أصدر المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني البيان التالي نصه:
دخل لبنان مرحلة بالغة الخطورة في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل على الجنوب اللبناني، وما يرافقه من عمليات قتل وتهجير وتدمير ممنهج لمئات القرى والبلدات والمدن والمواقع التاريخية من بنت جبيل والخيام، إلى صور والنبطية وصولاً إلى احتلال قلعة الشقيف وقصف قرى قضاء صيدا وتهديد الضاحية الجنوبية لبيروت. في موازاة ذلك يواصل جيش العدو تدمير البنى التحتية والمقومات الاقتصادية والاجتماعية والتراثية للبلاد. إضافة إلى استمرار الاحتلال لأجزاء من الأراضي اللبنانية وتوسيع دائرة الاعتداءات والتهديدات الرامية إلى فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على لبنان وشعبه.
إن منظمة العمل اليساري ترى في ما يجري حلقة جديدة من المشروع الإسرائيلي التوسعي الهادف إلى إخضاع لبنان، وتقويض عناصر صموده، وفرض شروط سياسية وأمنية تمس سيادته واستقلاله الوطني وحق شعبه في تقرير مصيره بعيدا عن الارتهانات الخارجية. كما ترى أن هذا العدوان يجري في ظل الرعاية والدعم الأميركيين المتواصلين لإسرائيل، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الدبلوماسي، بما يجعل الإدارة الأميركية شريكاً كاملاً في التمهيد وتوفير الغطاء اللازم لاستمرار الاعتداءات والضغوط ومحاولات فرض الوقائع بالقوة.
وإذا كانت إسرائيل تتولى تنفيذ العدوان على الأرض، فإن المواقف والسياسات الأميركية المتعاقبة لم تكتفِ بحمايته من المساءلة الدولية، بل أسهمت في تحويل مسارات التفاوض والوساطات المختلفة إلى أدوات ضغط إضافية على لبنان، بما يخدم الأهداف والشروط الإسرائيلية أكثر ما يحول دون الوصول إلى حلول عادلة ومستقرة تحفظ حقوق اللبنانيين وسيادة دولتهم.
إننا ندين بأشد العبارات العدوان الاسرائيلي المستمر، ونؤكد حق لبنان المشروع في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه وشعبه وسيادته، بعيداً عن الارتهان لسياسات ومصالح الخارج. كما نؤكد تضامننا الكامل مع أهلنا في الجنوب وسائر المناطق المتضررة الذين يواجهون مجدداً سياسات التهجير والتدمير والاستهداف المنهجي لمقومات الحياة والاستقرار.
وفي الوقت نفسه، نعرب عن بالغ القلق إزاء حالة الصمت والعجز الذي يطبع مواقف قسم كبير من المجتمع الدولي، واستمرار ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العربية ومع حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان.
ففي الوقت الذي تجري فيه عمليات التدمير والتهجير أمام أنظار العالم، وتُرتكب انتهاكات موثقة للقانون الدولي ولقواعد حماية المدنيين خلال الحروب، يكتفي العديد من الأطراف الدولية بمواقف لفظية لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية، فيما تغيب الإجراءات الفعلية الكفيلة بوقف العدوان ومحاسبة مرتكبيه.
كما يثير الأسف استمرار حالة الضعف والتردد في الموقف العربي الرسمي، وعجزه عن بلورة سياسة موحدة وفاعلة للدفاع عن لبنان، وعن الحقوق العربية في مواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية والعدوانية.
إن خطورة المرحلة تفرض على اللبنانيين جميعاً، وعلى القوى السياسية والاجتماعية والنقابية والثقافية، الارتقاء إلى مستوى التحديات المطروحة، وتغليب منطق المسؤولية الوطنية على الحسابات الفئوية والانقسامات العقيمة.
لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن لبنان لا يستطيع مواجهة العدوان الإسرائيلي بدولة ضعيفة ومفككة وعاجزة، كما أثبتت أن استمرار الانقسام حول قضايا السيادة والدفاع الوطني والسلاح يجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط الخارجية وللاستغلال الإسرائيلي الدائم لمواطن الضعف الداخلية.
ومن هنا فإن المطلوب ليس تعميق الانقسام بين الدولة والمقاومة، ولا تحويل قضية السلاح إلى مادة إضافية للصراع الأهلي، بل فتح نقاش وطني مسؤول حول سبل الانتقال من واقع فرضته عقود المواجهة والحروب والاعتداءات، إلى واقع جديد تصبح فيه الدولة الوطنية القادرة هي المرجعية الوحيدة الجامعة لجميع اللبنانيين.
إن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم بمنطق الغلبة أو الإلغاء أو الاستقواء بالخارج، كما لا يمكن أن تقوم على تجاهل الوقائع التي نشأت خلال العقود الماضية ودور المقاومة في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
وفي ضوء المخاطر المتعاظمة التي يواجهها لبنان، تدعو منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني إلى :
- أوسع تضامن وطني مع أهلنا في الجنوب والمناطق المتضررة، وتأمين كل أشكال الدعم والإغاثة والصمود لهم.
- رفض كل محاولات فرض الإملاءات الإسرائيلية على لبنان تحت أي عنوان أو ذريعة.
- تحصين الوحدة الوطنية ومنع انزلاق البلاد نحو المزيد من الانقسام والتوتر الأهلي.
- إطلاق حوار وطني مسؤول حول مستقبل الدولة والدفاع الوطني والاستراتيجية الدفاعية.
- الشروع في اعتماد خطوات جدية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
- ربط معركة السيادة الوطنية مع معركة الإصلاح الديمقراطي والعدالة الاجتماعية والخروج من نظام المحاصصة والفساد.
إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وخطير. فإما أن يبقى أسير الانقسامات والأزمات التي راكمها في الماضي، وإما أن يفتح الطريق أمام مشروع وطني جديد يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والديمقراطية والعدالة والسيادة.
إن مسؤولية اللحظة الراهنة تقتضي من جميع القوى السياسية والاجتماعية، ومن المسؤولين في مواقعهم كافة، الارتقاء إلى مستوى التحديات التي يواجهها الوطن والشعب، والعمل من أجل إنقاذ لبنان قبل فوات الأوان.
بيروت الاول من حزيران 2026
المكتب التنفيذي لمنظمة العمل
اليساري الديمقراطي العلماني
