محمد قدوح
الجنوب 17 تشرين الاول 2026 ـ بيروت الحرية
لم يكن ترددي الطويل لزيارة بلدتي تبنين منذ وقف إطلاق النار حتى الآن، خوفا من القصف الإسرائيلي الذي يستهدف أطرافها و البلدات المجارة لها، وإنما بسبب الخوف من تصدع ذاكرتي، بسبب الدمار الذي طالها ولا سيما وسط البلدة، أى الأحياء القديمة منها .
الأسبوع الماضي قررت زيارتها ومواجهة الواقع المستجد فيها، توقعت بعد أن تجاوزت جسر الليطاني الرئيسي الذي تعرض للقصف ولم يتم ترميمه حتى الأن، أن أرى مشاهد الدمار في كل مكان، لكن ذلك لم يحصل، حيث تبين أنه جرى رفع أنقاض المنازل المدمرة، مما أحدث فراغات بين المنازل على طول الطريق. هذه الفراغات يزداد عددها بين المنازل ويتسع حجمها كلما تقدمت نحو عمق الجنوب، بدءا من بلدة صريفا مرورا ببلدة قلاوى وبلدة خربة سلم “منطقة بئر السلاسل”، حيث المشهد لم يعد يشبه ما كان عليه قبل الحرب، لقد حل محل المنازل والأبنية والمحال التجارية، ساحة مفتوحة على كل الإتجاهات، تخلو من الناس. لا حركة فيها سوى حركة السيارات العابرة نحو البلدات المواجهة للمناطق المحتلة .
لدى الوصول إلى مدخل بلدة تبنين، حيث يقع المستشفى الحكومي، الذي تحول في بداية الحرب مع المنازل المحيطة به، إلى ملجأ للسكان الذين تأخروا في النزوح منها، ظنا منهم أن العدو لا يمكن أن يقصف المستشفى ومحيطة، لكن هذا العدو لم يتأخر في قصف مدخل المستشفى ومحو المنازل المحيطة بها، بما في ذلك عيادات الأطباء الموجودة والمطاعم والمقاهي، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء من المواطنين، ولم يبق من هذا الحى سوى منزل واحد ما زال قائما لكنه مصدعاً ومشلعاً، وهو ما أدى إلى نزوح بقية سكان البلدة .
وصلت إلى منزلي الذي مازال قائما، لكن أبوابه مشرعة وكذلك النوافذ. لقد تحطم فيه كل ما هو قابل للكسر، إضافة إلى تطاير الردم من المنازل المجاورة التي دمرت أو تضررت جراء القصف الاسرائيلي، والتي حطت كأنقاض على سطح المنزل أو في محيطه .
خلال جولتي داخل البلدة شعرت بأنني لا أعرف هذا المكان، أو بالأصح أنه غريب عني، لا يشبه الصورة الموجودة في مخيلتي، لقد تغيرت معالم البلدة: المنازل كانت متراصة فأصبحت متباعدة،الطرقات الضيقة “الزواريب” لم تعد موجودة وكذلك الزوايا حيث كان يجلس كبار السن. الحارة الفوقا الملاصقة لمدخل القلعة التي أعاد بناءها الصليبيون عام 1107، وأقام فيها الشيخ ناصيف النصار والمشايخ الذين جاؤا من بعده حتى مطلع القرن العشرين، و إرتبط تاريخ البلدة بها، أنشطرت إلى نصفين ،النصف الأول تحول إلى ساحة مفتوحة على كل الإتجاهات، ولاسيما على الوادي الجميل والتلال المشرفة على بحر صور، وبات المشهد يبدو كأن جزءا من القلعة قد هُدم. أما النصف الثاني منها فلا يزال قائما، لكن منازله مشرعة بلا أبواب وبلا نوافذ، وكأنها تنادي أصحابها لسترها والحفاظ على خصوصيتها.
لم يختلف المشهد في وسط البلدة، لقد إستكمل العدو ما بدأه في حرب العا م 2006، حيث دمر الجزء المتبقي منه، فلم يبق منه سوى هياكل بعض المنازل، وقد تحول هوالأخر إلى ساحة مفتوحة تطل على الحقول والبلدات المجاورة، والتي تقع ضمن ما يسمى بالمنطقة الصفراء وهى: حداثا، عيتا الجبل، بيت ياحون وبرعشيت. ولم ينجُ الحي التحتاني من القصف التدميري، حيث سويت بالارض حوالي عشر منازل متلاصقة، و تحول مكانها إلى ساحة مطلة على البلدات المذكورة أنفا .
لم تكن البيوت التي دمرت مجرد حجارة وأبواب و نوافذ قديمة، هذه البيوت كان فيها جمعة ناس وضحكات، فيها كبرت عائلات واستعادت حكايا ما تزال في الذاكرة. غاب أصحابها من زمان لكنها لاتزال موجودة في مخيلة كل واحد من أبناء البلدة. هنا كان يجلس فلان وهناك كانت تجتمع مجموعة من كبار السن، الزواريب التي كنا نسلكها، كانت وستبقى حية، شاهدة على “الولدنات” والمشاغبات التي كنا نمارسها، و شاهدة على الكثير من الاحداث والقصص والمغامرات التي عرفت والتي لم تعرف .
القصف الاسرائيلي الذي إستهدف البلدة، لم يصيب المنازل فقط، إنما أصاب تاريخها و تراثها والذاكرة الجماعية لأبنائها. المنازل التي دمرت كانت لا تزال تحمل أسماء الذين بنوها منذ أكثر من مئة عام، وإن إنتقلت ملكيتها إلى أبنائهم أو أحفادهم، فهل ستحمل أسماءهم بعد إعادة بنائها؟ وهل يمكن المحافظة على ما تختزنه الذاكرة الجماعية لدى الأجيال القادمة؟
ما تعرضت له بلدة تبنين لجهة إستهداف الأحياء القديمة منها. لم يكن إستثناءا، وإنما شمل جميع مدن وبلدات وقرى الجنوب، إضافة إلى جميع المعالم التاريخية والتراثية والدينية، وهو ما يؤكد أن العدو الإسرائيلي، لم يهدف فقط إلى قتل وتهجير الجنوبين وتدمير منازلهم، وإنما استهدف أيضا محو تاريخهم وتراثهم وذاكرتهم وثقافتهم، وبالتالي تحويل ما تبقى من بلداتهم ، وتحويلها إلى مجرد تجمعات سكانية حديثة لا تاريخ لها، وهو نفس الاسلوب الذي إعتمده في فلسطين، للقول أنها كانت أرض بلا شعب، وأن المقيمين فيها لا تاريخ لهم فيها، وأنهم مجرد سكان عابرين .
إن التاريخ و التراث والثقافه جزء من الهوية الفردية والجماعية،ل ان الفرد أو الجماعة لا يمكن أن تعيش من دون هوية، إن المطلوب من الجنوبيين عامة والبلديات والمؤسسات الرسمية ووزارة الثقافة، والتنظيم المدني و سائر المؤسسات المعنية بإعادة الاعمار، العمل على الحفاظ على التاريخي والتراثي للبلدات الجنوبية، وإتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على الذاكرة الجماعية لأبناء هذه البلدات .
لن تغيب أسماء أصحاب المنازل المدمرة من ذاكرتي، لكننا مع مرور الزمن قد ننسى بعضها، لكنها لن تمح من الذاكرة الجماعية. ما رأيته مؤلم و يصعب إستيعابه، فهو ليس حدثا عابرا، لقد مس البنية الإجتماعية والتاريخية والثقافية للبلدة، وأحدث تصدعا في الذاكرة الجماعية لأبنائها، وسيكون له تداعياته على ذاكرة الأجيال القادمة.
عندما يعاد بناء هذه المنازل سيكون أهالي البلدة أمام تحديين: الاول، هوكيف لهم أن يحافظوا على بقاء أسماء أصحاب المنازل المدمرة في الذاكرة الجماعية، بإعتبارهم جزء من تاريخ البلدة. والثاني يتمثل بإعادة بناء هذه المنازل، بما يحفظ طابعها القديم والتراثي، كى لا تبدو البلدة بعد ذلك، مجرد تجمع سكاني حديث لا تاريخ له .
ما حل بتبنين من جراء الحرب، أصاب جميع بلدات الجنوب التي تعرضت للقصف الاسرائيلي خلال جميع الحروب الاسرائيلية على لبنان، حيث تركزت الغارات الحربية على وسط القرى والبلدات، ودمرت غالبية المنازل القديمة فيها، ومعظم المعالم الاثرية والتاريخية والثقافية والدينية. وهو ما يؤكد بأن العدو الإسرائيلي يهدف إلى محو تاريخ وثقافة أهل هذه المنطقة، وإظهارها مجرد تجمعات سكانية متناثرة، لا تاريخ أو جذورا لها، وهوما يخدم السردية الاسرائيلية التي أستعملت في فلسطين لتبرير طرد الشعب الفلسطيني من أرضه .
لذلك فإن الحفاظ على التاريخ والتراث والثقافة، كان وسيبقى جزءا أساسيا من الصراع والصمود في مواجهة عدوان إسرائيل الهمجي.
