سياسة مجتمع

تصريحات نتنياهو وكاتس تؤكد على مواصلة الاحتلال: اسرائيل “تزنر” كيانها بأراض منزوعة السلاح والسكان

د. زهير هواري

بيروت 19 أيلول 2026 ـ بيروت الحرية

ما أدلى به رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو من فوق قمم جبل الشيخ، وما أكد عليه وزير دفاعه يسرائيل كاتس وغيره من القادة العسكريين حول جنوب لبنان ومرتفعات علي الطاهر باعتبارها باتت ضمن الخط الأمني الاسرائيلي، يكشف عن مخطط يتجاوز مجرد انتهاز  جملة الظروف المؤاتية في اللحظة السياسية الراهنة، ليؤكد على أن التوجهات الفعلية لدى القيادة اليمينية بشقيها الصهيوني والتوراتي تتجاوز ما يعتبره البعض مجرد إضفاء طابع “عسكرة” على الانتخابات المقبلة التي باتت تقريبا على الأبواب، والتي يأمل الحكم الحالي أن يتمكن خلالها من العودة إلى سُدة السلطة في اسرائيل، حيث يتابع مشروعه الاستراتيجي المعلن بما هو إقامة مناطق محيطة منزوعة السكان والسلاح، علما أن الفريق المعارض انتخابيا لنتنياهو لا يختلف كثيرا عن سياسة خصمه تجاه كل من لبنان وسوريا والاردن، وبالتأكيد نحو فلسطين في كل من قطاع غزة أو الضفة الغربية .

الظاهر ما بعد علي الطاهر

ونبدأ من لبنان، كل المعطيات تؤشر إلى أن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر بعد قلعة الشقيف ما هي إلا حلقة في سلسلة مخطط متدرج نحو المزيد من التقدم إلى النبطية حاضرة جبل عامل، وكذلك باتجاه مرتفعات جبل الريحان والجرمق وكامل اقليم التفاح. وهذه كما أعلنت صحيفة “معاريف” مفتاح السيطرة على قرى وبلدات أقضية النبطية وجزين والخط الساحلي في صيدا والزهراني، انتهاء بالزحف نحو العاصمة بيروت. ولما كان جبل الريحان هو موقع محوري، فمن شأن السيطرة عليه أن تفتح الطريق نحو البقاع الغربي، الذي يصبح هو الآخر مطوقا بين فكي كماشة القوات الاسرائيلية المتموضعة في مواقع زحفها غربا من جهة أولى، وجبل الشيخ شرقا من جهة ثانية. هذا التطور لا يحدد كامل مسار الخطة الاسرائيلية التي تعمل على التمدد أيضا في الخط الساحلي الذي ينطلق من الناقورة ويتقدم نحو صور، لذا يعمد إلى تكثيف عملية تدمير المنصوري وما يجاورها من قرى وبلدات ، حيث تتعرض بيوتها وبنيتها التحتية للتدمير الكلي والقصف صبح مساء. وبذلك تهيمن اسرائيل حاليا على القسم الأكبر من جنوب لبنان، بعد أن استكملت بناء الخط الأصفر على امتداد الحدود. ويتبين أن هذه التحركات تنفذ في نطاق سياسة القضم المتدرج التي انطلقت من خط القرى الأمامية إلى قرى النسق الثاني ثم الثالث.

ويكشف هذا التقدم أن ما أشاعته اسرائيل عن نيتها الانسحاب من مرتفع علي الطاهر والتراجع للتمركز على جبهة يتراوح عرضها بين 2- 4 كلم في الاراضي اللبنانية لا هدف له سوى زرع الأوهام، وإيهام الكفيل الاميركي أن اسرائيل لا تنوي التوغل في الداخل اللبناني. وأنها ستتابع المفاوضات المقبلة بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي بكل جدية وبما يتجاوب مع اتفاق الاطار.

في الوقت نفسه يمكن تقديم ما يجري على الجبهة اللبنانية كتكملة للشروط الاسرائيلية المعلنة، والتي تبلغها لبنان مباشرة خلال المفاوضات، ومؤخرا بواسطة السفير الاميركي ميشال عيسى عندما ألح الأخير على ضرورة  الضغط على حزب الله للانسحاب من مواقعه وتسليم سلاحه، قبل مطالبة لبنان اسرائيل بالعودة إلى الحدود الدولية. يتوجب أيضا ربط هذه التطورات مع اقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية، ومعها يستطيع نتنياهو أن “يمنن” الناخبين، خصوصا في المستوطنات الشمالية أنه رفع عن رقابهم المخاطر التي كانت تتهددهم من خلال صواريخ حزب الله، ومواقعه سواء في الخط الأمامي المباشر أو المرتفعات الخلفية كقلعة الشقيف ومرتفع على الطاهر وما يجاورهما.

وبذلك تكرس القيادة الاسرائيلية مكاسب عسكرية على جبهة لبنان، وفي الداخل الاسرائيلي من خلال صناديق الاقتراع. وقد أعلن القادة السياسيون والعسكريون أكثر من مرة أنهم باقون في المناطق التي سيطروا عليها داخل الاراضي اللبنانية لتأمين ما وصفوه “حماية” الشمال. اذن تعتبر اسرائيل توغلها في الاراضي اللبنانية استكمال لتقدم استراتيجي في محيطها السوري والفلسطيني والاردني، ناهيك باستعدادها في حال الحصول على إذن السماح لها من واشنطن بالمشاركة في تنفيذ الهجمات على ايران عندما تقرر اميركا الموعد المفترض.

جبل الشيخ وطريق دمشق- بيروت

وما ذكره نتنياهو من جبل الشيخ، وسلسلة الممارسات الاسرائيلية في الجنوب السوري، تؤكد بما لا يدع  مجال الشك أن اسرائيل لم تقم بالسيطرة على هذه الجبال والهضاب لتعود وتتركها في القريب المقبل من الأيام. خصوصا وأن بلوغها هذه القمم الاستراتيجية بالغ الأهمية عسكريا ومائيا في الوقت نفسه. فالمعروف أن الجيش الاسرائيلي يسيطر بذلك على أخطر المواقع الاستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط بأسرها، والتي تتجاوز المثلث الحدودي لكل من سوريا ولبنان والاردن لتصل إلى تركيا. يجب أن نعطف أهمية هذه المواقع على ما قام به الجيش الاسرائيلي بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024 لجهة تدمير ما تبقى من سلاح وتحصينات ومواقع للجيش السوري في هجمات وصفت في حينه بأنها من أهم هجمات الطيران- والبحرية- التي شهدتها حروب المنطقة.

اذن كان التوغل في الجنوب السوري عملا مخططا يتجاوز الإفادة من الانهيار في الموقع السوري، للتحكم به على مدى العقود المقبلة من خلال فرض الشروط المجحفة عليه، وبما يطيح بالاتفاقات الموقعة مع النظام السوري السابق بعد وقف اطلاق النار في أعقاب حرب العام 1973. يجب أن يضاف إلى ذلك الغارة التي استهدفت مطار ابو الضهور في الشمال السوري وعلى مقربة من الحدود مع تركيا بما تتضمنه من رسالة تتجاوز القيادة السورية الحالية، لتصل إلى الرئيس رجب طيب اردوغان. رسالة  تقول بصريح العبارة إن سوريا أرضا وسماءً تقع تحت النفوذ الاسرائيلي وليس سواه. اذ ليس في الوارد قبول اسرائيل استبدال الهيمنة الايرانية التي أثخنتها غاراتها على مواقعها على امتداد الجغرافيا السورية ما مهد لهزيمتها. وعليه فحلول المظلة التركية محل الايرانية ليس في باب قبول هذا الوارد أو الحسبان. لذلك يتردد في العديد من الاوساط السياسية الاقليمية حديث متصاعد عن احتمال اندلاع حرب تركية اسرائيلية، بعدما نسجت اسرائيل تحالفا اقليميا مع كل من قبرص واليونان. وهي تحاول منع تركيا من ترسيخ نفوذها داخل سوريا، بالنظر إلى العلاقات التي تربطها بالحكم الحالي، الذي هو بأمس الحاجة إلى مساعدتها على مختلف الأصعدة، ولا سيما العسكرية والأمنية.

وعليه باتت  تل أبيب تسيطر على المرتفعات الاستراتيجية التي تطل على دمشق وجنوب سورية، وعلى المجال الممتد من جبل الشيخ إلى اليرموك، ومن هناك إلى البحر المتوسّط. ولكونها في مواقع مسيطرة على هذا النحو، فهي لن تقبل بأي حال من الأحوال بوجود عسكري أو قوة يمكن أن تغيّر أو تعدل ميزان القوى قرب مناطق سيطرتها القديمة والمحدثة، سواء جاءت من إيران أو من حلفائها أو من تركيا نفسها.

عاصمتان تحت مرمى النار؟

اذن توغلت اسرائيل في جنوب سوريا وترسل يوميا دورياتها ودبابتها إلى القرى السورية، وتبني مواقع عسكرية دائمة لجيشها في المناطق التي تعتبرها ضمن حزامها الأمني، وبذلك تزنر كيانها ومستعمراتها في الجولان المحتل والجنوب السوري بقوات قتالية جاهزة للتحرك ساعة تشاء. وبالنظر إلى ما هو عليه الوضعان اللبناني والسوري من الضعف العسكري تتحكم اسرائيل من خلال هذه المرتفعات الحيوية بالعاصمة دمشق التي لا تبعد عن مرتفعات جبل الشيخ سوى أقل من 40 كلم، هي مدى قذائف مدفعية الميدان الثقيلة، وكذلك يمكنها قطع خط بيروت – دمشق بسهولة في الوقت نفسه.

ولا تعود أهمية مرتفعات جبل الشيخ للتعزيزات العسكرية التي تتموضع فيها، بل إلى ما يمكن أن تنشيء في مواقعها المشرفة من منظومات مراقبة وانذار مبكر وتجسس وأجهزة رادارات متطورة تستطيع مراقبة كل حركة في كل من سورية وفلسطين ولبنان والاردن وتركيا حتى. يضاف إلى ذلك أن أسلحتها الجوية بطائراتها الحربية وصلت إلى طهران وصنعاء، وبالتالي لا صعوبة في دك ما تريده من أهداف في متناول صواريخها.

عامل إضافي يجعل اسرائيل تتشبث بهذه المرتفعات تتمثل في ما تقدمه لها هذه المرتفعات من تدفقات مائية. فجبل الشيخ يوصف بأنه “أبو المياه”، فالثلوج التي تغطيه معظم أشهر السنة تتحول إلى ينابيع تغذي جملة روافد الأنهر التي تهيمن عليها مع أنها تنبع من لبنان وسوريا والاردن. ودوما كانت الأدبيات الصهيونية قبل قيام الكيان وبعده تلح على أهمية هذه السيطرة، بما فيه تحويل مياه مجرى الليطاني الذي يعبر على بعد كيلومترات قليلة من سيطرتها عند جسر الخردلي، قبل أن ينحرف غربا نحو المصب في القاسمية.

وأهمية المياه تنبع من كونها ضرورة حيوية للاستيطان، إذ دون مياه لا محل لمزيد من المستوطنين والمستوطنات. ومن المعروف أن جبل الشيخ يشرف على جنوب لبنان ووادي التيم وسهل البقاع على نحو كامل، ومنه يطل على جبل الباروك وبالتالي طريق بيروت – دمشق في منطقة عين زحلتا – المديرج . وبذلك تصبح طرقات الجغرافيا اللبنانية مفتوحة لدى اتخاذ قرار ممارسة الضغط الميداني لفرض تنازلات سياسية.

على أن الوضع لا يقتصر على كل من لبنان وسوريا، بل أن الاردن نفسه يصبح هو الآخر ضمن المرمى الاسرائيلي الذي يتحكم بجزء من أراضيه القريبة من الجنوب السوري . ومن المعلوم أن اسرائيل طالما اعتبرت في مفهومها أن فلسطين التي يطالب بها الفلسطينيون هي الضفة الشرقية لنهر الاردن، ويمكن أن تعود لمقولة من هذا النوع اذا ما قررت تنفيذ عملية “ترانسفير ” واسعة لسكان الضفة الغربية، وهو ما تمارسه بأشكال متعددة ومتدرجة.

ومن هذا المدخل يمكن فهم ما يجري في الضفة  من ممارسات من ضمنها اعتداءات المستوطنين اليومية على المواطنين من سكان القرى والبلدات والمدن، وعلى البدو والمزارعين واتلاف محاصيلهم وقتل مواشيهم وتجريف منازلهم واقامة الحواجز( حوالي 1000 حاجز وعائق مرور)  وتقطيع شرايين المناطق المحتلة في الاقسام الثلاثة  أ وب وج ، واستعادة العمل على اقامة مشروع E1  لقسمة الضفة إلى قسمين وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، مع ما سبقه من طرقات التفافية ومصادرة الاراضي والسطو على أموال المقاصة لحرمان السلطة من مقدرات هي بأمس الحاجة إليها، وتشريع الاعتقالات الكيفية وتوسيع مشاريع الاستيطان واستباحة المدن وتدمير ثلاثة مخيمات وما شابه من ممارسات تصبح ضمن المخطط الاستراتيجي الاسرائيلي الذي يعتمد على إقامة أحزمة منزوعة السلاح والسكان في الدول المجاورة . وفي الوقت نفسه تحويل المناطق المحتلة مؤخرا إلى ترسانة مدججة بكل أنواع الأسلحة والذخائر، التي لا تقتصر على ما في ايدي الجيش النظامي، بل تتجاوزه إلى ما توزعه على عصابات المستوطنين.

أما في قطاع غزة فالتصريحات الاسرائيلية أكثر من معبرة وإن كانت مغلفة بالحديث عن التهجير الاختياري لسكانه، فإضافة إلى توسيع مناطق سيطرتها وراء الخط الأصفر الذي تجاوز نسبة الـ 70 % من مساحة القطاع، تنفذ اسرائيل غارات يومية على اشلاء المخيمات في أنحاء القطاع، وتمنع تنفيذ ما تنص عليه خطة ترامب من بنود، وتشترط قبل السماح بتزويد القطاع بالضروريات كالمحروقات للمحركات في المستشفيات ومحطات التكرير والأدوية ومن مأكل ومشرب أن تسلم حماس سلاحها، وتحول دون قيام مجلس السلام بدوره في الحد من آثار الكارثة التي تعرض لها أهل القطاع ، وتعتبر نفسها صاحبة الصلاحية التي تقرر قبول مشاركة هذه الدولة ورفض تلك، كما حدث مع بريطانيا مؤخرا وقبلها مع دول ليست على وفاق مع سياسة الإبادة والاقتلاع الصهيونية.