زهير هواري
بيروت 24 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية
لا فتح ولا حركة حماس في وارد اطلاق مراجعة نقدية جريئة تفتح القضية الفلسطينية على المقبل من الأيام، وتعبد الطريق لمراجعة واحدة من أخطر المراحل التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ أن حط المشروع الاستيطاني رحاله على أرض فلسطين. ولعل الدليل الأبرز على غياب مثل هذا التوجه الذي ينطلق من خطورة المرحلة، ما آلت إليه عملية انعقاد المؤتمر الثامن لفتح الذي انعقد في رام الله، وانتخابات حماس رئيسا لها، بعدما يشبه الفراغ التنظيمي الذي عرفته منذ العام 2024 عندما جرى اغتيال كل من اسماعيل هنيه في طهران ويحي السنوار في قطاع غزة.
والواضح أن المسارين لجهة المأزق المستحكم يتقاربان لجهة فقدان البوصلة التي تحدد خط السير لكليهما، وبالتالي للشعب الفلسطيني، الذي يعاني الأمرين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية. ناهيك عن ظروفه في دول الشتات، حيث يعاني من غياب الرؤية الوطنية الجامعة التي تتولى الخوض في نقاش جدي ذي موضوع، يصب في طاحونة البحث عن أجوبة على الأسئلة المعلقة التي يطرحها عليهما الواقع المزري والمتهاوي الذي تندفع نحوه القضية، بينما يتضاعف “تغوَّل” المشروع الاستيطاني تدميرا لما بقي على قيد الحياة في قطاع غزة ومخيماته، أو في الضفة الغربية حيث ترتفع وتيرة “خنق” المواطنين الفلسطينيين بفعل اعتداءات المستوطنين على حياة الأهالي ومقومات عيشهم، وتمدد المستوطنات القائمة والتي تتضاعف عددا وتأثيرا وتوسعا مع المشاريع التي تلتهم المزيد مما يسمى أراضي السلطة الفلسطينية، والتي تتم أيضا تحت شعار إلغاء ما ورد في اتفاق اوسلو من مناطق وخرائط. وهو موضوع كان نتنياهو قد أكد عليه مرة ومرات. ضمن هدف محدد قوامه التخلص مما تبقى من القيود التي جرى وضعها منذ عهدي اسحاق رابين وياسر عرفات. والسؤال الآن كيف سارت الأمور بين كلا التنظيمين، وهما كما هو معروف العمود الفقري للفصائل الفلسطينية؟
مؤتمر فتح وملابساته
من مراجعة التعليقات التي ادلى بها فتحاويون في رام الله وغيرها، يتضح أن ما انتهى إليه
المؤتمر ليس اكثر من “بقاء القديم على قدمه” لجهة القيادة، مع تطعيمها بعدد من الأعضاء
الجدد في كل من اللجنة المركزية للحركة والمجلس الثوري. وما يدفع لعدم التفاؤل من مثل هذه النتيجة أن هذه التوليفة التي جمعت بين فتحاويين مخضرمين وفتحويين مستجدين على المواقع القيادية، لم يترافق مع نقاش عميق في العلاقات البينية مع سائر الفصائل والظرف الراهن الذي تجتازه القضية في مختلف الساحات. وهو نقاش لا بد له من أن يفتح على تشكيل رؤية متجددة لحال الصراع وأشكاله وأطره ومؤسساته والعلاقات التي يجب اعتمادها لايجاد متنفس من حال اليأس التي يتخبط بها الشعب الفلسطيني، والتي تجعل من جغرافية الموقعين المستهدفين في الضفة والقطاع فاقدين للشرايين الحيوية التي تضخ الدماء لهما. صحيح أن فتح قامت بتجديد بنيتها في مؤتمرها الثامن هذا، لكنه التجديد الذي لم يخرج عن الترسيمات التقليدية التي طالما اعتمدتها منظمة التحرير خلال السنوات السابقة، والتي تقوم في جوانب أساسية منها على مبدأ المراهنة على التحرك الدبلوماسي، ومعها تطورات ايجابية ثبت أنها لا تأتي من تلقاء نفسها، بينما الفعلي أن ما يجري هو مزيد من الغرق في الرمال المتحركة التي غاصت وتغوص فيها المنطقة حتى”الرُكَب”،والتي تنعكس بالطبع على القضية الفلسطينية باعتبارها”عقب أخيل”. فالهيمنة الاميركية تزداد استحكاما بداءا من بحر العرب حتى شرقي وغربي البحر المتوسط مرورا بالسودان وليبيا ولبنان وغيرهم من ساحات ملتهبة. والمؤكد أن هذه القضية تحصد زرع مثل هذا الوضع البائس دون أن تطرح على نفسها وعلى الشعب الفلسطيني الأسئلة التي يتوجب طرحها في مثل هذا الوضع والتي تتمحور عند محاولة الجواب
على سؤال “ما العمل”. بالطبع لا يمكن وصم مناضلي فتح من أي رعيل كانوا عدم ادراكهم مدى خطورة الوضع، لكن الجواب عنه لا يمكن أن يكون تنظيميا عبر الأطر الفئوية الحالية، أي من الداخل الذاتي، بل لا بد وأن يكون من صنع الشعب الفلسطيني الذي طالما عبر استعداداته الكفاحية اخترق الحصار الذي فرض عليه مرة ومرات أميركيا واسرائيليا وعربيا.
اشكاليات الكيان الاسرائيلي
ما يفرض ضرورة هذا التوجه أن اسرائيل تتجه نحو مواجهة اشكالياتها السياسية والنظرية والحكومية من خلال حسم الصراع الانتخابي عبر الدعوة إلى انتخابات مبكرة لأعضاء الكنيست. أي أن نتنياهو واليمين المتطرف معه يتجهان معا نحو الإفادة من لحظة الهجوم الاميركي لإثبات جدارة امساكه بالسلطة واسقاط الابتزاز الذي يمثله الوضع القضائي الإشكالي لرئيس الوزراء. خصوصا وأن نتنياهو درج على تقديم نفسه كمؤسس متجدد لاسرائيل بما يتجاوز الآباء المؤسسين أمثال بن غوريون وأشكول وغولدا مائير وغيرهم. وقد حقق ذلك عبر المناطق السورية المنزوعة السلاح في جبل الشيخ والجولان، وزيادة رقعة احتلال المستوطنات في غزة
(62%) وفي المناطق المدمرة في جنوب لبنان ( أكثر من 5 % من مساحة البلاد مدمر كليا) . وبالعودة إلى ممارسة منظمة التحرير نجد أنها خلال السنوات المنصرمة كانت تراهن على مستجدات سياسية لا تتحقق. ومن الممكن أن تعود لمثل هذه السياسة الانتظارية بينما الزحف الاسرائيلي يتابع سيطرته الأمنية والإدارية على الضفة الغربية، إلى الحد الذي يمكن معه القول إن الهامش الضيق الذي كانت تمارسه السلطة عبر جهازها البيروقراطي الأمني والمالي بات أكثر ضيقا من ذي قبل ، خصوصا وأن هجمة اليمين الصهيوني باتت من الحسم، ما لا يمكن معه الإكتفاء بالصمت، بعدما تجاوزت عمليات التوسع مخيمات الضفة والمناطق الرابطة بين أجزائها.
وما يحدث في عموم الضفة الغربية ولا سيما في غور نهر الاردن ينذر بالمزيد من سياسة الضغط وصولا إلى التهجير. وهو ما ما وصل إلى درجة أصبح فيها حتّى الدور البيروقراطي
للسلطة غائب. عربياً، ساهمت حرب الإبادة على في قطاع غزّة في تدويل مشكلة إدارة الأراضي المحتلّة، ليبدو هذا أكبر من قدرة السلطة على القيام به. ثم إن اميركا تجاهلت ما توصل إليه “مجلس السلام” للتفرغ لمجريات صراعها مع ايران في منطقة الخليج العربي.
حماس والمسألة الانتخابية
في المقابل تُمعن قيادات حركة حماس في الهروب إلى الامام من الالتفات نحو المخاطر الكبرى التي تواجهها قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية على أرضه. ولا يختلف الامر مع التحديات المطروحة على الحركة، والتي تبدأ بالتعامل مع نتائج معركة طوفان الاقصى التي افتتحتها في 7 تشرين الاول / اكتوبر عام 2023 وتصل إلى المنعطفات التي غاص فيها القطاع وهي مستمرة على غير انقطاع، وتلك التي شهدتها الضفة الغربية من خلال المجموعات التي حاولت حماس من خلالها أن توسع من اطار المعركة، فكان أن انتهت هي أيضا بتدمير العديد من مخيمات الضفة وتشريد سكانها والقضاء على هذه الخلايا. والمؤكد أن من بعض اهداف معركة الطوفان كان تحقيق المزيد من الزحف والاستيلاء على مواقع السلطة الفلسطينية بما يجعل من حماس هي البديل لها.
وبالعودة إلى ما تواجهه الحركة يمكن القول إن الاستحقاق الذي تواجهه الآن يضغط عليها معطوفا على عمليات التدمير التي تعرض لها في القطاع جغرافيا والحركة تنظيميا، وما يجري من تباينات بين الداخل والخارج الذي يتعرض بدوره لضغوط اميركية – اسرائيلية تطيح بحركتها على ساحتي تركيا وقطر، اللذين اعتمدتهما الحركة كمجال للتنفس ومتابعة سياستها. علما أن ارتباطها الأوثق كان مع ايران التي تعاني من تطويق وعزل وحصار اميركي. خصوصا وأن ليس في قاموس حماس الانفتاح على منظمة التحرير وقيادة السلطة ما يطرح سؤالا كبيرا عليها قوامه التالي : إذن لماذا جرى وعلى مدى سنوات افشال الاتفاقات التي تم التوصل إليها في القاهرة والجزائر والسعودية وتركيا وموسكو وحتى الصين، ومن يجب أن يدفع الثمن؟
على أي حال، أعلنت حركة حماس عن تأجيل اختيار رئيسها، ووعدت بانجاز ذلك في الجولة
الثانية. والحقيقة أن في الجولة الأولى لم يتمكن أي من المرشحين للمنصب من الحسم. ويتبين
من المعلومات المتداولة أن المنافسة التي انحصرت بين رئيسي “حماس” في غزة خليل الحية، والخارج خالد مشعل، تهدف إلى اكمال أحدهما الفترة المتبقية من عمل المكتب السياسي الحالي للدورة الممتدة من 2021 وحتى 2025. وتهدف الحركة من خلال العملية الانتخابية إلى سد الشواغر في المواقع القيادية. وأبرزها، موقع رئيس الحركة، واستكمال ما تبقى من الدورة القيادية الحالية، المتبقي من عمرها عدّة أشهر. وقد تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للدورة الثانية على التوالي، وبقي في رئاسة الحركة حتى اغتياله في طهران بتاريخ 31 يوليو/ تموز 2024 ، ثم خلفه يحيى السنوار، رئيس الحركة في غزة، حتى استشهاده في اشتباك في مدينة رفح جنوبي القطاع في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وجرى قبلا اغتيال صالح العاروري في لبنان. وبعد ذلك، تولى مجلس قيادي مكون من 5 أعضاء، قيادة الحركة، ضم كلاً من الحية، ومشعل، إلى جانب رئيس الحركة في الضفة الغربية زاهر جبارين، وأمين سر الحركة نزار عوض الله، ورئيس مجلس الشورى العام محمد درويش، الذي تولى رئاسة المجلس القيادي.
على كل حال من الواضح أن كلا من فتح وحماس مستمران في التخبط والغرق في أوضاعهما التنظيمية الخاصة سواء تحت عنوان ترتيب الوضع القيادي لحركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، أو البحث عن رئيس يسد الفراغ القيادي الحاصل لدى حماس.
أما الاشكالية القائمة والمستمرة، فهي مصير الشعب الفلسطيني ومستقبل وجوده وحقوقه من خلال أداء لا يغامر به وبمقدراته ووجوده ويفتح كوة في جدار الوضع.
