*نغم ربيع
في النبطية، لا يبدأ المشهد من الغارة. يبدأ من الفراغ. من الطرقات التي كانت تعرف أسماء المارة، ومن الأرصفة التي تحفظ وقع الخطوات، ومن المحال التي اعتادت أن تفتح أبوابها قبل شروق الشمس بقليل. فجأة، صار كلّ ذلك صامتاً. كأن المدينة نفسها قررت أن تحبس أنفاسها وتنتظر مصيرها.
خلال جولة ميدانية قامت بها “المدن” في مدينة النبطية، الواقعة جنوب نهر الزهراني، كان الصمت أثقل من المعتاد. ليس صمت الظهيرة، ولا صمت يوم عطلة. صمت من نوع آخر. صمت المدن التي غادرها أهلها على عجل، وتركوا خلفهم فناجين القهوة على الطاولات، والمفاتيح في الأدراج، والأبواب نصف المغلقة.
لحظة انتظار
على امتداد الطريق، آثار القصف تظهر مثل علامات طريق جديد للمدينة. مع كل حيّ مررنا به، مبان متصدّعة. سيارات مركونة منذ أيام في أماكنها، كأن أصحابها خرجوا لساعة ولم يعودوا بعد.
قبل أيام قليلة فقط من تجدد الحرب، كانت “المدن” هنا أيضاً (راجع المدن). كانت الشوارع تضج بالحياة. الحركة التجارية لا تهدأ. الناس يتدافعون في الأسواق. الباعة ينادون. والمقاهي ممتلئة.
اليوم، لا أحد.
المدينة التي اعتادت صخب الأسواق وحركة الناس، بدت كأنها توقفت فجأة عند لحظة انتظار ثقيلة، كأن الزمن نفسه تعثّر عند مدخلها ولم يكمل طريقه.
مدينة بلا ناس
في النبطية اليوم، لا ترى سوى الدمار. كلاب شاردة تتجوّل بثقة الغرباء. قطط تبحث عن بقايا حياة بين الأرصفة. وأصوات صواريخ لا تعرف أين ستقع. في بعض الشوارع، كان يمكن سماع الريح فقط. وفي شوارع أخرى، كان يمكن سماع الخوف نفسه. ليس خوف الناس فقط. خوف المدينة أيضاً.
الاحتلال الإسرائيلي، من خلال حجم الدمار الذي يخلّفه والقصف المتواصل، لا يضرب أهدافاً عسكرية فحسب، بل يضرب كل المعالم التي تجعل من المدينة مدينة: الأسواق، الطرقات، المراكز الخدماتية، العادات اليومية، الإيقاع الذي يربط القرى ببعضها. ومع أوامر الإخلاء المتكررة، تتحول مناطق واسعة من الجنوب تدريجياً إلى مدن أشباح. النبطية واحدة منها الآن. مدينة تُفرَّغ ببطء. مدينة تُسحب من نفسها.
مدينة تُفرَّغ
تتعرض النبطية ومحيطها منذ أيام لموجات متتالية من الغارات الجوية الإسرائيلية، ترافقت مع تهديدات مباشرة وجّهتها تل أبيب إلى سكان مناطق واسعة في الجنوب، مطالبةً إياهم بالمغادرة. في مدينة تُعدّ حاضرة جبل عامل وخامسة أكبر مدن لبنان، لم تصادف “المدن” خلال جولتها سوى رجل واحد. رجل واحد فقط جاء من صيدا لتفقّد محله الملاصق لمحطة “أمانة”، التي استهدفها صاروخ إسرائيلي. فتح الباب، نظر إلى الداخل، ثم وقف أمامنا وقال: “نزحنا إلى صيدا. القليل من الأضرار… لكن الحمدلله، ربك سلّمها”.
قالها بسرعة، ولم يقل شيئاً بعدها. كأن الاطمئنان نفسه صار فعلاً مؤقتاً. كأن الجملة ليست للاطمئنان، بل لتقليل الخوف فقط. ثم عاد إلى صيدا. وبقيت المدينة فارغة.
عصب الجنوب الذي يتوقف
النبطية ليست مدينة عادية في الجنوب، هي عاصمة يومية لعشرات القرى المحيطة. مركز اقتصادي واجتماعي وثقافي. داخلها يقيم نحو 120 ألف نسمة، ويرتفع العدد إلى ما يقارب 150 ألفاً مع القرى التي تعتمد عليها كمركز تجاري وخدماتي رئيسي. حين تتوقف النبطية، لا تتوقف مدينة واحدة فقط، بل تتوقف شبكة حياة كاملة.
على مستوى محافظة النبطية، التي يُقدّر عدد سكانها بنحو 400 ألف نسمة، شهدت المنطقة موجة نزوح واسعة بعد أوامر الإخلاء التي وجّهها الجيش الإسرائيلي لمئات آلاف السكان في جنوب لبنان. هنا، لا تُقصف المدن فقط.
استهداف المسعفين أيضاً
حتى المسعفون ليسوا خارج بنك الاستهداف الإسرائيلي. خلال وجود “المدن” في المدينة، دوّى صوت ضربة قريبة. صوت من النوع الذي لا يحتاج تفسيراً. بعد دقائق فقط، تبيّن أن الاستهداف طال مسعفين من “إسعاف النبطية”: علي جابر وجود سليمان، على بعد أمتار قليلة من المكان الذي كنا فيه.
وصلت سيارة الإسعاف إلى الموقع. كان رئيس فريق المسعفين من بين الذين حضروا. لم يكن يعرف بعد. اقترب. نظر. ثم اكتشف أن المستهدف هو ابنه جود.
انهار الأب. وفي لحظة واحدة، سقطت المسافة بين المهنة والأبوة. بين النداء اللاسلكي وصوت الاسم. بين الواجب والبيت.
هكذا يعمل المسعفون هنا. يهرعون إلى المكان المستهدف بغارة لإسعاف الجرحى وهم يعرفون أن الطريق نفسها قد تكون كميناً، وأن سيارة الإسعاف قد تتحول هدفاً، وأن البلاغ قد يكون عن أحد زملائهم.
*نشرت في المدن الالكترونية يوم الخميس 2026/03/26
