الثانية. استعدتُ النقاش، من دون أن نتقدم كثيرًا في استحضار تلك المسرحية التائهة في الذاكرة.
تائهة، لأنني وجدتُها في تلك الصبيحة. وجدتُها تتقدم أمام ناظري من دون هيئات أو حركات مزيدة.
بلى، لي مسرحية، أجريتُ تمارينها معه، في جانب من ثانوية “رأس النبع”. وكان له دور أساس فيها، مع غيره، من دون معلومات مزيدة. تأكدتُ من وجودها، من دون أن أتعقبها.
لم أَجِدْها في محفوظاتي، عندما سعيتُ في البحث عنها في “أوراقي” القديمة بعد عودتي من تونس. لم أجد أي أثر لها، إلى جانب مسرحيتي الأخرى: “الدعوى”.
هكذا مضيتُ – عند كتابة هذا الكتاب – أفتشُ عنها في ذاكرة قعبور، وفي ذاكرة الممثل يوسف شامل (ابن الممثل محمد شامل)، الذي أدى بدوره دورًا فيها، وتدربَ معنا في “البروفات”. شاهدان موثوقان عمَّا يعود لي، وأتذكر نتفًا متطايرة منه. أسعفني الحوار مع قعبور، في بيروت، ومع يوسف، في السويد، في استعادة بعض ما تناولتْه المسرحية.
لم يفارقني المسرح أثناء الدراسة في الكلية. أقدمتُ على حضور مسرحيات في بيروت: في “مسرح بيروت” (في عين المريسة)، أو في المسرح التابع لمهرجانات بعلبك (في القنطاري)، أكثر مما اشتريتُ كتبًا شعرية. بل كتبتُ مسرحيتين في سنة 1976، في أيام الحرب، على ما تحققتُ.
اكتملَ، في النقاش، مع قعبور وشامل، جانبٌ من الممثلين، فقد أدى المسرحي حسن ضاهر (وكان حزبيًّا في “المنظمة”، وجارًا في “المركز”) دورًا ثالثًا في المسرحية. ثم تمكنتُ، مع قعبور وشامل، من استعادة بعض “فكرة” المسرحية، من دون نصها: كانت تتحدث عن ثلاثة من الشهداء يعودون إلى الحياة، إلى المجتمع، من جديد، مطالبِين بالحياة. ثم عملنا على التحقق من هوية الشهداء الثلاثة، وهم : يوسف العطار، الذي سقط في 11 تشرين الأول-أكتوبر من سنة 1972، في إضراب معامل غندور، ونعيم درويش (من حبوش) وحسن حايك (من كفرتبنيت) اللذان سقطا في تظاهرة مزارعي التبغ في النبطية في 24 كانون الثاني- يناير من سنة 1973. وتذكر قعبور بداية المسرحية :
“أنا يوسف العطار من شعث البقاعية طالع من القبر… بدِّي إرجع للحياة…
أنا ما طلبتْ كون شهيد… أنا بحب الحياة…
أنا ما بدي كون شهيد… أنا بدي عيش”.
فكرة العائد من القبر دينية، مسيحية، مع : أليعازر تحديدًا. لكنها تحولتْ (على ما أتحقق) إلى فكرة سياسية خالصة: ترفض الموت، حتى لقضية نبيلة، وتنادي بالحياة.
الظريف، في تجربتي الكتابية، هو أن العائد من الموت ظهر في نص، في مجموعة: “القصيدة لمن يشتهيها”، بعنوان : “رجع أدراجه” (2010). تتناول القصيدة، في بناء سردي، موضوع أحد “الانتحاريين”، ممن فجَّروا جسدهم بزنار ناسف، الذي يعود من قبره إلى الحياة : يعود ليتفقد ما “صَنَعُوه”، باسمه، بصورته، بسيرته… فيرى مَن يتقدمون التعازي مِمَّن لم يعرفهم، فيما يجد صبية تنثر الورود على قبره، فيما كان لا يبالي بها في حياته :
“لم يبقَ لي غير أن أمضي إلى المشرحة لكي أتعرف إلى وجهي.
لم يبقَ لي غير أن أسترق النظر إلى جنازتي إذ يُعِدُّونها.
(…).
ليس له ماضٍ،
له صورة ختامية.
لا يعرفه أهلُه،
يصل كما لو أنه غيره
(…).
دخلَ إلى القاعة عينها التي خرجَ منها،
وجدَهم يَعتنون به – بصورته
حتى إنهم ما لحظوا وجوده بينهم (…).
جلسَ فوق ذكرى أنه جلس إلى هذا الكرسي. لكنه لم يجد في جيبه الداخلي ورقةً لكي يدوِّن ما كان يسمعه منهم عنه: لم يبقَ غير أن يمضي إليهم لكي يدرك أخباره .(…)
كاد أن يبكي معهم،
لولا أنه كان يمشي بالمعكوس :
كان يراهم بينما يبتعد عنهم،
كانوا يتجهون صوبه بينما كان يبتعد عنهم (…).
لا يصل صوتي إلى أحد،
يتلوى فقط مثل راقص متقاعد،
لا يصفق له أحد
غير أصابع الهواء وغصون المقاعد.
يسعني الآن، قبول التعزية معهم، فلا أحدَ منهم يتعرف إلى وجهي”.
لعلها مسرحية تَبحث عن اسمها، عن نصها، فيما وجدتْ الكاتب والمخرج وثلاثة ممثلين فيها.
لعلها مسرحية تائهة. تاهت، لكنها وجدتْ نفسها، من تلقاء نفسها، من دون عِلم كاتبها، إذ انقطع عن كتابة المسرحية… الصريحة، من دون أن ينقطع عن المسرح.
أكنتُ، في المسرحية، أطلبُ، بدوري، العودة إلى الحياة ؟
* من كتابي : “الخروج إلى الشارع”، دار المتوسط، ميلانو، 2023، ص 228-232.
* نشرت على صفحة الفايسبوك الخاصة بتاريخ 28 آذار 2026
