* زكريا نمر
في البدء، كنتُ مثقفًا نزيهًا أرتدي نظارات لا أحتاجها، فقط لأُشعر من حولي أنني أقرأ الواقع بعدسته الثالثة.
أحتسي القهوة دون سكر، لأن المرارة كانت جزءًا من شخصيتي، لا من ذوقي. أجلس في الزاوية القصية من المقهى، أقلب صفحات “فوكو” كما يُقلب قميص قديم، لا لارتدائه، بل لاستعراضه.
كنتُ أؤمن أن المثقف كائنٌ مشاكس، أن مهمته هي أن يُربك السلطة، ويقلق النُخَب، ويُزعج حتى المتابعين الكسالى على فيسبوك.كنت أعتقد أن المعرفة فعل تمرّد، وأن الجهل هو السرير الوثير الذي تنام عليه الأمم الكسلى.لكن…كل مثقف لديه لحظة سقوط لا يعترف بها إلا بعد فوات الأوان.ولحظتي جاءت في مكالمة رسمية، هادئة، ناعمة مثل السمّ:”تابعت مقالك الأخير… متميز جدًا.يُمكن أن نضمك إلى اللجنة الوطنية لتطوير الخطاب الثقافي.”قلت لنفسي “وأخيرًا… لقد اعترفوا بي لم أدرك حينها أنني لم أُستدْعَ لتطوير الخطاب، بل لأتعلّم كيف يُقصّ الجناح الثاني للطائر الحر.
هكذا بدأت مرحلة “التكيّف الثقافي صرت أكتب النصوص ذات العمق المزيف أحشو المقالات بمفردات من قبيل “المواطنة التشاركية” و”الحداثة المندمجة” و”التفكير البنيوي المُستنير وأحذف كل ما يُوحي بأنني أمتلك رأيًا شخصيًا.تحولت من ناقد يجلد السلطة بعباراته إلى موظف يجلّد اللغة حتى تصبح صالحة للعرض أمام المسؤولين.أتقنت فنّ قول كل شيء دون قول أي شيء.وصرت أُمارس التوازن كأنني لاعب سيرك على حبل الكلمات.
في السر، ما زلت أقرأ لكن القراءة أصبحت فعلًا داخليًا مثل الحنين أو الخجل أقرأ بصمت، وأغلق الكتاب فجأة إذا دخل أحد المكتب، كما لو كنتُ أرتكب خيانة حتى الكتب تغيّرت لم أعد أبحث عن كتب تهزّني من الداخل،بل عن تلك التي يمكن أن أضعها على الرف دون أن تثير ريبة أحد.كتبٌ حيادية، رمادية، لا لون لها ولا موقف.كنت أقول قديمًا “السلطة تخاف المثقف الحر أما اليوم، فأقول “المثقف الحر يخاف من قطع الإنترنت قبل إرسال مقاله للموافقة!”
لم أعد أعارض بل أصبحتُ “أقترح تعديلات طفيفة”.
لم أعد أفضح بل “أعيد صياغة السردية الوطنية بلغة إيجابية ولم أعد أكتب للناس بل أصبحت أكتب “لأصحاب المعالي”، وأرسل لهم المقال عبر البريد الوظيفي، مذيّلاً إياه بخالص الشكر والتقدير لسعادتكم.”
وعندما أعود إلى المنزل أخلع بدلتي الرسمية وأجلس أمام مكتبتي التي كانت يومًا جمرًا يشعل قلبي أنظر إلى “سارتر” و”حنّه أرندت” و”مالك بن نبي” و”إدوارد سعيد”، فأشعر أنهم جميعًا يشيحون بوجوههم عني، كأصدقاء قدامى لا يريدون الإحراج.
أما المرآة، فلا أجرؤ على النظر إليها طويلًا فقد يظهر لي ذلك الرجل الذي كنتُ أكتب عنه المثقف الذي صار نسخة بيروقراطية من ذاته يرتدي ربطة عنق، ويشرح للدولة ما تودّ سماعه ذلك الذي يكتب كلمة “الحرية” بخط صغير،
ثم يوقع تحتها، بخط عريض “مع فائق الاحترام… للسلطة.”
* تم النشر في شهر تموز/ يوليو 2025 على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب
