سياسة مجتمع

طموحات اسرائيل الكبرى تشعل لبنان وفلسطين وسوريا الاصرار على الاحتلال والهيمنة يعني حروب “المائة عام”

الدكتور زهير هواري

بيروت 14 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لا تختلف تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تصريحات وزير حربه يسرائيل كاتس، لجهة التأكيد من كليهما على استمرار الاحتلال الاسرائيلي للمناطق التي سيطر عليها جيشهما في كل من لبنان وسوريا وقطاع غزة والهيمنة على ما هو أبعد منها. ما يعني أن اسرائيل لا تفكر بالانسحاب من المناطق الصفراء التي احتلتها في جنوب لبنان، وربما توسيعها قريبا لتشمل مناطق اضافية أقرب في قضائي صيدا وجزين. وهي مناطق تقع شمال نهر الزهراني، باعتبار أن جنوب الليطاني بات من باب تحصيل الحاصل في مرمى اطماعها. اذ تقع المناطق الممتدة من الخيام وكفرشوبا في القطاع الشرقي إلى الناقورة وما يجاورها في القطاع الغربي تحت سطوتها.

أما في القطاع الاوسط فقد أصبحت القوات الاسرائيلية على مبعدة لا تزيد عن ثلاثة كيلومترات عن مدينة النبطية بعد احتلال قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر. وبذلك تصبح كل حواضر الجنوب تحت الاحتلال المباشر او السيطرة النارية ونقصد بذلك الخيام وبنت جبيل وصور والنبطية وصيدا وجزين. وخلاف ما يظن البعض أن اسرائيل تستهدف من هجومها حماية مستوطناتها الشمالية، يتأكد أن الهدف الفعلي هو الإمساك بزمام الهيمنة على جغرافية لبنان سياسيا وأمنيا وبما يتجاوز التخلص من حزب الله وصواريخه ومسيَّراته.

ومن باب الذكرى فقط نشير إلى أن عملية سلامة الجليل في العام 1982 التي انتهت بالاجتياح والغزو المعروف، تمت شعار حماية مستوطنات أصبع الجليل من قذائف كاتيوشا القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية، فإذا بها تصل بالتداعي إلى بيروت، وتحتل ما يتجاوز الـ 40 كيلومترا التي أعلن يومها وزير الدفاع الاسرائيلي ارييل شارون أنه لن يتجاوزها.

والآن تبدو الذريعة مشابهة تماما، فحماية مستوطنات الشمال واعادة سكانها إليها هو الجزء الظاهر من هجوم حربي بدأ من حدود اتفاقية الهدنة التي جرى توقيعها عام 1949، ويمكن أن تصل إلى حيث يستطيع الجيش الاسرائيلي بآلة حربه أن يصل. أي يمكن تجاوز التدمير بالنار مدن صور والنبطية اليوم وغدا صيدا وجزين، وتتابع التقدم نحو العاصمة بيروت، كما جرى التصريح بذلك مرات متعددة. مع فوارق أبرزها أنه هذه المرة يعمل على دفع السكان اللبنانيين من القرى والمدن أمامه بينما لم يفعل ذلك سابقا، ما ساعد مقاتلو جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على اطلاق عملياتهم ضد قواته.

هذا ولم نتحدث عن احتمال وضع الضاحية والعاصمة بيروت تحت مرمى النار اليومية، وهو ما يطالعنا به نتنياهو وجيشه بذرائع شتى. وكذلك منطقتي بعلبك – الهرمل شمال لبنان. وهو ما لا تتحدث عنه التقارير كثيرا، علما أن القصف شبه يومي أيضا للبقاع الغربي وكل من مشغرة وسحمر وقرى المنطقة الجنوبية من هذا القضاء. تقريبا يمكن القول إن نصف لبنان في مرمى النار الاسرائيلية من خلال طيرانها الحربي والمسيّر ونار مدفعية الميدان والدبابات. كل هذا ولم نتوقف عند عمليات التدمير وإبادة الاقتصاد الزراعي والحرفي والتجاري في المناطق المستهدفة بالعدوان الدائم منذ حوالي 3 سنوات.

والواضح أن التوجهات الحربية الاسرائيلية حيال لبنان باتت شبه محسومة، ما دامت قد حصلت على الضوء الأخضر من الرئيس الاميركي الذي تُجيز “روشاتته” “العمليات الجراحية الدقيقة التي تستهدف حزب الله في لبنان”. وهو ما يتقاطع مع رفض كل من ايران وحزب الله لأي من الاتفاقات التي تفتح على وقف اطلاق النار من خلال المفاوضات المباشرة. ما يعني أن لبنان سيعيش في “بيت النار” مدة اضافية، ما دامت الاطراف المقاتلة بما هي اميركا واسرائيل وايران وحزب الله لم تحقق بعد أهدافها الكاملة. ومن ضمنها بطبيعة الحال ارغام حزب الله على تسليم سلاحه ولبنان على التطبيع والرضوخ، هذا إذا لم تتطور الأمور نحو ما هو أفدح. والملفت أن حزب الله يتصرف وكأن مصير البلد والطائفة لا يعنيه من قريب أو بعيد خلاف توجه الفصائل العراقية التي قررت بمعظمها التخلي عن سلاحها وتسليمه للدولة العراقية والإكتفاء بالعمل السياسي.

بالانتقال إلى قطاع غزة نجد أن اسرائيل تعتمد سياسة القضم، مع ما يرافقها من دفع الغزيين الباقين أحياء نحو حافة البحر المتوسط، ضمن شريط بات أضيق من خط بين الرمل والماء. ومع أن مصير القطاع كان موضع مؤتمرات دولية واقليمية معروفة، وتشكل مجلس سلام لإعادة بنائه برئاسة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، إلا أن انجازا واحدا لم يتحقق على صعيد استعادة زمام الأمور وانتزاعها من قواعد الحرب المفروضة على سكانه والذريعة هنا أيضا سلاح حركة حماس. بالعكس ما يحصل تماما، فقد ارتفعت نسبة الارض المسيطر عليها اسرائيليا بموجب الخط الاصفر من 50 % إلى أكثر من 65% . أي أن اسرائيل افادت من المناخ الذي وضع مصير القطاع في يد اميركا لتوسيع مناطق سيطرتها، ومن أجل حشر الفلسطينيين في “علبة سردين” صفراء صغيرة، ريثما يتوفر لهم طريق خروج نحو البلاد القريبة والبعيدة.

وبذلك يتحقق الطموح الاميركي – الاسرائيلي بتحويل القطاع إلى منطقة سياحية تضاهي الشواطئ الاوروبية المشمسة مع ما تجتذبه من خدمات وقطاع فندقي. أما مصير سكانه فتتحدد وظيفتهم بتأمين الخدمات اللازمة للأثرياء الذي يقصدونه. يجب أن نعطف ما يخطط لقطاع غزة بما يجري تنفيذه في الصفة الغربية أيضا. إن اصدار قانون باعدام الأسرى وسن المزيد من القوانين للسيطرة على اراضي المواطنين الفلسطينيين، وتوسيع نطاق المستوطنات واطلاق المستوطنين للاعتداء على السكان ونهب اقتصادهم وتدمير مقومات عيشهم، كل هذا حلقة في سياق متكامل يجري العمل على تنفيذه ليل نهار.

حيال سوريا تبدو الأوضاع أيضا بالغة التعقيد، وإن كانت ترتبط بمنظومات الصراع التي تدور على صعيد المنطقة، بما فيه الصراع الاميركي ـ الايراني، ومضاعفات قضية المفاعلات النووية الايرانية، واقفال مضيق هرمز وتأثيراته على الاقتصادات العالمية، ناهيك على نتائجه المحتملة على الناخبين الاميركيين والتركيبة الداخلية الايرانية بعد مقتل الصف القيادي الأول وعلى رأسه الولي الفقيه المرشد على الخامنئي. وهو ما لا يغير فيه الاتفاق الذي جرى التوصل إليه أخيرا بوساطة باكستانية.

لكن وضع المنطقة لا يقتصر على اللاعب الايراني من خلال أذرعه في كل من لبنان والعراق واليمن بعد خسارته سوريا، إذ هناك العامل التركي الحاضر بقوة في سوريا وإلى حد ما بلبنان، والذي يرى في التوسع الاسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان خطرا على مصالحها في عموم المنطقة. ولعل التصريح الذي أدلى به نتنياهو عندما تحدث عن “الخطر السني الماثل أمامنا بعد التخلص من الخطر الشيعي الذي مثلته ايران وأدواتها”، يعبر عن الجموح الاسرائيلي نحو فرض سيطرتها على المنطقة، والتصدي لأي قوة اقليمية يمكن أن تشكل خطرا على هذه الهيمنة.

ولعل ما أعلن عنه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عندما تحدث عن أن أمن بلاده هو من أمن فلسطين وسوريا ولبنان، فضلا عن ادانته مسلسل المجازر الاسرائيلية في فلسطين، هو تعبير عن تواصل حلقات الأمن الحيوي للدولة التركية في الدول العربية الملاصقة. وهو ما سبقته اسرائيل عندما قامت بالسيطرة على المرتفعات الجبلية السورية في جنوب البلاد وصولا إلى بعد كيلومترات قليلة من العاصمة دمشق. مستفيدة من الانهيار الذي أعقب رحيل بشار الأسد عن سوريا، وترك المناطق الحدودية لقمة سائغة للاطماع الاسرائيلية. وهو ما تبعه تدمير سلاح الجو الاسرائيلي ما كان قد تبقى من أسلحة وتجهيزات وترسانة عسكرية سورية، في أوسع غارات شهدتها المنطقة في تاريخها.

وكل هذه فتحت الأعين التركية على المخططات الاسرائيلية تجاه سوريا وخطرها على تركيا نفسها، إذ أن أي تقدم اضافي اسرائيلي من شأنه أن يدفع بعدة ملايين من السوريين خصوصا نحو تركيا كما حدث عندما زحفت ملايين السوريين في أعقاب الحرب الأهلية نحو الداخل التركي متسببة بأزمة نزوح كبرى. ولا شك أن وضع اسرائيل لكل من دمشق وحلب وبيروت وطرابلس تحت رحمة “مطرقة” جيشها، من شأنه أن يحدث انقلابا دراماتيكيا على صعيد شرقي المتوسط، كونه  يضع العاصمة التركية أنقرة في مرمى التهديد المباشر.

والمؤكد أن تركيا ومنذ انفجار الوضع في سوريا في العام 2011، كانت على تماس مع أوضاعها، ليس من خلال جموع النازحين الذين قدرت بعض الاوساط عددهم يومها بحوالي خمسة ملايين، بل ضمن محاولاتها المتكررة لصياغة حلول سياسية تقود إلى ضبط الأوضاع عند حدودها التي تحفظ الكيان السوري،  وهو ما لم يوافق عليه بشار الأسد مدعوما من كل من ايران وروسيا مما أطال من عمره عدة سنوات. ومن المعروف أن سقوط بشار الأسد وتوحيد الفصائل العسكرية وتسليحها كان في جانب منه قراراً تركياً بتغطية اميركية وغض نظر اسرائيلي، بعدما ضاقت هذه الاطراف وسواها ذرعاً بسياسة وجرائم الأسد الابن وبنتائج وانعكاسات الوضع السوري على المنطقة برمتها، وفي مقدمها تركيا التي تطمح إلى تكريس نفوذها في “بلاد الشام” بما تعنيه من كيانات.

وعليه يمكن القول إن رعاية تركيا لنظام أحمد الشرع يهدف في جانب منه إلى تأمين استقرار سوريا، والحفاظ على بنية وحدة المجتمع والبلاد كي لا يقود انفراطها إلى مضاعفات على الداخل التركي. وهو ما يسمح  بتأمين المناخ اللازم للشروع في اعمار البلاد بعد الخراب الواسع الذي شمل أجزاءها وسائر قطاعاتها. علما أن لا إمكانية لتحقيق مثل هذه الخطوة في ظل التهديد الاستراتيجي الاسرائيلي الدائم، مضافا إليه التلاعب بالبنية الداخلية السورية في الجنوب أو الشمال.

إن ما ذكره أردوغان وما يكرره الشرع حول النهوض الاقتصادي وأهمية معالجة الملفات الخدماتية والمعيشية المفتوحة والملحة في البلاد، والتي تتفاقم يوما بعد يوم، وتحول دون عودة النازحين منها من تركيا ولبنان والاردن وفي الخارج، يظل معلقا باعتبار أن الاستثمارات والدعم لن يصل إلى بلاد تعاني من اشكاليات كبرى ضمن أوضاع عالية المخاطر، سواء على الصعيد السياسي والأمني داخليا أو على الصعيد الاقليمي. ولعل ما ينطبق على سوريا أشد انطباقا على لبنان الذي يقع يوميا تحت ضغط آلة الحرب الاسرائيلية بدليل قراراته بارغام عشرات القرى والبلدات على مغادرتها، يحدث هذا وسط أزمات متداخلة على مختلف الأصعدة.

وبالاختصار، ستظل المنطقة بكياناتها ودولها وشعوبها في حال قصوى من الاضطراب الشامل التي تشبه حروب المائة عام التي عاشتها أوروبا، ما دامت الطموحات التوسعية الاسرائيلية منفلتة من كل عقال بدعم ورعاية أميركية بطبيعة الحال.