الدكتور بول طبر
كتاب “مراجعات نقدية حول الإشتراكية وأزمة الرأسمالية” ينطلق من فكرة أساسية ترفض التعاطي مع أي نظرية، ومن ضمنها بالطبع كتابات ماركس والماركسيين، بصفتها الكلمة الفصل والكلمة النهائية في تحليلنا وفهمنا للمجتمع. وعلى هذا الأساس يدعونا الكاتب محسن ابراهيم، الأمين العام السابق لمنظمة العمل الشيوعي، لقراءة الماركسية وتجارب بناء الإشتراكية تحت رايتها على ضوء ما آلت إليه هذه التجارب من نتائج، وما أفرزته المجتمعات من وقائع، منها ما أثبت خطأ بعض من جوانب هذه النظرية، ومنها ما جاء ليؤكد صحة جوانب أخرى. والأساس في هذه المقاربة النقدية لنصوص الكتاب هو الإبتعاد عن المنهج العقائدي الذي يحاكم الواقع وتجاربه بالإستناد إلى النظرية وأحكامها الثابتة والأزلية.
وبموجب هذه المقاربة المنهجية، يجري محسن ابراهيم قراءته النقدية أولاً لمفهوم الحتمية التاريخية في نظرية ماركس حول تطور المجتمع والنزعة القدرية الملازمة لها. وثانياً، لاعتبار هذه النظرية أن المسار التاريخي لتطور المجتمعات هو مسار غائي في ذاته، ذلك أن هذا الإعتبار يحمل في طياته مُثُل ومعايير تنتمي بالتعريف إلى فضاء الخيارات الإنسانية، وليس إلى قوانين موضوعية – ميكانيكية تتحكم بحركة التاريخ. والأهم في هذا السياق هو أن الكاتب ينسب هذا القصور في النظرية الماركسية إلى مفهوم الجدلية لدى هيغل، بالرغم من أن ماركس قد جعل الجدل الهيغلي يمشي على قدميه. وهنا نلاحظ أن محسن ابراهيم قد نبّه القاريء إلى أن وظيفة الجدل الهيغلي لم تتبدل على يد ماركس على الرغم من تنسيبه إياها إلى حقيقة تطور قوى الإنتاج، بدلاً من إلحاقها بحركة الوعي المجرد. ويعود كل ذلك أساساً إلى استحالة فصل الفعل البشري عن حركة وتطور المجتمع، وإلى اعتبار المُثل والمعايير التي نسعى إلى تحقيقها هي خيارات بشرية، بغض النظر إذا توفرت الشروط الإجتماعية لتحقيقها أو لم تتوافر. إضافة إلى ذلك ينتقد محسن ابراهيم الطابع التبسيطي للجدل الماركسي كونه يختزل التركيب المعقَّد لبنية المجتمع بأبعاده الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية إلى البعد الإقتصادي، وتحديداً إلى المسار المتناقض لتطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج.
ومن النتائج البالغة الأهمية لهذه القراءة النقدية للنظرية الماركسية، هو تمكن الكاتب من إجراء تحليل مفصل لتجربة المعسكر الإشتراكي ولتجربة بناء الإشتراكية في الصين، وفي ظلالها ظاهرة اليسار الجديد، مبيِّناً أنها كانت تجاربَ فاشلةً، لم تتمكن من تجاوز النظام الرأسمالي، وأن السمة الأساسية التي ميَّزتها عن النظم الرأسمالية في الغرب كانت الدولة الإستبدادية التي بنتها والتي لعبت دوراً محورياً في عملية التراكم الرأسمالي المكثَّف التي أنجزته قبل انهيار معظمها مع بداية تسعينيات القرن الماضي.
كذلك وفَّرت هذه القراءة النقدية للنظرية الماركسية لكاتبها محسن إبراهيم المنظور النقدي الذي استخدمه في تحليله القيِّم للحركات والأحزاب الشيوعية والإشتراكية الديموقراطية، ومن ضمنها القوى والأحزاب التي انضمَّت إلى الأممية الأولى والثانية والثالثة. وفي الوقت الذي أظهر فيه الكاتب على ضوء التجارب الفعلية لتلك الأحزاب، الجوانب المعقَّدة والمتعرِّجة لمسارات الصراعات الطبقية وتعبيراتها السياسية والثقافية خلافاً للتوقعات الإختزالية والتبسيطية للكتابات الماركسية واللينينية، تمكَّن أيضاً من إبراز الدور المحدِّد للبنى الفوقية وقدرتها على تأطير المصالح والتناقضات المتحدرة من البنى الإقتصادية الرأسمالية.
وفي ختام النص، يستنتج الكاتب ضرورة التخلي عن إلتزامنا بالشيوعية على ضوء النتائج التي أوصلتنا إليها، والمسوغات الفكرية التي قدمتها لتلك النتائج. ويدعو كذلك إلى عدم تبني الإشتراكية الديموقراطية الأوروبية لأنها باتت جزءً من آلية النظام الرأسمالي المأزوم والصيغ المتنوعة لإعادة إنتاجه.
وفي هذا السياق يستنتج محسن ابراهيم ما يلي:
“في الأصل كانت الحركة الإشتراكية، وفي إطارها ظهرت الماركسية مشروعاً كلياً مطلقاً للتغيير الإجتماعي البشري على قاعدة من التنبؤ بحتمية تاريخية. وقد اجتاز هذا المشروع الكلي المطلق اختبار قرن ونصف القرن: من الفكرة إلى الحركة إلى الثورة إلى الدولة، فلم يحكم له التاريخ بالنجاح، بل حكم عليه بالفشل. لذا لا محل اليوم لتقييد اشتراكيتنا بقيد الإلتزام الكلي بالماركسية منهجاً ونتائج تحليل ونموذج تطبيق. وإذْ نقرر أننا اشتراكيون، لا نرى مبرراً لاستمرارنا حاملين صفة الماركسيين. على أن الماركسية تبقى في نظرنا جزءاً من تراث الحركة الإشتراكية لا يمكن شطبه، بل ينبغي حفظ اعتباره، والإنفتاح عليه، واستيحاء كل ما هو صحيح منه. وفي الماركسية نظرات علمية تشكل حقلاً معرفياً ضخماً ينبغي عدم التردد في الإستناد إليه، ونحن نرتاد آفاق تجديد خيارنا الإشتراكي. فالفارق كبير بين القول الصحيح أن لا محل لتقييد اشتراكيتنا بقيد الإلتزام الكلي بالماركسية، وبين القول الخاطيء أن إشتراكيتنا لا تتجدد إلا بمقدار ما تتنكر كلياً للتراث الماركسي.” ص. 81.
ويظهر عدم التنكر الكلي للتراث الماركسي في القسم الثاني من الكتاب تحت عنوان “أزمة الرأسمالية”. هنا يقوم الكاتب بتشريح أزمة النظام الرأسمالي لغاية بداية التسعينيات، مستنداً إلى مفاهيم ماركسية أساسية، كنمط الإنتاج الرأسمالي الذي يقوم على التناقض “بين الطبيعة الإجتماعية لقوى الإنتاج وبين الطابع الفردي الإستغلالي الضيق القاصر للعلاقات الإجتماعية.” ص. 90. وفي هذا السياق يتم تعيين المسألة المركزية التي يتناولها هذا القسم من الكتاب، ألا وهي “عبر أية وسائط وبأية أشكال” يفعل هذا التناقض فعله، “وأي صيغ من تجاوز الرأسمالية يولدها.” ص 91. ويستكمل سعيد عيسى ببراعته المعهودة هذا البحث وصولاً الى الزمن الراهن، ليبرهن أن الأسئلة والمشاكل التي تناولها بحث محسن ابراهيم وصولاً للنصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لا تزال مفيدة لفهم الطور الراهن لأزمة الرأسمالية في العالم.
عام 1993، طرح محسن ابراهيم السؤال التالي: “هل صحيح أن التاريخ حسم الأمر لمصلحة الليبرالية؟” وكان الجواب أن الليبرالية (النيوليبرالية) فشلت فشلاً ذريعاً” ليس فقط في انجاز التنمية للأطراف (“حيث عمقت التبعية، وزادت التفاوت، وخلقت أشكالاً جديدة من الإستغلال”)، وإنما أيضاً لبلدان ما كان يعرف بالمعسكر الإشتراكي، حيث “تحولت “الوصفة النيوليبرالية المتوحشة” التي وصفها محسن ابراهيم في 1993 بأنها تحولت إلى كابوس اقتصادي واجتماعي في روسيا وأوروبا الشرقية” وأدت إلى “صعود نموذج “رأسمالية الدولة الأوليغارشية” تحت حكم بوتن، وإلى حرب باردة جديدة مع الغرب”. ص197. كذلك لم تستطع سياسات النيوليبرالية خلال العقود الثلاثة الماضية معالجة المشاكل الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي تعاني منها البلدان الرأسمالية الرئيسية في العالم.
في 2026، وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً من كتابة نص محسن ابراهيم عن “أزمة الرأسمالية”، أصبح السؤال عن البديل من الليبرالية المتوحشة أكثر إلحاحاً. إن فشل النيوليبرالية هو التعبير المعاصر “عن الطبيعة المدمرة للرأسمالية عندما تُترك لآلياتها من دون ضوابط إجتماعية وسياسية. فشل النيوليبرالية يُظهر أن البديل ليس بين “السوق الحرة” و”الدولة الشمولية”، بل بين رأسمالية متوحشة تدمر المجتمع والبيئة ومشروع ديموقراطي اشتراكي يضع الإقتصاد في خدمة الحاجات الإنسانية.” ص 206.
ختاماً نقتبس ما كتبه سعيد عيسى مستلهماً نص محسن ابراهيم حول “أزمة الرأسمالية” جواباً مركباً على السؤال الماركسي:
“هل من حدود تاريخية اقتصادية لنمط الإنتاج الرأسمالي يقف عندها؟”
ويفصّل سعيد جوابه كالتالي:
- “لا توجد حدود اقتصادية “ميكانيكية” تؤدي إلى انهيار تلقائي. الرأسمالية أثبتت قدرة هائلة على “التبدل” وتجاوز أزماتها عبر إعادة اختراع نفسها. من الإحتكارات إلى دولة الرفاه، ومن النيوليبرالية إلى اقتصاد المنصات، ومن العولمة إلى الحروب التجارية، النظام وجد دائماً طرقاً لتأجيل أزماته ونقلها إلى مستوى أعلى.
- ولكن هناك حدود اجتماعية وبيئية وسياسية. هذه الحدود هي التي أصبحت أكثر وضوحاً وإلحاحاً في 2026:
- الحد الإجتماعي: التفاوت الصارخ يقوض شرعية النظام. جيل كامل في الغرب لا يستطيع تحمل تكاليف السكن أو تكوين أسرة. ملايين “العمال الخوارزميين” يعيشون من دون ضمانات. هذا يولد غضباً شعبوياً يمينياً ويسارياً.
- الحد البيئي: منطق التراكم اللامحدود يصطدم بحدود كوكب الأرض المحدودة. أزمة المناخ لم تعد تهديداً مستقبلياً، بل واقعاً يومياً (فيضانات، جفاف، حرائق، هجرة مناخية). الرأسمالية غير قادرة على التعامل مع هذه الأزمة لأن منطقها هو الربح قصير الأجل، بينما تتطلب أزمة المناخ تخطيطاً طويل الأجل وتضحيات فورية.
- الحد السياسي: الديموقراطية الليبرالية في أزمة عميقة. الأحزاب التقليدية فقدت مصداقيتها. المؤسسات الدولية عاجزة. هناك فراغ سياسي يملؤه اليمين الشعبوي أو الأنظمة السلطوية. بعبارة أخرى، الحدود التاريخية للرأسمالية لم تعد اقتصادية محضة، بل أصبحت وجودية. السؤال لم يعد: “هل سينهار النظام اقتصادياً؟”، بل: “هل يمكن للبشرية أن تبقى وتزدهر في ظل هذا النظام؟” ص 208.
أمام هذا السؤال والتحديات التي يطرحها، نسجل إنسجاماً مع طروحات محسن ابراهيم وتحديث نصه عن “أزمة الرأسمالية” على يد سعيد عيسى، أن الجواب “لا يأتي من نص مقدس ولا من قائد ملهم” بل من ضحايا هذا النظام والمثقفين الملتزمين بأن يبنوا مجتمعاً ينتفي فيه الإستغلال وينتهي التحكم بمصير وحرية الغالبية الساحقة من البشرية.
