زكي طه
بيروت 24 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية
في الخامس والعشرين من أيار عام 2000، لم يكن لبنان أمام حدث عادي في تاريخه الحديث، بل أمام محطة وطنية كبرى شكّلت لحظة نادرة من لحظات التلاقي بين التضحيات الشعبية والكفاح الوطني والإرادة الجماعية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. كان التحرير إنجازاً تاريخياً بكل ما للكلمة من معنى، لأنه تحقق للمرة الأولى في الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر إجبار جيش الاحتلال على الانسحاب دون قيد أو شرط، تحت ضغط المقاومة وتضحيات اللبنانيين.
إنكار هذه الحقيقة أو التقليل من شأنها أو التعامل معها بخفة سياسية وأخلاقية، لا يقل خطورة عن محاولات الاستثمار بها وتحويلها إلى أداة هيمنة داخلية. فالتحرير صفحة وطنية مجيدة، دفع ثمنها آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين والمقاومين من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والطائفية، من المقاومة الوطنية اللبنانية التي أطلقها كل من القائدين جورج حاوي ومحسن إبراهيم، إلى مختلف القوى الوطنية التي خاضت مواجهة طويلة مع الاحتلال قبل أن ينفرد حزب الله بقيادة العمل المقاوم تحت راية “المقاومة الإسلامية”.
لكن مأساة لبنان لم تبدأ من التحرير، بل من العجز عن تحويله إلى مشروع وطني جامع.
إنجاز وطني أصبح رافعة للانقسام الأهلي
كان يفترض بتحرير الجنوب أن يفتح الباب أمام إعادة بناء الوطنية اللبنانية على قاعدة الشراكة والسيادة والدولة المدنية العادلة. وكان يفترض أن يتحول الإنجاز إلى فرصة تاريخية لبناء دولة قادرة تستوعب المقاومة داخل مشروع وطني جامع، يحفظ حق الدفاع عن لبنان، ويمنع في الوقت نفسه تحويل السلاح إلى عنصر انقسام داخلي.
غير أن ما حدث كان العكس تماماً.
فبدلاً من بناء دولة ما بعد التحرير، دخل لبنان أكثر فأكثر في لعبة المحاور والصراعات الداخلية والاقليمية. وتحول سلاح المقاومة تدريجياً من عنصر قوة وطنية في مواجهة الاحتلال إلى عنصر تفجير للخلافات الطائفية والسياسية، وإلى رافعة للاستقواء الداخلي وتعديل موازين السلطة، وحاجز في وجه انتشار الجيش اللبناني في المنطقة المحررة، تحت شعارات المقاومة نفسها.
هكذا جرى ابتلاع إنجاز التحرير داخل الانقسام الأهلي اللبناني، وبات السلاح جزءاً من الصراع على النفوذ والسلطة، لا جزءاً من استراتيجية دفاع وطني متوافق عليها. وفي موازاة ذلك، استمرت التدخلات الخارجية في العبث بالساحة اللبنانية، من النظام السوري السابق الذي تعامل مع الانسحاب الإسرائيلي بوصفه مؤامرة وتهديداً لنفوذه، إلى المشروع الإيراني الذي رأى في لبنان ساحة متقدمة ضمن صراعه الإقليمي المفتوح.
لبنان رهينة المحاور الإقليمية
مع الوقت، لم يعد السؤال يتعلق فقط بمقاومة الاحتلال، بل بوظيفة السلاح ودوره الإقليمي. ومن هنا دخل لبنان تدريجياً في قلب محور إقليمي تقوده إيران، وسط تصاعد الصراع المذهبي في المنطقة، وتحول الدول العربية إلى ساحات مفتوحة للحروب والانقسامات.
في هذا السياق، جرى تعطيل أي إمكانية جدية لتحصين لبنان أو تحييده عن نيران الانفجارات الإقليمية. بل على العكس، تورط البلد أكثر فأكثر في صراعات الخارج، من الحرب السورية التي شارك فيها حزب الله دفاعاً عن نظام الاستبداد السابق، إلى الانخراط في ما سمي “حرب الإسناد” لغزة، التي لم تنتج دعماً فعلياً للقضية الفلسطينية بقدر ما فتحت الباب أمام إسرائيل لتوسيع حربها وتنفيذ تهديدات قادتها بتدمير لبنان وإعادته إلى العصر الحجري.
هنا تكمن إحدى أكثر المعضلات خطورة في التجربة اللبنانية المعاصرة: الخلط بين مقاومة الاحتلال وبين ربط مصير البلد بمشاريع إقليمية تتجاوز قدرته واحتماله وإمكاناته.
فالمقاومة التي صنعت التحرير تحولت، بفعل الحسابات الإقليمية والانقسامات الداخلية، إلى جزء من أزمة الكيان اللبناني نفسه، بدل أن تكون مدخلاً لإنقاذه.
الحرب المفتوحة والخطر الوجودي
الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان لم تكن مجرد رد فعل محدود أو عملية عسكرية عابرة. ما جرى ويجري يتجاوز ذلك بكثير. فإسرائيل وجدت في الانقسام اللبناني، وفي فائض القوة العسكرية خارج الدولة، فرصة تاريخية، لمحاولة فرض وقائع جديدة على لبنان والمنطقة، تحت راية السعي لإعادة تشكيلها في إطار ما يسمى مشروع “اسرائيل الكبرى”.
ومن هنا جاءت الوحشية غير المسبوقة للحرب: القتل الجماعي، التدمير المنهجي، استهداف البنية التحتية، تهجير السكان، وتوسيع دائرة الخراب لتشمل الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق اللبنانية.
ولم تتوقف الحرب فعلياً رغم اتفاقات وقف إطلاق النار المتكررة. فالعدو لا يزال يحتل مواقع حدودية، ويواصل استباحة الأجواء اللبنانية وتنفيذ الغارات والاغتيالات، فيما تحولت البلاد إلى مساحة مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي بذريعة استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة.
لكن الأخطر من ذلك، أن إسرائيل لا تتعامل مع الحرب بوصفها مواجهة أمنية فقط، بل بوصفها فرصة لإعادة تشكيل الواقع اللبناني نفسه: ديموغرافياً وسياسياً وأمنياً. ولذلك فإن تدمير القرى الحدودية وإفراغها من سكانها، ومحاولات الفرز السكاني والطائفي، ليست مجرد نتائج جانبية للحرب، بل جزء من مشروع عدواني طويل الأمد يستهدف وحدة لبنان وإمكان بقائه.
بين منطق الاستسلام ومنطق الإنكار
وسط هذه الكارثة، انقسم اللبنانيون مجدداً بين خطابين متقابلين كلاهما عاجز عن إنقاذ البلاد.
الأول يستسهل الدعوة إلى نزع السلاح بأي ثمن، ولو تحت الضغط الإسرائيلي والأميركي، من دون التوقف عند مخاطر الاستسلام الكامل أو الوقوع رهينة الأطماع الإسرائيلية المستمرة في لبنان.
أما الثاني، فيواصل خطاب الإنكار وادعاء الانتصار، رافضاً الاعتراف بحجم الكارثة الوطنية التي وقعت، وبأن استمرار المعادلات السابقة بات يهدد وجود البلد نفسه.
بين هذين المنطقين، يكاد يضيع لبنان.
فلا إسرائيل تريد سلاماً حقيقياً، ولا الولايات المتحدة تتعامل مع لبنان من زاوية حماية استقراره وسيادته، بل من زاوية إدخاله في منظومة الشروط الإقليمية الجديدة. وفي المقابل، لا يمكن للبنان أن يستمر رهينة سلاح خارج الدولة أو رهينة مشاريع المحاور، لأن النتيجة أثبتت أنها تفتح على مزيد من الانقسامات والحروب والانهيارات والعزلة.
النظام الطائفي أصل المأساة المستمرة
لكن الخطأ سيكون فادحاً إذا جرى اختزال أزمة لبنان بالسلاح وحده، لأن جذور الانهيار أعمق بكثير.
فالنظام الطائفي نفسه، القائم على المحاصصة والزبائنية وتقاسم النفوذ، أثبت مرة جديدة أنه عاجز عن بناء دولة أو إنتاج مفهوم موحد للمصلحة الوطنية. بل إن أحزاب الطوائف تعيش أساساً على تجديد الانقسامات والخوف المتبادل، لأنها تستمد شرعيتها من العصبيات لا من المواطنة. ولهذا السبب، بقي لبنان ساحة مفتوحة لكل التدخلات الخارجية. فالدولة الضعيفة والعاجزة والمفككة لا تستطيع حماية سيادتها، والطوائف المتنازعة تستقوي دائماً بالخارج على بعضها البعض.
ومن هنا فإن أي حديث عن استعادة السيادة أو بناء الاستقرار، يبقى ناقصاً إذا لم يقترن بمشروع وطني ديمقراطي يواجه البنية الطائفية نفسها، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة المدنية العادلة، دولة المواطنين لا دولة الجماعات والمذاهب.
كيف نستعيد التحرير والسيادة معاً؟
السؤال الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم لا يتعلق فقط بالسلاح أو بالحرب أو بالتفاوض مع إسرائيل، بل بالسؤال الأعمق: كيف نبني وطناً قابلاً للحياة؟ كيف نستعيد معنى التحرير بوصفه مشروعاً وطنياً لا مشروع هيمنة؟ كيف نحمي لبنان من العدوان الإسرائيلي ومن الانهيار الداخلي في آن واحد؟ كيف نمنع تحويل البلد إلى ساحة دائمة للحروب الإقليمية؟
والجواب لا يمكن أن يأتي من الخارج، ولا من انتظار التسويات الدولية، ولا من رهانات الطوائف المتصارعة. فالتجربة أثبتت أن الخارج يستخدم لبنان ولا ينقذه، وأن الطوائف تدير أزماته ولا تبني دولته.
لهذا فإن المهمة التاريخية المطروحة اليوم أمام القوى الديمقراطية والوطنية والعلمانية، وأمام الأكثرية الصامتة من اللبنانيين، هي إعادة بناء فكرة وطنية جامعة، ترفض الاستسلام لإسرائيل، كما ترفض في الوقت نفسه تحويل لبنان إلى منصة لمحاور الخارج.
فلبنان يحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني جديد:
مشروع يعيد الاعتبار للدولة والسيادة والقانون.
مشروع يربط المقاومة بالدولة لا بالطائفة.
مشروع يواجه العدوان الإسرائيلي دون الانجرار إلى حروب عبثية.
مشروع يحرر اللبنانيين من أسر الانقسامات المذهبية.
مشروع يعيد وصل لبنان بعمقه العربي الديمقراطي، لا بمحاور الهيمنة والاستبداد.
مشروع يفتح الباب أمام عدالة اجتماعية حقيقية، لأن الانهيار الاقتصادي ليس منفصلاً عن الانهيار السياسي والانقسام الطائفي.
عيد التحرير… مناسبة للمراجعة لا للمكابرة
إن الوفاء الحقيقي لعيد التحرير لا يكون بالمزايدات الخطابية ولا بالاحتفالات الفارغة، بل بإجراء مراجعة وطنية شجاعة للتجربة كلها: لإنجازاتها وأخطائها وكوارثها.
فالتحرير كان انتصاراً حقيقياً، لكن تحويله إلى أداة انقسام دمّر الكثير من معانيه.
والمقاومة كانت ضرورة وطنية في مواجهة الاحتلال، لكن استمرارها خارج مشروع وطني جامع أدخل البلد في مآزق خطيرة.
وإسرائيل تبقى عدواً عدوانياً توسعياً لا يمكن الوثوق به، لكن مواجهة أطماعها لا تكون بتدمير لبنان من الداخل، أو بإدامة الحروب المفتوحة على حساب شعبه.
لهذا، فإن إنقاذ لبنان يبدأ من الاعتراف بالحقيقة القائلة: لا بقاء للبلد من دون دولة، ولا دولة مع الطائفية، ولا سيادة مع الارتهان للخارج، ولا مقاومة فعلية من دون وحدة وطنية حقيقية.
في عيد التحرير، يبقى الأمل ممكناً… لكن فقط إذا امتلك اللبنانيون الشجاعة الكافية للخروج من دوامة الإنكار والكراهية والانقسام، والانتقال نحو بناء وطن يستحق الحياة.
