سياسة مجتمع

 في لحظة مذكرة التفاهم الأميركي ـ الإيراني: لبنان ساحة مفتوحة على إعادة التوازنات

زكـي طـه

بيروت 15 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، حتى وإن لم يُوقّع الاتفاق النهائي بعد. فما يجري فعلياً لا يبدو تسوية مكتملة النصاب، بقدر ما هو انتقال تدريجي من إدارة الصراع المفتوح إلى إدارة التوازنات وضبط الاشتباك. والمؤكد لغاية الآن، أن هذا الانتقال لا يزال هشّاً وغير محسوم، ما يعني بقاء الإقليم في حالة وسطية معقّدة: لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل منطقة رمادية تُعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك وحدود النفوذ.

في هذه اللحظة الانتقالية، لا تتحرك الدول الإقليمية فقط ضمن ما يُرسم لها، بل تسعى كل منها إلى توسيع هوامش المناورة أو تقليص الخسائر أو تثبيت مواقعها. غير أن لبنان، كعادته في المراحل المفصلية، لا يقف كطرف فاعل في التفاوض، بل كمساحة مفتوحة لتلقي انعكاسات نتائجه.

لبنان خارج التفاوض وداخل التأثير

المفارقة الأساسية أن لبنان ليس جزءاً من طاولة التفاوض الأميركي ـ الإيراني، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الساحات قابلية للتأثر بمخرجاته. هذا الوضع يعيد إنتاج معادلة تاريخية مأزومة: لبنان ساحة وليس دولة تفاوض.

فالقرارات الاستراتيجية تُصاغ في مستويات بعيدة، والمرجح إن انعكاساتها ستترجم في لبنان على شكل توترات أمنية أو رسائل ميدانية أو توازنات داخلية هشّة. وهذا ما يجعل البلاد عرضة دائماً لارتدادات لا تملك أدوات التحكم بها.

إسرائيل بين التفاوض وفرض الوقائع

في المقابل، تبدو إسرائيل في موقع مزدوج: فهي من جهة تراقب أي تفاهم أميركي ـ إيراني محتمل، وتحاول التأثير في مضمونه بما يضمن أمنها الاستراتيجي، ومن جهة أخرى لا تستبعد اللجوء إلى فرض وقائع ميدانية إذا رأت أن التسويات لا تلبي شروطها.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى لبنان كملف مستقل، بل كجزء من منظومة الردع الإقليمي. ما يعني أن أي تصعيد أو احتواء لا يُقاس فقط بحدود الجبهة اللبنانية، بل بموقعها داخل التوازن الأوسع بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة.

إيران وحزب الله وإدارة النفوذ

في حال اتجهت الأمور نحو تفاهم إيراني ـ أميركي، فإن إيران ستكون أمام أولوية إعادة ضبط كلفة انتشارها الإقليمي، والتركيز على تثبيت مكتسباتها بدلاً من توسيعها. وهذا التحول، إن حصل، ستكون له انعكاسات مباشرة على ساحات النفوذ المرتبطة بها، وفي مقدمتها لبنان.

في هذا السياق، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على موقعه ودوره ضمن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، التي لم تعد تتضمن تحرير القدس ومساندة غزة. وفي الوقت نفسه إعادة انتاج عوامل قوته في مواجهة تعقيدات الداخل اللبناني وتزايد كلفة الاستنزاف السياسي والاقتصادي والأمني.

وهكذا، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم سريع، بل نحو إعادة توازن غير معلن في وظائف القوى الفاعلة وأدوارها، بما في ذلك إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين السلاح والدولة في لبنان، من دون أن يعني ذلك تسوية نهائية أو حلاً قريب المدى.

الدولة اللبنانية الغائبة

في قلب هذه المعادلة، تكمن الأزمة اللبنانية الحقيقية: غياب الدولة بوصفها كياناً قادراً على إنتاج قرار سيادي مستقل. فالدولة اللبنانية، في حالتها الراهنة، لا تمتلك: استراتيجية خارجية واضحة، ولا احتكاراً فعلياً لقرار الحرب والسلم، ولا قدرة تفاوضية حقيقية مع المحيط أو مع القوى الدولية.

وبذلك، لا يدخل لبنان المرحلة الجديدة بوصفه دولة ضعيفة فحسب، بل بوصفه دولة غير مكتملة القرار. وهو ما يجعله أكثر عرضة من غيره لتقلبات المرحلة الانتقالية  وانعكاساتها على أوضاع  الإقليم.

مرحلة لا حرب فيها ولا تسوية

تجمع المعطيات المتوافرة على أن المنطقة تدخل مرحلة لا هي حرب مفتوحة شاملة، ولا هي تسوية مستقرة ونهائية، بل هي مرحلة إدارة صراعات مضبوطة ومؤقتة، تتغير فيها أدوات الضغط، وتتبدل فيها خرائط النفوذ، من دون أن تتبلور قواعد ثابتة.

في هذه البيئة، يصبح لبنان أحد أكثر الساحات حساسية، لأنه يفتقر إلى عنصر الحماية الأساسي: القرار الوطني الموحد.

 لبنان في قلب التحولات لا في موقع الفعل

وعليه يمكن القول بأن اللحظة الراهنة  تنطوي على  سمات أساسية ثلاث:

أولاً، اتفاق أميركي ـ إيراني محتمل أو قيد التشكل، لا يزال غير مكتمل، لكنه يفتح الباب أمام إعادة توزيع أدوار إقليمية.

ثانياً، استمرار احتمال التصعيد أو التهدئة الموضعية، خصوصاً في الساحة اللبنانية، وفقاً لتطورات التوازنات الإقليمية.

ثالثاً، هشاشة لبنانية بنيوية تجعل البلاد أكثر عرضة من غيرها لأن تكون ساحة اختبار أو ضغط أو توازن، بدل أن تكون طرفاً فاعلاً في صياغة مستقبلها.

في المحصلة، لا يبدو لبنان أمام تسوية قريبة تنتشله تلقائياً من أزمته، ولا أمام انفجار حتمي شامل. بل أمام مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة إدارة صراع إقليمي غير محسوم، يُعاد خلالها توزيع الأدوار، فيما يبقى لبنان، جراء غياب مشروع وطني جامع، أحد أكثر المواقع انكشافاً في المنطقة.

إن الخطر الأساسي لا يكمن فقط في طبيعة الاتفاقات الإقليمية أو في حدود التصعيد الإسرائيلي، بل في استمرار العجز اللبناني عن التحول إلى دولة مكتملة السيادة والقرار. فالدول التي تمتلك مشروعاً وطنياً قادراً على تنظيم تناقضاتها تستطيع التكيف مع التحولات، أما الدول التي تبقى منقسمة على ذاتها، فتتحول إلى ساحة لإدارة تناقضات الآخرين.

وهنا، تتحدد خطورة المرحلة المقبلة: لبنان ليس خارج التحولات، بل في قلبها، لكنه حتى الآن خارج دائرة الفعل فيها، ينتظر احتمالات التسوية التي يقررها الخارج وفق توازنات القوى المتداخلة، طريقاً للخروج من مسارات الانهيار والدمار الحاشدة بالمفاجآت والمخاطر.