صحف وآراء مجتمع

المواطنة وإدراة تنوع الهويات الأهلية في لبنان

د. بول طبر

بيروت 19 أيلول 2026 ـ بيروت الحرية

أن نمتلك هوية هو أمر ضروري لنتمكن من المساهمة الذاتية في صناعة حياتنا ببعديْها الفردي والجماعاتي. وقد بيَّن لاكان، المحلِّل النفسي الفرويدي، أن تشكُّل هوية الطفل بعد ولادته، هي سيرورة تعتمد على التفاعل مع “الآخر”، وهي أساساً الأم خلال هذه المرحلة من عمر الفرد. واعتبر لاكان أن اكتمال هذه السيرورة هي الشرط الضروري ليبدأ الطفل في امتلاك هويته الذاتية للمشاركة في المجتمع الذي ينوجد فيه. هكذا تكون هوية الفرد المدخل الذي يلج من خلاله وعي الفرد ويفعل فعله.

ومع مرور الزمن، تكاثرت الهويات وتنوعت بسبب توسع التجمعات البشرية وتعدد المجتمعات وتجاربها المختلفة، الأمر الذي استدعى طرح قضية المفاضلة فيما بين هذه الهويات، وسبيل إدارة هذه التنوع بعيداً عن منطق الإقصاء والإستعلاء على “الآخر”.

ولمغادرة ما يبدو من سياق الكلام أعلاه أننا بصدد النظر إلى المجتمعات من زاوية الهويات التي تنتحلها، نسارع لمعالجة هذا الموضوع بالإستناد إلى الحالة اللبنانية، وتبيان أن الوقوف عند الخط الفاصل بين الهويات لا يسعفنا لا في مجال فهمها، ولا إدارتها بطريقة تجمع بين الإحتفاظ بها وتجاوزها نحو هوية جامعة وقابلة للتعايش مع غيرها من الهويات.

نبذ الإقصاء وقبول “الآخر”

كما ذكرت آنفاً، فإن امتلاك هوية ما هو شرط ضروري لإحداث التفاعل بين الأفراد والجماعات، إلا أن صفات هذه الهوية ووظيفتها في انتظام المجتمع بمختلف مجالاته السياسية والإقتصادية والإجتماعية، يظهر تأثيرها ودرجة هذا التأثير على بنية المجتمع، ومدى تماسك أفراده وتماسك الجماعات في داخله. ومن هذه الزاوية ينبغي مقاربة ظاهرة الهوية مع التركيز أولاً، على ضرورة الخروج من منطق الثنائيات (مع أو ضد الهوية). وثانياً، على اعتبار أن الهوية، كأي ظاهرة إجتماعية أخرى، هي منتَج إجتماعي – تاريخي. وبالتالي، فإنها لا تتصف بصفات جوهرية خارج المكان (المجتمع) والزمان (المرحلة التاريخية التي تظهر من خلالها).

في مجتمعنا اللبناني، تتداخل الهويات الأهلية (الطائفية والمناطقية والعشائرية والعائلية) في المجال السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وفي المؤسسات المترتبة على وجود هذه المجالات (الدولة، قطاعات الإنتاج والخدمات، التجمعات والمؤسسات الدينية والتربوية، إلخ..) . وينتج عن هذا التداخل علاقات تقوم على التفاوت في توزيع الفرص والإمتيازات والخدمات المتاحة للجماعات الأهلية والأفراد الذين ينتمون إليها.

وبسبب هذا التداخل والتفاوت المشار إليه، تنتعش العصبيات الأهلية نظراً لأهمية هذا التعصب (الإلتحام بلغة إبن خلدون) كشرط ضروري، إما للإحتفاظ بالمكاسب المحصلة سلفاً، أو لزيادتها مقارنة بالجماعة التي تنتمي إلى العصبية المنافسة لها. وعلى هذا الأساس، تسود الهويات الأهلية، وعلى رأسها الهوية الطائفية، ويتعرض المجتمع اللبناني لدورات من الحروب الأهلية (وقد أطلق عليها وضاح شرارة “حروب الإستتباع” تماشياً مع منطقها العصبوي والهادف لتحقيق الغُلب) الساخنة حيناً، والباردة حيناً آخراً.

كل ذلك حدث وما زال في إطار “الدولة اللبنانية” و”الوطن اللبناني” الذي تأسس عام 1920، ونال إستقلاله من الإنتداب الفرنسي عام 1943. غير أن طغيان العصبيات الأهلية وعلى رأسها العصبية الطائفية، واعتبارها معياراً مركزياً في الدولة والنظام السياسي في لبنان، وفي العديد من المجالات الإجتماعية والتربوية والأنشطة الإقتصادية، لم ينتج مواطنين وهوية وطنية جامعة، بل رعايا في جماعات أهلية. إضافة إلى تنظيمات سياسية همّها الأساسي هو التمسك بهويتها الأهلية، بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب والإمتيازات. ومن هنا يصح وصف الدولة في لبنان بأنها “غنيمة”، يتم التنافس والنزاع السياسي على اقتسامها بين زعماء الجماعات الطائفية وحلفائها. وفي خضم هذا التنافس والنزاع السياسي تُرْتكب أبْشع الممارسات بإسم الطائفة وغيرها من الولاءات الأهلية (القتل على الهوية خلال الحروب الأهلية على سبيل المثال)، وبذلك يتم تسْخير الرموز الدينية، وصولاً إلى “الله” “رب العالمين”، لأغراض لها علاقة بمصالح غير شرعية، ولا تمت بأي صلة للقيَم والتعاليم الدينية المعنية.

من هنا فإن نزع الوظيفة والدور السياسي للمعايير الأهلية، وعلى رأسها المعايير الطائفية في المجال السياسي والإقتصادي والإجتماعي العام، وحصرها في المجالات الخاصة يشكِّل الشرط الضروري ليس فقط لخلق وطن لبناني لمواطنين لهم الحقوق والواجبات المتساوية، وإنما أيضاً لحماية القيم والرموز الدينية من التلوُّث بالمصالح السياسية والمادية والإجتماعية.

وأخيراً، فإن إحلال الهوية الوطنية، والمواطنة بدلاً من الهوية الأهلية والإستتباع الأهلي-العصبوي، يحافظ على وحدة الدولة-الشعب التي من دونها لا مجال لجلاء الصراعات الإجتماعية، والسعي لتحقيق العدالة الإجتماعية عن طريق إلغاء الإستغلال الإقتصادي، وبناء نظام ديموقراطي فعلي تنتفي فيه السيطرة والتحكم بحرية المواطنين.