صحف وآراء مجتمع

فوبيا الغريب وأزمة العلاقة بالأرض

*شهيد نكد

ترتفع في لبنان أصوات تنادي بحصر بيع العقارات بأبناء الملّة نفسها وعدم جواز بيعها للغريب. وفي أحيان كثيرة يُطرح الموضوع كأنّه جزء من مؤامرة مُحاكة ضدّ جماعة طائفية معيّنة، وخصوصاً المسيحيين. وبالرّغم من أن هذا الخوف وهذا الحرص مبرّران ومشروعان، إلّا أنّهما يبالغان في طرح الإشكالية من زاوية طائفية بحت، فتبقى قراءة أزمة أعمق بكثير من هويّة الشاري ناقصة وتُصبح تحريضيّة.  فموضوع بيع الأراضي خاضع لعوامل كثيرة ولا يجوز اختزالها طائفياً فقط: الحاجة الاقتصادية، الهجرة، تراجع الزّراعة، ضعف البلديات، غياب التخطيط، ارتفاع أسعار العقارات، التصنيف العشوائي للأراضي، الاقتصاد الرّيعي، والتطوير العقاري غير المدروس.

ولهذه الإشكالية وجه آخر نادراً ما نتوقّف عنده، فنسأل دائماً لماذا يبيع ابن المنطقة أرضه؟ ونتجاهل السؤال حول سبب امتناع أو عدم رغبة ابن المنطقة في الشّراء! هنا، تصبح الزاوية أوسع، ولا تعود المشكلة في الغريب الذي يريد الشّراء، بل في ضعف العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بين أبناء المنطقة وأرضهم. إلّا أن نقل ملكية عقار لا تنتهي عند الرغبة في البيع، بل تتخطّها إلى الرّغبة في الشراء. فالسؤال يصبح ليس فقط لماذا نبيع العقار، بل لماذا لا يشتريه ابن المنطقة. نسأل عن الرغبة في البيع، ولا نسأل عن غياب الرغبة في الشراء.

من هو الغريب؟

نحن لا نريد الغريب أن يشتري عقاراتنا، لكننا نريده أن يكون جزءا من حركتنا الاقتصادية وسوقنا الاستهلاكية ومواسمنا السياحية. وتفادياً للمثالية المجرّدة ومن باب الدقّة العلميّة، إن فكرة الغريب دائما ما كانت موجودة في كلّ المجتمعات. ففي السوسيولوجيا هي ليست بالضرّورة مقاربة سلبية، أو نَبذيّة، أو انعزالية. الغريب ليس بالضّرورة كلّ من يأتي من الخارج، بل هو الّذي يكون قريباً وبعيداً في الوقت نفسه؛ فهو يعيش في المكان، يتفاعل فيه ومع أهله، يكون جزءا من اقتصاده، وقد يملك عقاراً، لكنّه لا يحمل الذاكرة والعلاقة التاريخية ذاتها مع الأرض. وهذا الفهم للغريب يساعدنا في فهم علاقتنا بالمكان بدل صبّ الكراهيّة على الآخر. الغريب إذاً، قد يكون ابن المنطقة نفسه الذي انقطعت علاقته بالمكان، وأصبح لا يرى فيه سوى فرصة للبيع أو الاستثمار أو الرّبح. فمن لا يعرف ذاكرة المكان، ومن لا يحافظ على بيئته، ومن يغتصب التلّة والجبل والوادي والرّصيف ويحوّل الساحة العامة إلى موقف سيارات، لا يفقد فقط علاقته بالمكان والأرض، بل يصبح عدوّاً لدوداً لهما. وهنا تأتي الخطابات والمنشورات والبيانات الفئويّة لطمس هذه الحقائق وتحويل النقاش إلى معركة طائفية. ويخرج مفهوم الغريب من الإطار السوسيولوجي البنّاء ليتحوّل إلى حالة شوفينية مازوشيّة: نحتكر حقّ الانتماء إلى المكان، لا لشيء، سوى ممارسة عليه كلّ أشكال الإهمال والتشويه والعنف.

الأرض في وجه الاستهلاك

الوجه الآخر لهذه الظاهرة مرتبط بنمط العيش الذي انتهجه قسم كبير من أبناء مجتمعنا والذي يقوم على الاستهلاك المفرط والانخراط الكامل بالهيكليّة التي يفرضها علينا هذا النمط: سيارة أحدث، بيت أكبر، سفر أكثر، مظاهر اجتماعية أثقل، مناسبات اجتماعية أفخم، ملابس أغلى، وحياة يوميّة بحاجة لموارد دائمة ومتزايدة. وفي اقتصاد استهلاكي غير مُنتج حيث الزراعة والصناعة شبه منعدمين، وفرص العمل محدودة، كان لبدّ من إيجاد مورد قابل للتسييل. فجاءت الأرض بوصفها هذا المورد الأسهل والأخطر عل حدّ سواء. وقد شكّلت الأرض مورداً مهمّاً، لا بل أساسياً في تمويل هذا النمط. فالاستهلاك بحاجة إلى موارد دخل لا تنضب خصوصاً مع تطوّر الأسواق، والعرض، وكثرة المنتوجات ووسائل الترفيه.

وفي لحظة هذا التحوّل الكبير، جاءت الزبائنية السياسية لتستفيد منه وتوسّعه، وهي التي تحتاج وبشكل مستمرّ إلى موارد دخل من أجل تلبية حاجات ومتطلّبات المستفيدين. فجاء السوق العقاري ليسدّ عجزاً كبيراً ويفتح افقاً واسعاً لتأمين الموارد. صارت الأرض مادّة سياسية: نُصنّف من دون تخطيط، نشيّد بخلاف القوانين والأنظمة ثمّ نسوّي المخالفات، نشقّ طرقات تحاذي عقارات النافذين ليرتفع سعرُها وينخفض معه مستوي الحياة المدنية.  إذن، موضوع الأرض وبيعها وشرائها ليس أمراً عرضياً، بل هو مرآة لتحوّلات سياسية- اقتصادية- سلوكية طرأت على المجتمع منذ عقود.

لم يتمّ بيع الارض لأن الغريب كان يتربّص بها، بل لأن أهلها احتاجوا إلى تمويل نمط حياة لم يعد الدخل العادي قادراً على تمويله. فصارت قيمة الأرض مرتبطة بثمنها وبرفع هذا الثّمن عبر التصنيف، أو عبر تشييد مشروع عقاري عليها. إذاً، المشكلة بدأت قبل الشاري-الغريب، بدأت مع فقدان المكان لحرمته، وتحوّل الانتماء إلى حنين لا إلى سلوك.

الحرص على الأرض مشروع، لا بلّ ضروري، فمن الطبيعي أن يخشى الناس على أحيائهم وقراهم وذاكرتهم. من الطبيعي أن يقلقوا من تغيّر وجه المكان بسرعة، ومن أن تتحوّل الأرض الّتي ورثوها إلى سلعة في سوق لا يرحم. فحماية الأرض ليست ترفاً، وليست بالضرورة نزعة انعزالية، هي جزء من حماية الحضارة، والذاكرة، والبيئة، والهويّة المحلية. لكن الحماية لا تحصل عبر حملات التّشهير، ولا بخطاب التحريض، ولا بالنّظر إلى كلّ مشترٍ عدوّ، ولا بكلّ عمليّة بيع مؤامرة.

والاسوأ أن قسم كبير من أصحاب هذا الخطاب يدورون في فلك المرجعيات السياسية والدينية التي ساهمت بشكل مباشر في تحويل الأرض إلى سلعة عبر التصنيفات والاستثناءات والتسويات وتغطية المخالفات وتبادل المنافع. فمن يريد الدفاع عن الأرض عليه أن يبدأ من مواجهة من شوّهها، ومن صنّفها عشوائياً متغاضياً عن تطبيق الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي، ومن جعل البقاء فيها أصعب من بيعها. وقبل رفع الصوت ضدّ الغريب، يجب رفعه ضدّ من حوّل الانسان إلى غريب عن أرضه.

وإذا كان السلوك الاستهلاكي يشكّل واحدة من معضلات عصرنا، فالعلاقة مع المكان والأرض لا تحميها القوانين والخطابات. يجب العمل على تنشئة جيل يعرف أن الأرض هي بيئة ومسؤولية ومصدر حياة، وهذا يجب أن يكون في صلب التربية والتوعية المدنية في المدارس. فالأرض لا تُحمى بمنع الآخر من شرائها، بل ببناء علاقة جديّة معها: في التخطيط، والقانون، والتربية، والسلوك اليومي.

   * نشرت بتاريخ 13 حزيران 2026 على موقع المدن