ثقافة • صحف وآراء

الباحث وليد نويهض يفكك كتاب مراجعات نقدية:جرأة واضحة في النقد وشجاعة في مراجعة التجربة

كتاب “مراجعات نقدية” هو نتاج قراءات ومطارحات امتدت من العام 1988 إلى العام 1994 . وتنبع أهمية هذه المراجعات أنها صدرت عن قائد شيوعي وصاحب تجربة امتدت على مدى أكثر من نصف قرن. ولأنها كذلك هناك عتب ايجابي يتمحور حول سبب تأخير نشرها بعد مضي ثلاثة عقود .

نعود إلى الكتاب الذي يتسم بالجرأة في النقد والشجاعة في مراجعة التجربة. يتحدث الكتاب عموما عن أزمتين أو شيخوختين : الاشتراكية والرأسمالية . وبطبيعة الحال تختلف أزمة الأولى عن الثانية. فالاشتراكية تعاني من ضعف آليات تفكير ايديولوجية، والرأسمالية تعاني من نمو تراكمي في آليات انتاج لتقنيات الاقتصادية .

نبدأ من أزمة الاشتراكية

برأي أبو خالد أن مشكلة الماركسية تبدأ من نصها الأصلي . صلة النص الواقعي الذي كُتب في فترة زمنية محددة. أدى هذا الأمر إلى عملية اسقاط للقيمة على الواقع . يحكم ماركس على المجتمع وفق قيمة مفترضة. وقد أدى ذلك إلى نمو أزمة فيها الكثير من العلم. وأيضا فيها من الايديولوجيا الشيء الكثير. هذا الخلط يعود برأي محسن ابراهيم إلى تأثير هيغل على التكوين النظري لماركس، إذ اكتفى ماركس بالقلب أو الانقلاب وتوقيف ديالكتيك هيغل على قدميه. وبسبب هذه الصيغة الاختزالية تم انتاج مادية اقتصادوية. هذه الصيغة تسير وفق مخطط مرسوم. وهو المخطط الذي له بداية ويتجه نحو نهاية. وقد أدى هذا الانقلاب الانعكاسي إلى اضعاف دور البنية الفوقية وتطورها الخاص. ومن هنا تبدأ أزمة الماركسية برأي أبو خالد . وعليه فقد تفاقمت الأزمة حين جرى اسقاط الاحكام المرسومة على الواقع المتحرك. وهذا ا أدى لاحقا إلى الانفصام بين “المثال” و”الراهن الممكن”. وبسبب هذه المشكلة أخذت أغلبية الاحزاب الاشتراكية تعاني من أزمة الانفصام بين النظرية والممارسة. ويرى أبو خالد أن المفهوم الماركسي للأممية والقومية “لم يكن واقعيا تماما” . هذا الالتباس انعكس على أحزاب الأممية الثانية التي تبعثرت إلى تيارات … ثوريية… اصلاحية … اصولية وتحريفية. ومثل هذا الاضطراب النظري قدم الفرصة لنشوء “اللينينية “. وبرأي محسن ابراهيم إن ماركسية لينين هي “الماركسية في زمن التحقق”، وهي أيضا تعكس الخصوصية الروسية بنظارات ماركسية. كذلك مفهوم الحزب اللينيني فهو لصيق جدا بـ “الواقع الروسي”. وبسبب هذا الخلط بين النظرية المجردة والواقع المغاير .. والمتغير تحول الحزب البلشفي إلى ديكتاتورية تمارس تسلطها السياسي على الطبقة العاملة. و برأي أبو خالد  فالثورة البلشسفية ليست اشتراكية بل هي ثورة رأسمالية تعبر عن ( نمط من رأسمالية الدولة) . وهذا النمط السوفياتي “قام أساسا على تنظيم مركزي للروافع الاقتصادية” وقد أثمرت “المركزية ” في انتاج “الستالينية ” وصعودها. وقد ظل هذا النظام الستاليني قائما حتى الثمانينيات. بعد هذه الفترة بدأت الاخفاقات تصيب العقيدة الموروثة ، وهي المنقولة عن الحقبتين الستالينية وبعدها الخروتشوفية. . وبرأي أبو خالد فإن النظام السوفياتي لم يكن اشتراكيا حتى يصح الحديث عن عودته إلى الرأسمالية . ومثل هذا ينطبق على الصين التي تجمع الليبرالية الاقتصادية مع الاستبداد السياسي . هذا التعايش بين الليبرالية والاستبداد تعود جذوره إلى خلافات المؤتمر الأول للأممية الثالثة في العام 1919 . وهي خلافات تجددت في المؤتمر الثاني في العام 1920 . وقد انتجت هذه الخلافات وجهات نظر تبلورت لاحقا في الماوية ثم في “اليسار الجديد”، الذي رأى فيه محسن ابراهيم “أكبر عملية هروب فكري إلى الأمام” . بعد هذه المراجعة النقدية الجريئة طالب أبو خالد بنزع الصفة الفكرية الماركسية عن منظمة العمل الشيوعي في لبنان، وطالب أيضا باشتقاق اسم جديد لها.

أزمة الرأسمالية 

وهذه تختلف بطبيعة الحال عن آليات أزمة الاشتراكية . ويبدأ أبو خالد مداخلته من كتاب ماركس ” رأس المال” . فهذا الكتاب بمجلداته الثلاثة يتحدث عن :

  • التكوين العضوي لرأس المال .
  • قانون التدني الاتجاهي لمعدل الربح
  • معضلة التراكم الموسع .
  • العلاقة الملتبسة بين البُعد الاقتصادي والبُعد الطبقي.

أما في قراءة أزمة النظام الرأسمالي فينتقل محسن ابراهيم إلى تحليل مسار التحول وصولا إلى “الليبرالية المتوحشة” التي يصفها بأنها قوة “تدمير”، ولأنها كذلك فهي “ليست نهاية التاريخ”. ويتوصل محسن ابراهيم إلى صياغة السؤال :” هل من حدود تاريخية اقتصادية … لنمط الإنتاج الرأسمالي يقف عندها؟”. ويرى أن المسألة معقدة ، وهي أعقد من أن تحل على قاعدة ترسيمة هيغل الثلاثية وهي: الإثبات، النفي ، ونفي النفي. والسبب في رأيه أن النظام الرأسمالي له قدرة على التجدد ، لذلك أزمته مفتوحة بسبب تناقضاته الداخلية ولأن قدرته على التراكم لا حدود لها ” فنمط الإنتاج الرأسمالي برأي أبو خالد قائم على اختلال … وعلى تناقض ” بسبب طبيعة النظام . وعليه يصبح المسار التاريخي للرأسمالية يميل دائما باتجاه الأزمات الدورية . “فالرأسمالية نمت بالتبدل وليس بالتحايل”. . وتحويل الأزمات إلى مستوى آخر … من النمو والتوالد من غير انقطاع. وبرأيه أن العصر الذهبي للرأسمالية جرى بين الحرب العالمية الثانية ومطلع السبعينيات، بسبب انتقالها إلى رأسمالية دولة احتكارية ونجحت في تحقيق توازنات وتسويات اجتماعية وهذه.. ساعدتها على الصمود والاستمرار والتبدل بعد السبعينيات. حيث انفلشت أزمة السوق وتداعت على رغم “التبدل الذي طرأ على الآلة” . وبرأيه كلما تقدمت أصبحت متطلبات العلم أكبر . وهذا يؤدي إلى نمو أزمة بين الرأسمالية ونمط التكنولوجيا . فالتبدلات المهمة التي طرأت على تطور التكنولوجيا ولدت “أزمة” في تنظيم قوة العمل… وأيضا في التنظيم الاجتماعي للعمل وهو ما يسميه أبو خالد “تقنية توزيع العمل” . وهذا التسارع في تطور التكنولوجيا أدى إلى تعديل مفهوم التناقض . فالتناقض في ايام ماركس كان بين “أحد طرفيه… متبدل والثاني ثابت” “الآن بات طرفاه متبدلان”. فالنمط الإنتاجي الراهن يتبدل وينتقل ، ما أدى ويؤدي إلى صعود فئات اجتماعية جديدة . وهذا يسهم في إعادة تعريف دور الدولة… وبالتالي نهوض توازنات متغايرة . إن الرأسمالية المعاصرة تشهد الآن “تدويلا للإنتاج” وليس فقط “تدويلا لرأس المال”. وبرأي محسن ابراهيم آلة الإنتاج تم تدويلها، وهو ما أسهم في توليد تناقض جديد بين أممية رأس المال وقومية الدولة، الأمر الذي يدفع نحو ضرورة البحث عن مصطلح بديل لموضوع “العالم الثالث” . لأن العالم الثالث أصبح من الماضي كما ينهي محسن ابراهيم بحثه. وهذه بعض من مطارحات وسجالات دورة اللجنة المركزية لمنظمة العمل الشيوعي بتاريخ 8/ 4 / 1994 .

ثم يطلق ابو خالد سؤالا له مغزاه عندما يقول ” يعني أنا لا أناقش أية اشتراكية نريد ؟ نحن نناقش أية رأسمالية نرفض”. أخيرا تبقى ملاحظة لا بد من ذكرها وهي تثمين الجهد الذي بذله الدكتور سعيد عيسى في تشريح أزمة الرأسمالية من العام 1993 إلى العام الحالي 2026 في ضوء قراءة محسن ابراهيم السالفة، التي تتعلق بأزمة التعبير السياسي على قاعدة التجاوز الداخلي للرأسمالية، والتدويل النوعي لرأس المال، وقانون التدني الاتجاهي لمعدل الربح وتبدل منظومة الرأسمالية . كل هذه الاضافات يمكن العودة إليها في الصفحات الأخيرة من كتاب المراجعات.