سياسة صحف وآراء

الأردن في مرمى الاستهداف الإيراني

* محمود الريماوي

من السهل تحليل زيادة الاستهدافات الإيرانية للأردن أخيراً، فإيران تُمنى بخسائرَ كبيرةٍ في مراكزها العسكرية ومنشآتها الاقتصادية وبعض بناها التحتية. وهذه تطوّرات غير سارّة، فثروات هذا البلد ومنشآته مِلكٌ لشعبه، وليس لأميركا حقّ تقويض مقدرات بلاد فارس، ولا تجاهل التفاهمات بشأنها بذريعة أنّ أميركا أقوى من إيران، فالاحتكام إلى القوّة وحدها من نواميس شريعة الغاب. وكان (ولا يزال) يتعيّن المضي في طريق الدبلوماسية والتفاوض، بمعاونة أطراف معنية ومهتمّة، مثل باكستان وتركيا وقطر، وبدعم سعودي وأردني ومصري.

أمام هذا، ومع الاختلال البيّن في ميزان القوى العسكري والتقني والاستخباري لمصلحة الطرف الأميركي، لجأ صانعو القرار في إيران إلى استهداف دول المنطقة، وتصعيد هذه التعدّيات باختيار محطّات الكهرباء ومحطات تحلية المياه في الكويت، ثمّ محاولة استهداف ميناء العقبة ومطارها في جنوب الأردن. وفيما يتعلّق بالأردن، ادّعى الحرس الثوري الإيراني أنّ أردنيين يساعدون على تحديد الأهداف في بلادهم، في محاولة مكشوفة لإثارة البلبلة وبذر الشكوك في أوساط المجتمع، وتشتيت انتباه الدولة.

تتصاعد التهديدات، يوماً بعد يوم، في طهران ضدّ دول المنطقة، إلى درجة التهديد بحرمانها من تصدير النفط. وواقع الحال أنّ هذه النظرة الإيرانية الرسمية، المفعمة بالكراهية لدول الخليج، قديمة، فلطالما أبدى مسؤولون إيرانيون امتعاضهم من مجلس التعاون الخليجي، ورفضوا التعامل معه إطاراً جماعياً، ودعوا إلى إنشاء مجلس تعاون إسلامي بديلاً منه، والمقصود ضمّ إيران إليه، ونزع الصفة الخليجية والعربية عنه. والأهمّ السعي إلى التحكّم بالمجلس الخليجي من داخله بعد نزع هُويّته، علماً أنّ المجلس أُنشئ منتصف الثمانينيّات إبّان الحرب العراقية الإيرانية، في محاولة لدرء ارتدادات هذه الحرب على منطقة الخليج.

وما يسعى النظام الإيراني إليه حالياً جعل جيرانه يقاسمونه الخسارة الكبيرة، وإلى أن يُزجّوا عملياً في هذه الحرب، مع شمول بلد لا يقع على حدوده، وهو الأردن الذي من حقّه، ومن واجبه، الدفاع عن حدوده وسيادته، حتّى لو كان هناك وجود أجنبي (أميركي) محدود على أراضيه. فهذا الوجود يجسّد قراراً سيادياً للدولة، والعلاقات الأميركية الأردنية قديمة ووثيقة، ولم يسبق للأردن أن اعترض على اتفاقات استراتيجية لإيران مع دول كبرى. وإضافة إلى ما يحظى به الأردن من منح ومشاريع أميركية، يمثّل تثبيت العلاقة مع واشنطن قدراً من الضمانة السياسية لدرء مخاطر التوسّع الإسرائيلي باتجاه الأردن، على غرار ما تشهده سورية ولبنان وغزّة، فيما تبقى الضمانة الكبرى في القوات المسلّحة الأردنية التي تتطوّر قدراتها باطراد، وهو ما تدركه حكومة الاحتلال في تل أبيب.

لا ينفي ما تقدّم أنّ ثمّة حجّة أنّ الوجود الأجنبي، في هذا الظرف، يثير إشكالية ما، وهو ما يردّ عليه الموقف الرسمي الأردني بالتشديد على النأي بالنفس عن هذه الحرب، وعلى أنّه لا يسمح بأن تكون البلاد مسرحاً لارتدادات الحرب أو منطلقاً لها. إلا أنّ الحرب المفتوحة التي تشنّها أميركا على إيران تفتح شهية الطرف الإيراني على توسيع نطاق الحرب، وفق منظور أنّ من شأن زيادة عدد المتضرّرين، وتوسيع الجبهة بإدراج أهداف أميركية وغير أميركية، أن يدفعا دولاً أكثر إلى المطالبة بوقف الحرب. بيد أنّه منظور له أثر معاكس، فاستهداف الأطراف غير المشاركة في الحرب يؤدّي إلى زيادة عدد الخصوم، وقد يؤدّي إلى تكتّلهم لمنع استهداف بلادهم. ومع هذا، ما حدث منذ البداية أنّ دول الخليج، ومعها باكستان والأردن وتركيا ومصر، قد وقفت ضدّ اندلاع الحرب، وطالبت بمنح التفاوض أكبر الفرص وأطولها، مع الاستعداد للمشاركة في إنجاح المفاوضات.

وبينما غلّبت واشنطن الخيار العسكري، واعتمدته أشدّ وسائل التفاوض نجاعةً، من وجهة نظرها، فإنّ طهران عرقلت المفاوضات بعدما “اكتشفت” أن مضيق هرمز، في حال الاستيلاء عليه والتحكّم به، يشكّل مرفقاً استثمارياً عالي القيمة، يضاهي مردوده ما تنتجه الثروة النفطية، بل يتفوّق عليها. وهو ما تتضرّر منه عشرات الدول في عالمنا، وفي مقدمتها الصين، لا الولايات المتحدة فقط. وبذلك، تقامر إيران بمستقبل علاقاتها مع أغلبية الدول، ابتداءً بأقرب جيرانها الذين لم يقطعوا العلاقات الدبلوماسية معها، رغم التعدّيات الإيرانية الجسيمة التي تعرّضوا لها، من أجل الاحتفاظ بهامش يسمح بالتواصل مع طهران، من أجل تغليب خيار التفاوض على ما عداه. وهو الخطاب السياسي والدبلوماسي الذي حافظ عليه الأردن طوال فترة الحرب، ويفترق، بطبيعة الحال وكما هي حال الموقف الخليجي، عن الموقف الأميركي الذي يقوم على استخدام سائر الأدوات بما فيها الأداة العسكرية لانتزاع تنازلات من طهران على مائدة التفاوض، على الرغم من تعرّض الأردن لتعدّيات متتابعة، فبات سماع صافرات الإنذار مألوفاً في العاصمة عمّان.

وليس سرّاً أنّ الأردن يبدي حذراً شديداً من إيران، سابقاً على اندلاع الحربَين السابقتَين بفترة طويلة. فخلال العقدَين الماضيَين، اكتُشفت (وصُودرت) أسلحة من إيران كانت تتجه (أو اتجهت) إلى الأراضي الأردنية، وتعرّض الأردن إلى استفزازات شديدة حين كانت قوى إيرانية تتمركّز في الأراضي السورية بتغطية من نظام آل الأسد بالقرب من الحدود مع الأردن، علاوة على تنظيم تهريب المخدّرات باتجاه الأردن برعاية الطرفَين: النظام السوري المخلوع والقوّات الإيرانية.

وسعت طهران، مراراً، وبإلحاح شديد، إلى تنظيم سياحة دينية إلى الأردن، وهو ما رُفض، ذلك أنّ خبرة دول المنطقة، ومنها الأردن، تفيد بأنّ طهران لطالما استخدمت الشعائر الدينية لأغراض سياسية. وفي البال ما أقدمت عليه بعثة الحجّ الإيرانية من تنظيم مظاهرات سياسية ومذهبية في مكّة المكرمة، وذلك في مواسم متقطّعة للحج بين عامي 1982 و2011، مثل مسيرات “البراءة من المشركين”.

ومع التباين في الموقف من طهران في الأوساط الاجتماعية، فإنّ ما يوحّد الأردنيين التطلّع إلى وضع نهاية لهذه الحرب، وتوقّف الطرفين الأميركي والإيراني عن إبداء التشدّد الخطير، وعن المساس بسيادة دول المنطقة والإضرار بمصالحها.

* تم النشر بتاريخ 25 تموز 2026 على موقع العربي الجديد