* نزار مرتضى
تُهزم الامم حين يتوقف أبناؤها عن اعتبار أنفسهم مسؤولين عما يفعلون وعن مساءلة ما يطلب منهم أن يؤمنوا به.
في سجل التحولات الكبرى التي لا تُكتب دفعة واحدة بل تتسلل إلى وعي المجتمعات على هيئة تفاصيل صغيرة تبدو الحكايات الفردية أحيانًا أكثر قدرة من كتب التاريخ على كشف ما جرى في الأعماق. فالتغييرات الكبرى لا تبدأ في بيانات الأحزاب ولا في خطابات أولي الأمر. إنها تبدأ في اللغة التي يستعملها الناس وفي العدو الذي يختارونه وفي السؤال الذي يتوقفون عن طرحه.
في الثالث والعشرين من أيار عام 2000 كانت المواطنة اللبنانية رتيبة تؤدي عملها المعتاد في مدينة نهاريا حيث كانت تعمل في أعمال النظافة داخل أحد فنادق المدينة. ووفقًا لرواية السائق الذي كان يقل بعض العمال اللبنانيين فجر كل يوم إلى نهاريا ثم يعيدهم مساء إلى بيوتهم في القرية فقد استدعاها ضابط الخدمة المسؤول في أحد مراكز الشرطة الإسرائيلية وأبلغها بضرورة مغادرة عملها والاستعداد للعودة إلى لبنان.
تمتمت رتيبة ببعض الكلمات العبرية المتعثرة وكأنها تبحث عن تفسير يبدد ارتباك اللحظة.
ـ لماذا علي أن أترك عملي وأعود إلى لبنان.
أجابها الضابط ببرودة إدارية اعتادت عليها المؤسسات العسكرية.
ـ اليوم سينسحب الجيش الإسرائيلي نهائيًا من جنوب لبنان ولن يعود. عليك الإسراع في ترتيب أغراضك إن كنت تنوين العودة إلى وطنك. فالمعابر ستغلق خلال ساعات.
في مكان آخر من الحكاية وفي زمن يسبق هذا المشهد بأربعة وعشرين عامًا كان مصطفى يركض كي ينجو بحياته.
عام 1976 وبينما كان عائدًا من بنت جبيل إلى بلدته عيتا الشعب اعترضت طريقه إحدى الحواجز التابعة لما كان يعرف آنذاك بقوى الأمر الواقع. طلب عناصر الحاجز من سائق سيارة الأجرة تسليم مصطفى وإنزاله لإرساله إلى أحد مراكزهم القريبة. أدرك السائق وهو رجل من بلدة رميش ما يمكن أن ينتظر راكبه إن استجاب للأوامر فاختار طريقًا آخر ثم التفت إلى مصطفى قائلًا له ما يشبه وصية نجاة عاجلة.
ـ اركض واترك لقدميك مهمة إنقاذ حياتك.
لم يكن مصطفى يومها يهرب من جيش احتلال بل من أبناء زمن قرر أن يصنف الناس وفق انتماءاتهم وأفكارهم وأن يمنح نفسه حق تقرير من يحق له البقاء ومن عليه أن يختفي. وكان مصطفى قد خلع قبل ذلك ثوب رجل الدين وعمامته واختار أن يسلك طريقًا مختلفًا فانتمى إلى منظمة العمل الشيوعي قبل أن يغادر لاحقًا إلى أوروبا حيث التحق بكلية الهندسة المعمارية في إحدى جامعاتها. كان انتقاله بين هذه العوالم المختلفة أشبه بمحاولة دائمة للبحث عن معنى أوسع للحياة خارج الحدود الضيقة للهويات الجاهزة.
ثم دارت السنوات دورتها.
في الخامس والعشرين من أيار وبعد خمسة وعشرين عامًا من التهجير والغياب عاد مصطفى إلى قريته. خرج من المقبرة بعد زيارة طويلة لأضرحة والدته وأخيه الشهيد وابن أخيه الشهيد وعمه الشهيد وابن عمه الشهيد. سلسلة طويلة من الأسماء التي تحولت في جنوب لبنان إلى جزء من اللغة اليومية حتى بدا الموت نفسه وكأنه فرد إضافي من أفراد العائلة.
وبينما كان يهم بدخول منزل ابن أخته في ساحة البركة ملقيًا التحية على النسوة الجالسات قرب المدخل استوقفته رتيبة وسألته.
ـ من أنت.
ابتسم مصطفى ابتسامته التي كانت تسبق كلماته دائمًا وقال.
ـ أنا مصطفى ابن المرحوم الحاج محمود حسن سرور.
كانت رتيبة يومها تستعد لاستقبال وفد زائر إلى البلدة المحررة. مع مجموعة من النسوة كانت تقف في حسينية القرية ورايات المقاومة ترتفع فوق الأكتاف وتتمايل في الهواء احتفالًا بلحظة الانتصار.
لكنها ما إن عرفت هويته حتى بادرت بسؤال لم يكن سؤالًا بقدر ما كان إعلانًا عن تبدل الأزمنة.
ـ أنتم الشيوعيين ماذا بقي لكم هنا.
ثم رفعت صوتها بهتاف بدا وكأنه الجواب النهائي عن كل الأسئلة.
ـ يا الله يا الله احفظ لنا نصرالله.
ربما لا تكمن أهمية هذه الواقعة في كلمات رتيبة ذاتها بل فيما تكشفه من انتقال اجتماعي وسياسي عميق. من مجتمع كان يتسع لتعدد الهويات والانتماءات إلى مجتمع أخذ يختصر نفسه تدريجيًا في راية واحدة وصوت واحد ورواية واحدة.
وحين تبلغ الجماعات هذه المرحلة يبدأ تحول أكثر خطورة من التحول السياسي نفسه. يتراجع الفرد خطوة إلى الوراء ويتنازل عن مسؤوليته في التفكير والحكم والمساءلة ليسلمها إلى الجماعة. يصبح الانتماء مع الوقت بديلًا عن السؤال والهتاف بديلًا عن النقد واليقين الجمعي بديلًا عن الضمير الفردي.
وعندها لا يستقيل الإنسان من موقف سياسي فحسب بل قد يستقيل من حيث لا يدري من مهمة العقل ذاتها. فالأمم لا تُهزم فقط حين تُحتل أراضيها بل قد تُهزم أيضًا حين يتوقف أبناؤها عن اعتبار أنفسهم مسؤولين عما يفعلون وعن مساءلة ما يطلب منهم أن يؤمنوا به.
* صفحة الكاتب على الفايسبوك بتاريخ 23 أيار 2026
