زكـي طـه
بيروت 27 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
إعادة إنتاج موازين القوى
أظهرت الأيام الأخيرة أن الولايات المتحدة وإيران تستطيعان وقف الضربات مؤقتاً وفتح قنوات دبلوماسية، بالتوازي مع استمرار الحشد العسكري والتهديد بالعودة إلى التصعيد، فيما يبقي الخلاف حول الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي وحدود الدور الإيراني من دون تسوية نهائية.
بهذا المعنى، لم يكن الضغط العسكري الاميركي بديلاً عن التفاوض، بل إحدى أدواته. ولا يختلف الامر مع التهديدات الإيرانية باستهداف المصالح الأميركية في بلدان المنطقة، أو تحريك القوى المرتبطة بها في ساحات أخرى، وغايتها، محاولة تلافي تلقي الشروط من موقع العجز الكامل.
كل طرف يستخدم ما لديه من عناصر القوة لتحسين موقعه وتقليص تنازلاته. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضبط البرنامج النووي الإيراني، ويؤمن الملاحة والمصالح الأميركية، ويحد من قدرة إيران وحلفائها المسلحين على التأثير في دول المنطقة. وطهران، تريد الحفاظ على موقع إقليمي يسمح لها بالدخول إلى أي تسوية بوصفها دولة لا يمكن تجاوزها، وليس قوة مهزومة تتلقى شروط الآخرين.
وعليه، ولأن شطب إيران أو إلغاء موقعها، أمر لا تسمح به الجغرافيا ولا حجم الدولة وقدراتها، أصبح الهدف الاميركي احتواء دورها وإعادة تعريف حدوده، وتقليص قدرتها على إدارة شبكة من الجماعات المسلحة العابرة للدول، وإعادة إدخال نفوذها في ترتيبات تحكمها موازين القوى الجديدة.
ضمان أمن اسرائيل وتفوقها
ولا تنفصل هذه المواجهة عن عملية أوسع لإعادة تركيب النظام الإقليمي. فالتعاون النووي المدني الأميركي ـ السعودي، وتوسيع العلاقات الأمنية مع دول الخليج، وإعادة تنشيط مشاريع التطبيع، ومحاولات دمج إسرائيل في شبكة اقتصادية وأمنية إقليمية، كلها تشكل عناصر في بناء توازن جديد لا تزال ملامحه النهائية موضع صراع.
غير أن المشروع الأميركي ينطوي على تناقض واضح. فهو يسعى إلى إدماج إسرائيل في المنطقة وتوسيع الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها، من دون فرض نهاية للاحتلال أو تسوية جدية للقضية الفلسطينية. بينما تواصل الحكومة الإسرائيلية رفض أي مسار يفضي إلى قيام دولة فلسطينية فعلية، وتسعى إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى حق دائم في فرض الشروط والمناطق الأمنية وإضعاف الدول المحيطة.
لذلك لا تمثل الاتفاقات الإبراهيمية، بصيغتها الحالية، مشروع سلام إقليمي، بل محاولة لإعادة تنظيم علاقات دول المنطقة مع إسرائيل، من دون معالجة أصل الصراع المتمثل بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
كما أن التطابق بين المشروعين الأميركي والإسرائيلي ليس مطلقاً. فالولايات المتحدة تريد ضمان أمن إسرائيل وتفوقها، لكنها لا تريد أن تؤدي الحروب الإسرائيلية المفتوحة إلى استنزاف قوة واشنطن، أو تهديد الطاقة والممرات البحرية وعلاقاتها مع الدول العربية. في المقابل يريد اليمين الإسرائيلي، استثمار اختلال القوى القائم لتوسيع حدود القوة الإسرائيلية، وفرض وقائع أمنية وسياسية تمس سيادة الدول واستقلال قرارها.
وهذا التمايز لا يجعل واشنطن وسيطاً محايداً، لكنه يؤكد ضرورة ألا تخلط الدول العربية بين الاستفادة من الدور الأميركي وبين الارتهان لأولوياته.
طموحات تركيا الاستراتيجية
وفي موازاة تراجع النفوذ الإيراني، تتحرك تركيا لتوسيع موقعها في سوريا والعراق وشرق المتوسط. وهي لا تتصرف كوسيط مجرد، بل كقوة تمتلك مشروعاً استراتيجياً قائماً على موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والاقتصادية، وطموحها إلى التحول إلى عقدة أساسية في طرق الطاقة والتجارة بين الخليج وآسيا وأوروبا.
وإذا كانت أدوات تركيا تختلف عن أدوات إيران وإسرائيل، فإن مشروعها لا يخرج عن منطق توسيع النفوذ وملء الفراغ. فهي تتقاطع مع الولايات المتحدة في احتواء إيران، وتتنافس مع إسرائيل على موقع القيادة الإقليمية، وتحتفظ باستقلالية نسبية تتيح لها بناء علاقات متحركة مع الخليج وسوريا والعراق.
ومن هنا، لا تختصر الخيارات العربية بالوقوف إلى جانب إيران أو إسرائيل. كما لا تكمن المصلحة العربية في استبدال النفوذ الإيراني بنفوذ تركي. المسألة الأساسية هي قدرة الدول العربية على إنتاج مواقعها المستقلة، وبناء دول وطنية قادرة، بدل التحول إلى ساحات تتقاسمها مشاريع الهيمنة المتنافسة.
اختبار دعم واشنطن وشروط اسرائيل
يقع لبنان في قلب هذا المشهد، بسبب موقع حزب الله في الاستراتيجية الإيرانية، وبسبب اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، باعتباره أحد مسارات إعادة تنظيم الأمن والنفوذ في المنطقة.
وقد أعطت زيارة الرئيس جوزف عون إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس دونالد ترامب دفعاً سياسياً للمسار القائم، إذ جرى التأكيد على دعم الدولة اللبنانية، وعلى ترابط مسألتي الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة. غير أن هذا الدعم لا يعني أن واشنطن تبنت الأولويات اللبنانية كاملة، أو أنها مستعدة لفرض انسحاب إسرائيلي غير مشروط.
فالسياسة الأميركية لا تنظر إلى لبنان من زاوية حقوقه الوطنية فقط، بل من زاوية المواجهة مع إيران وأمن إسرائيل أيضاً. ولذلك ينبغي للدولة اللبنانية أن تستفيد من أي دعم متاح، وعدم بناء استراتيجيتها على ضمانات غير قائمة، أو القبول بشروط تمس السيادة وحرية القرار.
وقد شكل انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية بعد الانسحاب الإسرائيلي منها خطوة ذات دلالة سياسية ووطنية. فهو أثبت، ولو في نطاق محدود، أن انتقال الأرض إلى سلطة الجيش ممكن، وأن الدولة تستطيع أن تصبح المرجعية الأمنية الوحيدة عندما يتوافر الانسحاب والقرار السياسي والإمكانات التنفيذية. لكن حجم الدمار الذي وجده الجيش، واستمرار الاحتلال في المناطق المجاورة، وعمليات التفجير وإطلاق النار الإسرائيلي قرب وحداته، كشف في الوقت نفسه هشاشة المسار وشروطه المعقدة.
وما جرى في زوطر الغربية لا ينبغي التعامل معه باعتباره إنجازاً نهائياً، ولا التقليل من دلالته. فهو نموذج أولي يثبت إمكان الربط بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش واستعادة سلطة الدولة. لكنه يكشف أيضاً أن إسرائيل تريد تحويل الانسحاب التدريجي إلى أداة ضغط، وربطه بشروط أمنية وسياسية تتجاوز حق لبنان الطبيعي في استعادة أرضه.
ويتأكد ذلك مع استمرار عمليات التدمير داخل المناطق المحتلة، وتصعيد الشروط الإسرائيلية قبل استئناف المفاوضات. فإسرائيل لا تتعامل مع الاحتلال باعتباره وضعاً مؤقتاً يجب إنهاؤه، بل كورقة تفاوضية تستخدمها لفرض ترتيبات تمس السيادة اللبنانية وحرية الدولة في إدارة أرضها وحدودها.
في المقابل، يواجه حزب الله مسؤولية لا تقل خطورة. فمنذ توقيع اتفاق الإطار لم يسجل عملاً عسكرياً ضد إسرائيل، ما يؤكد عملياً أن قرار وقف العمليات ممكن عندما تفرضه الحسابات السياسية والإقليمية. ويختلف الامر مع المصلحة الوطنية اللبنانية، ولذلك يستمر في رفض التنسيق الجدي مع الجيش حول سحب السلاح، ويحتفظ بربط وظيفته العسكرية باحتمال تجدد الحرب على إيران.
وهنا يظهر التناقض الأساسي: إذا كان الحزب قادراً على وقف عملياته طوال هذه الفترة، فلماذا لا ينتقل إلى معالجة وطنية منظمة لمسألة السلاح؟ وعندما يعلن أن عملياته يمكن أن تستأنف دفاعاً عن إيران، فإنه يعيد تأكيد أن قرار الحرب والسلم لا يزال مرتبطاً بصراع إقليمي لا يملكه اللبنانيون.
إن ربط السلاح بالحرب على إيران يحول لبنان إلى ورقة تفاوضية، ويمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة الاحتلال والعدوان، ويضعف موقع الدولة والجيش في المطالبة بالانسحاب. وفي الوقت نفسه، فإن الاحتلال الإسرائيلي لا يبرر احتفاظ حزب سياسي بقرار الحرب، كما أن وجود السلاح خارج الدولة لا يبرر الاحتلال أو يمنح إسرائيل حق فرض شروطها.
لذلك لا ينبغي وضع الانسحاب وحصر السلاح في علاقة تعطيل متبادل. الأولوية الوطنية هي انسحاب إسرائيل الكامل، ووقف الاعتداءات والتدمير، وعودة النازحين، وانتشار الجيش في جميع الأراضي المحررة، بالتوازي مع خطة لبنانية واضحة ومتدرجة لحصر السلاح بيد الدولة.
وتتحمل الرئاسة والحكومة مسؤولية حماية هذا الترابط. فلا يجوز تقديم حصر السلاح بوصفه تنفيذاً لإملاء أميركي أو استجابة لشرط إسرائيلي، بل باعتباره جزءاً من إعادة تأسيس الدولة واستعادة سيادتها. كما لا يجوز تحويل الرهان على واشنطن إلى بديل من وحدة الموقف الداخلي أو من بناء قدرة تفاوضية لبنانية مستقلة.
إن شعار إسقاط اتفاق الإطار ووقف التفاوض لا يقدم بديلاً عملياً. فالتفاوض، في ظل اختلال ميزان القوى، يمكن أن يكون أداة لاستعادة الأرض والحقوق، شرط أن تحكمه ثوابت وطنية واضحة، كي لا يتحول إلى تطبيع مجاني أو إلى قبول بوصاية أمنية إسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز التعامل مع اتفاق الإطار كأنه ضمانة قائمة بذاتها. فقيمته تتحدد بنتائجه العملية: مقدار ما يحققه من انسحاب، ووقف للاعتداءات، وانتشار للجيش، وعودة للأهالي، واستعادة لسلطة الدولة.
إدارة الصراع لا تلغي الحاجة إلى مشروع وطني
تؤكد التطورات الراهنة أن المنطقة تعيش مرحلة طويلة من إدارة الصراعات وإعادة توزيع القوة، لا مرحلة تسويات نهائية وسلام مستقر.
قد تتوقف الضربات وتستأنف المفاوضات، ثم يعود التصعيد من جديد. وقد تتقدم التسويات الجزئية في ساحة، بينما تتسع المواجهة في ساحة أخرى. فالسمة الأساسية للمرحلة هي تداخل الحرب والتفاوض، لا تعاقبهما.
ولا تكمن المصلحة العربية في الانخراط في الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ولا في الدفاع عن مشروع إيران الإقليمي وجماعاته المسلحة، ولا في استبدال تراجع نفوذها بتفوق إسرائيلي أو تمدد تركي.
القضية ليست الاختيار بين هيمنات متنافسة، بل بناء دول وطنية قادرة على حماية مجتمعاتها، وضبط حدودها وسلاحها، وإقامة علاقات متوازنة مع محيطها، ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات حرب أو أوراق تفاوض.
أما لبنان، فلا يستطيع الانفصال عن تحولات المنطقة، لكنه يستطيع أن يرفض التحول إلى امتداد لها. ولا يمكنه الخروج من تداعيات الصراع الأميركي ـ الإيراني بقرار لفظي، لكنه يستطيع فصل قراره الوطني عن حسابات المحاور، وجعل الدولة المرجعية الوحيدة للتفاوض والدفاع والسيادة.
إن ما يجري في الجنوب، وما تحقق في زوطر الغربية، وما يواجهه مسار التفاوض، كلها وقائع تضع لبنان أمام اختبار واحد: إما أن ينتج موقعه الوطني ويستعيد أرضه وقراره وسلاحه الشرعي، وإما أن يبقى موضوعاً لمساومات يصنعها الآخرون.
ولا سبيل للخروج من هذا المأزق إلا بإنهاء الاحتلال، وحصر السلاح، وتحصين الوحدة الوطنية، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية القادرة.
