زكـي طـه
بيروت 18 تشرين الاول 2026 ـ بيروت الحرية
ليس ما يشهده لبنان اليوم مجرد تصاعد في الانقسام السياسي، أو امتداد للحرب الإسرائيلية المفتوحة على البلاد. فالتطورات المتلاحقة، من استمرار العدوان والتهديدات الإسرائيلية، إلى الاحتقان الداخلي وتفاقم الأزمات من كل لون، تكشف عن مأزق أعمق يتعلق بمستقبل الدولة وبالقوى التي حكمت البلاد خلال العقود الماضية، وعجزها عن مراجعة سياساتها رغم النتائج الكارثية التي ترتبت عليها.
وفي قلب هذا المأزق تبرز أزمة حزب الله، ليس بوصفه قوة عسكرية تراجعت قدرتها على مواجهة إسرائيل فحسب، بل باعتباره طرفاً سياسياً أساسياً شارك في إدارة السلطة وحماية النظام القائم، واحتفظ في الوقت نفسه بقرار عسكري مستقل عن الدولة، قبل أن يجد نفسه أمام نتائج حرب تجاوزت قدراته على حماية الأرض والمجتمع.
غير أن أزمة الحزب لا تختصر الأزمة اللبنانية. فالنظام الذي أتاح استمرار ازدواجية السلطة والقرار، هو نفسه الذي أنتج الانهيار المالي والاقتصادي، وحوّل مؤسسات الدولة إلى ساحات للمحاصصة وتقاسم النفوذ، وأخفق في حماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
من قمع انتفاضة تشرين إلى حماية النظام
شكّلت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين حزب الله ومنظومة السلطة. فقد خرج اللبنانيون، من مختلف المناطق والانتماءات، احتجاجاً على الفساد والمحاصصة والتدهور البيئي والمعيشي، مطالبين بتغيير السياسات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. لكن الحزب، الذي قدّم نفسه قوة مواجهة للهيمنة الخارجية والفساد الداخلي، وجد نفسه في موقع الدفاع عن نظام كان شريكاً أساسياً في توازناته، فيما شارك عناصر ومؤيدون له ولحركة أمل في الاعتداء على المتظاهرين.
لم يكن ذلك مجرد خلاف حول شعارات الانتفاضة، بل تعبيراً عن تناقض سياسي عميق بين ادعاء مواجهة الظلم والمشاركة في حماية منظومة تعيق التغيير.
ومنذ ذلك الحين، انكشف عمق التداخل بين حماية السلاح وحماية الموقع السياسي للحزب داخل النظام، وبين استمرار المحاصصة، والحاجة المتبادلة بين أطراف السلطة إلى المحافظة على توازناتها.
ومن فائض القوة إلى مأزق النتائج
على امتداد سنوات، استند حزب الله إلى معادلة تقول إن امتلاكه قوة عسكرية مستقلة عن الدولة يوفر للبنان قدرة على الردع والحماية، ويعوض ضعف الجيش والمؤسسات. لكن هذه المعادلة ارتبطت تدريجياً باستراتيجية إقليمية تتجاوز المصالح اللبنانية المباشرة، وصولاً إلى قرارات عسكرية ترتبت عليها حروب “مساندة ” دفع اللبنانيون، والجنوبيون خصوصاً، أثماناً باهظة لها.
واليوم، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتدمير والتهجير، يصبح من المشروع مساءلة هذه التجربة من زاوية نتائجها. فإسرائيل مسؤولة مباشرة عن عدوانها واحتلالها وتدميرها، ولا يجوز تحويل نقد حزب الله إلى تبرير لأفعالها، أو لشروط الإخضاع التي تسعى إلى فرضها برعاية أميركية. لكن هذه المسؤولية لا تعفي الحزب من الإجابة عن أسئلة تتعلق بقرار الحرب، ومدى ارتباطه بالمصلحة الوطنية، والنتائج التي ترتبت عليه.
لقد كشفت الحرب حدود القوة العسكرية المستقلة عن الدولة وعجزها عن توفير الحماية التي وعدت بها، فيما كانت الدولة نفسها قد أُضعفت بفعل ازدواجية القرار وعجز النظام السياسي عن بناء استراتيجية دفاعية وطنية.
والأكثر إثارة للقلق استمرار الحزب في التمسك بخطاب الصمود واستعادة القوة، من دون تقديم إجابات كافية عن مستقبل المناطق المحتلة والمدمرة والنازحين، وعن كيفية منع تكرار الكارثة. فالصمود، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع أن يكون بديلاً من السياسة، ولا يمكن مطالبة المجتمع بتحمل تضحيات مفتوحة من دون مراجعة القرارات التي أوصلته إلى ما وصل إليه من مصائب.
المتضررون بين الوعود وغياب المسؤولية
تكتسب المساعدات المالية التي أعلن حزب الله تقديمها للمتضررين أهمية إنسانية مباشرة، لكنها تثير أسئلة سياسية واجتماعية لا يجوز تجاهلها. فالمساعدات، مهما بلغت قيمتها، لا تعوض خسارة الأرض والمنزل والعمل والاستقرار، ولا تشكل بديلاً من خطة وطنية لإعادة الإعمار وعودة السكان. كما أن الإعلان عن توزيعها على دفعات، في ظل اتساع حجم الكارثة، يطرح تساؤلات مشروعة حول القدرة على الوفاء بالالتزامات.
ولا ينبغي اعتبار تقديم المساعدة اعترافاً قانونياً بالمسؤولية عن العدوان الإسرائيلي، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الحزب السياسية عن خياراته العسكرية والوعود التي قدمها للمجتمع.
وهنا يظهر تناقض أساسي: فالحزب الذي احتفظ بقرار الحرب والسلم خارج الدولة، يعود اليوم ليطالب الدولة والجيش بتحمل مسؤولية مواجهة العدوان ومعالجة نتائجه، من دون القبول بتسليم السلاح، وانتقال القرار العسكري كاملاً إلى المؤسسات الشرعية. فلا يمكن أن يبقى القرار عند الحزب، فيما تتحمل الدولة والمجتمع مسؤولية النتائج.
متفجرات ضهر البيدر… اختبار لسلطة القانون
جاءت قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر لتضيف بعداً جديداً إلى المأزق. فإعلان حزب الله ملكية الشحنة ومطالبته باستعادتها والإفراج عن الموقوفين يطرح سؤالاً يتجاوز طبيعة المواد المضبوطة، والجهة التي يقول الحزب إنها كانت مستهدفة بها.
إنه سؤال عن المرجعية التي تملك حق اتخاذ القرارات العسكرية ونقل المتفجرات على الأراضي اللبنانية، وعن سلطة الأجهزة الأمنية والقضاء في مواجهة تنظيم مسلح يشارك في مؤسسات الحكم.
ولا يجوز استباق التحقيقات أو افتراض أغراض لم تثبتها الأدلة، لكن إعلان ملكية الشحنة يجعل من الضروري أن تتناول التحقيقات سلسلة المسؤوليات المتعلقة بقرار نقلها، لا أن تتوقف عند المنفذين المباشرين.
فالقضية اختبار عملي لمبدأ خضوع الجميع للقانون، خصوصاً في ضوء القرارات الحكومية المتعلقة بالأنشطة العسكرية للحزب.
واستعادة سلطة الدولة لا تكون بالتساهل مع السلاح الخارج عنها، ولا بدفع الجيش والأجهزة الأمنية إلى صدام أهلي، بل بقرار سياسي واضح ومسار قانوني ومؤسساتي لا يسمح بتحويل القوة الحزبية إلى مرجعية أعلى من الدولة.
أزمة الحزب وأزمة السلطة
غير أن حصر المسؤولية بحزب الله وحده يؤدي إلى قراءة ناقصة. فالقوى التي تتنازع اليوم إدارة الدولة، وتختلف حول الكهرباء والتعيينات والإصلاحات وتنفيذ القوانين، هي امتداد لمنظومة ساهمت، بدرجات مختلفة، في إنتاج الانهيار وحماية مصالحها داخل النظام.
وقد قبل بعضها بالتعايش مع سلاح حزب الله مقابل حصص في السلطة، فيما أعاد بعضها الآخر إنتاج منطق الهيمنة والاحتكار داخل طائفته ومؤسساته.
واليوم، تستخدم قوى سياسية أداء الحزب وسلاحه لتبرير رهاناتها على الخارج، كما يستخدم الحزب العدوان الإسرائيلي لتبرير استمرار وضعه العسكري المستقل.
وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم أمام خيارين لا يقدمان مخرجاً وطنياً: استمرار ازدواجية السلاح والقرار، أو انتظار الضغوط الخارجية لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية وفق مصالح لا تتطابق بالضرورة مع مصالح لبنان.
وفي الوقت نفسه، تستمر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في التفاقم. فالكهرباء والمياه والدواء والتعليم والغلاء وانهيار القدرة الشرائية ليست قضايا منفصلة عن أزمة السيادة، بل تعبير عن دولة لم تستطع حماية المجتمع من نتائج الانهيار، فيما تحولت مرافق أساسية إلى مجالات نفوذ ومصالح وشبهات فساد.
فالمواطن الذي لا يجد الدواء أو الكهرباء أو المسكن الآمن لا يستطيع أن يفصل بين أزمة الدولة الاجتماعية وأزمتها السياسية والأمنية.
من إعادة إنتاج الهيمنة إلى بناء البديل
تطرح اللحظة الراهنة سؤالاً يتجاوز مستقبل حزب الله العسكري والسياسي: هل يستطيع لبنان الانتقال من نظام تتقاسم فيه القوى الطائفية السلطة وتتنازع القرار، إلى دولة قانون تكون مرجعية السيادة والمسؤولية تجاه المجتمع؟
إن تراجع قدرة حزب الله العسكرية لا ينتج تلقائياً دولة قوية، كما أن استمرار الحزب في الدفاع عن معادلته السابقة لا يعيد إليه إدعاء القدرة على حماية لبنان.
ولا يمكن التعويل على إسرائيل أو الولايات المتحدة لبناء الدولة اللبنانية، كما لا يمكن رهن مستقبل البلد باستمرار الوظيفة الإقليمية لسلاح حزب الله.
وإذا كانت المراجعة المطلوبة من الحزب تبدأ بالاعتراف بنتائج التجربة، وبضرورة إنهاء ازدواجية القرار العسكري، فإن المراجعة المطلوبة من سائر القوى السياسية تبدأ بالاعتراف بمسؤوليتها عن النظام الذي حكم البلاد وأوصلها إلى الانهيار.
مسؤولية الخروج من الأزمة؟
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري بوصفه أزمات متفرقة يمكن احتواؤها بتسويات مؤقتة. فالبلد يواجه نتائج خيارات سياسية وعسكرية واقتصادية امتدت عقوداً، فيما تتراجع قدرة القوى التي حكمت المرحلة السابقة على تقديم حلول للأزمات التي ساهمت في إنتاجها.
والمطلوب ليس استبدال هيمنة حزب الله بهيمنة قوى طائفية أخرى، ولا تحويل مطلب الدولة إلى غطاء للشروط الإسرائيلية، ولا الاستمرار في مطالبة اللبنانيين بالصبر على نتائج سياسات لم يشاركوا في تقريرها.
المطلوب انتقال وطني يعيد القرار العسكري والأمني إلى الدولة، وينهي الاحتلال والعدوان، ويفتح طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويجعل إعادة إعمار الجنوب وحماية المتضررين مسؤولية وطنية لا مجالاً جديداً للتوظيف السياسي الفئوي.
فلبنان لا يحتاج إلى إعادة توزيع مراكز القوى بين أحزاب الطوائف، بل إلى تغيير القواعد التي سمحت لهذه القوى بأن تحكم الدولة من دون أن تتحمل مسؤولية نتائج حكمها، وما أوصلت إليه البلاد.
وهنا تكمن القضية الأساسية: الانتقال من إدارة الانهيار وحماية المواقع إلى بناء دولة قادرة على حماية أرضها ومجتمعها، وخاضعة في الوقت نفسه لإرادة مواطنيها ومحاسبتهم.
أما قوى المعارضة الديمقراطية، فلا يكفيها اعلان صحة اعتراضاتها على السلاح والمحاصصة، ولا يفيدها التردد في التخلي عن أوهام الرهان على قوى السلطة، بل عليها تحمّل مسؤولية المساهمة في بناء بديل وطني واجتماعي يصل قضية التحرر من الاحتلال بقضية بناء الدولة، ويربط السيادة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
