صحف وآراء مجتمع

  لكن ما الذي قاله بيان إمام النبطية؟

* محمود وهبة

قد يكون أهم ما في بيان إمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق أنه كُتبَ بلغةٍ بعيدة عن الحرب. كُتبَ في لحظة تتكاثر فيها الشائعات والتسريبات والتقارير المنسوبة إلى مصادر غربية مجهولة. اختار إمام النبطية أن يتحدث عن المدينة البعيدة عن الجبهة، وعن الناس كناس عاديين غير مقترنين بالسّلاح، وعن تاريخ النبطية الخارج على  الخرائط العسكرية.

ليس تفصيلاً أن يأتي التقرير الإعلامي متحدثاً عن بنية تحتية عسكرية ضخمة وأنفاق هائلة تحت مدينة النبطية. هذه الروايات الغربيّة لا تُنتج عادةً في الفراغ، إنما تأتي كمقدمة قبل أن يُستهدف المكان، ولربما تصبُّ في خانة إعادة تعريفه قبل أن يُدمّر. إعادة تعريفه بحيث يتم تجريده من صفته المدنيّة.

مع هذا الخطاب تتحوَّل مدينة كاملة إلى هدف محتمل، ويُختزل تراثها إلى تفصيل هامشي داخل رواية أمنية أكبر.

لربما من هنا تحديداً تنبع أهمية بيان إمام النبطيّة. لم يكتفِ الشيخ عبد الحسين صادق بنفي الرواية المركّبة، إنما تخطّى ذلك إلى مرحلة الطعن في منطقها كله. كيف يمكن لمدينة مفتوحة تعجّ بالأسواق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات والأحياء السكنية أن تخفي تحتها تلك المدينة العسكرية الأسطورية التي يجري الحديث عنها؟ وكيف يمكن لمدينة عاشت عقوداً من الحركة الاجتماعية والاقتصادية اليومية أن تتحوَّل فجأة إلى مجرَّد غطاء لبنية تحتية خفيّة أمنيّة هائلة؟

الانتقال من الدفاع إلى المبادرة

لو أراد السائل أن يبحث عن قيمة البيان فيجد أمامه أنّه لا يكتفي بالنفي وحده. النفي الذي طالعنا به الشيخ يمكن أن يصدر عن أي جهة. أما الدعوة إلى دخول الجيش اللبناني، وإلى حضور الإعلام الدولي والهيئات الحقوقية والأممية، فهي النقطة الأكثر أهمية في النصّ كلّه. مع هذه المطالب انتقل الكلام من الدفاع إلى المبادرة، ومن الاعتراض إلى المطالبة بالتحقق. كأن الشيخ في بيانه يقول ببساطة: تعالوا وانظروا.

لغة البيان تسعى إلى القول إنّه يريد فتح أبواب المدينة أمام الحقيقة، وبالتالي إبعادها عن لغة من يريد بناء أسوار جديدة حول المدينة. من جهة مجاورة، هي لغة تعيد الاعتبار إلى الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الطبيعية في حماية المدن والدفاع عنها. هذا النداء يحمّلها مسؤولية مباشرة تجاه مدينة مهدّدة بالروايات كما هي مهددة بالقنابل ولا يحمِّلُ هذه المسؤولية لأي طرف آخر.

ولعل القراءة الأوفى للبيان تكمن في جهة بارزة أيضاً. نحن أمام نصٍ بدرجته الأولى يدافع عن النبطية ضد سرديّة إسرائيلية وإعلاميّة مشبوهة، وبدرجة أعلى يدافع عن حق المدينة في أن تُعرّف نفسها خارج منطق الحرب الدائمة. في البيان هناك رغبة واضحة في استعادة النبطية كمدينة طبيعية، بعيداً عن عنوانها العسكري. هذه المدينة هي بقعة يسكنها بشر لهم مصالحهم وحياتهم وأحلامهم، وليست حيّزاً جغرافياً محكوماً حصراً بمعادلات القوة والصراع.

بطبيعة الحال، لا تعني هذه القراءة تبنّي الخطاب الإسرائيلي، ولا تعني التسليم بمزاعمه، إنما على العكس تماماً. رفض الرواية المعادية لا يكتمل إلا برفض الصورة التي تريد فرضها على الجنوب كله. الصورة التي لا ترى في النبطية إلا موقعاً عسكريّاً مؤجّلاً، ولا ترى في أهلها إلا سكاناً يقيمون فوق بنك أهداف محتمل.

الدفاع عن فكرة المدينة نفسها

ما يلفتُ أيضاً أنّ إمام النبطية تحدّث عن النبطية باعتبارها مجرد تجمع عمراني، وفي سياق حديثه استحضر جبل عامل، والتاريخ، والثقافة، والأدب، والأسواق القديمة، والبيوت، والذاكرة الجماعية. وكأنه في كلامه المدروس يذكّر بأن الجنوب أرض إنتاج للحياة والمعنى والثقافة. وأن مدنه التي دفعت أثمان الحروب المتعاقبة تملك الحق في أن تُعرف بما تنتجه من حياة، بعيداً عما يُسقطه الآخرون عليها من تصورات أمنية.

البيان، في أوليّته،  دفاعٌ عن حجر وبشر وبناء وأحياء سكنيّة مترامية، وفي جوهره أيضاً، هو دفاع عن فكرة المدينة نفسها. عن حق النبطية في أن تكون النبطية، أن لا تكون متراساً متخيَّلاً في نشرات الأخبار، ولا أسطورة عسكرية في تقارير مجهولة المصادر، ولا هدفاً مشروعاً ينتظر لحظة التنفيذ.

يطرح بيان إمام النبطية سؤالاً يتجاوز النبطية: أي جنوب نريد بعد كل هذه الحروب؟ جنوباً يُختزل إلى جبهة مفتوحة إلى الأبد، أم جنوباً يستعيد مدنه وناسَه وحياته الطبيعية وحقه في المستقبل؟ في كلام إمام النبطية، وفي الإجابة عن هذا السؤال تكمن القيمة الحقيقية للبيان، وتكمن أيضاً أهمية التضامن معه.

* نشرت بتاريخ 15 حزيرتن 2026 على وقع المدن