الدكتور سعيد عيسى*
عندما يجري الحديث عن إسرائيل بوصفها قوة إقليمية، فإن النقاش غالباً ما ينطلق من عناصر القوة الصلبة التي تمتلكها الدولة العبرية، من تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي واقتصادي يمنحها موقعاً متقدماً مقارنة بمعظم دول المنطقة. غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بحجم القوة بحد ذاته، بل بحدود قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى هيمنة سياسية مستقرة ودائمة. فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط يظهر أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق الإرادة الخاصة للدولة الأقوى.
تزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى لبنان تحديداً. فمنذ عقود طويلة يشكل هذا البلد إحدى الساحات الأكثر حساسية في الصراع العربي الإسرائيلي، كما يشكل في الوقت نفسه مختبراً فعلياً لاختبار حدود القوة الإسرائيلية وحدود تأثيرها السياسي. فمن الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 إلى حرب تموز 2006 وصولاً إلى المواجهات التي شهدتها الحدود الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، ظل لبنان مساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية بصورة تجعل نتائج الصراع أكثر تعقيداً من مجرد حسابات الانتصار العسكري أو التفوق الميداني.
مفهوم القوة
لا شك في أن إسرائيل نجحت خلال العقود الماضية في ترسيخ موقعها كواحدة من أقوى الدول في الشرق الأوسط. وقد مكّنها ذلك من فرض وقائع أمنية جديدة في أكثر من ساحة ومن امتلاك قدرة ردع مؤثرة تجاه خصومها. إلا أن التجربة اللبنانية تكشف في المقابل حقيقة مختلفة تتعلق بطبيعة القوة ذاتها. فالتفوق العسكري يستطيع إضعاف الخصوم وإلحاق خسائر كبيرة بهم، لكنه لا يضمن بالضرورة إنتاج بيئة سياسية مستقرة أو نظام إقليمي متوافق بالكامل مع مصالح الدولة التي تمتلك هذا التفوق.
ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أوجه المفارقة في العلاقة بين إسرائيل ولبنان. فعلى الرغم من عقود طويلة من المواجهة، لم تنجح إسرائيل في الوصول إلى صيغة نهائية تلغي مصادر التهديد التي تراها قائمة على حدودها الشمالية. وفي المقابل، لم يتمكن خصومها أيضاً من فرض معادلة تنهي التفوق الإسرائيلي أو تغير بصورة جذرية موازين القوى القائمة. والنتيجة كانت انتقال المنطقة من مرحلة إلى أخرى ضمن سلسلة متواصلة من التوازنات المؤقتة التي يعاد إنتاجها مع كل جولة صراع جديدة.
الساحة اللبنانية
وفي السنوات الأخيرة عاد هذا الواقع ليظهر بصورة أكثر وضوحاً. فهناك من يرى أن الضغوط العسكرية والأمنية التي تمارسها إسرائيل قادرة على إعادة تشكيل المشهد اللبناني بما ينسجم مع رؤيتها الأمنية والسياسية. وفي المقابل، هناك من يتعامل مع استمرار التعقيدات اللبنانية بوصفه دليلاً على وصول إسرائيل إلى حدود قدرتها على التأثير. إلا أن كلا التفسيرين يتجاهل جانباً أساسياً من طبيعة الأزمة.
فإسرائيل تملك بالفعل أدوات تأثير كبيرة في الساحة اللبنانية، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو من خلال قدرتها على فرض كلفة أمنية واقتصادية وسياسية مرتفعة على خصومها. لكن التأثير في الأحداث يختلف عن القدرة على إعادة هندسة المجتمع أو النظام السياسي. فلبنان ليس مجرد ساحة مفتوحة أمام إرادة طرف واحد، بل هو نقطة تقاطع لمصالح قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة، وهو ما يجعل أي مشروع لإعادة تشكيله وفق رؤية أحادية مشروعاً شديد الصعوبة مهما بلغ حجم القوة المستخدمة.
توازنات الإقليم
ولا يمكن فصل هذا الواقع اللبناني عن التحولات التي تشهدها المنطقة ككل. فالشرق الأوسط اليوم لا يشبه الشرق الأوسط الذي عرفته إسرائيل في العقود السابقة. فتركيا تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والاستراتيجي في شرق المتوسط والمشرق العربي، وإيران ما زالت تحتفظ بموقع مؤثر في معادلات الإقليم رغم الضغوط التي تتعرض لها، فيما تعمل السعودية على ترسيخ دور إقليمي أكثر استقلالية وتأثيراً. ومع تعدد مراكز النفوذ الإقليمي، تصبح فكرة الهيمنة المطلقة أكثر صعوبة بالنسبة إلى أي دولة مهما بلغت قدراتها.
لهذا السبب يبدو التناقض الظاهري بين القوة الإسرائيلية واستمرار الاضطراب الإقليمي أقل غرابة مما يعتقد البعض. فإسرائيل تمتلك ما يكفي من القوة لمنع خصومها من تحقيق انتصار استراتيجي عليها، لكنها لا تمتلك بالضرورة ما يكفي من القوة لإعادة صياغة النظام الإقليمي وفق شروطها وحدها. وهذه المعضلة لا تخص إسرائيل وحدها، بل تعكس طبيعة الشرق الأوسط نفسه بوصفه فضاءً تتداخل فيه المصالح والهويات والصراعات بصورة تحد من قدرة أي قوة منفردة على فرض إرادتها بشكل كامل.
أما بالنسبة إلى لبنان، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقدير حجم القوة الإسرائيلية بقدر ما يكمن في فهم طبيعة المرحلة الإقليمية التي تتشكل حوله. فالبلد يقف اليوم عند تقاطع عملية واسعة لإعادة توزيع النفوذ وإعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية ومحاولات بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح الدول الهشة أكثر عرضة للتأثر بالتجاذبات المحيطة بها، لكنها تتحول أيضاً إلى ساحات تعكس حدود القوة التي تمتلكها الأطراف المتنافسة.
لذلك فإن النقاش حول إسرائيل كقوة إقليمية لا ينبغي أن ينحصر في سجال حول من انتصر ومن خسر، بل في محاولة لفهم العلاقة المعقدة بين القوة العسكرية والقدرة السياسية. فالتجربة اللبنانية تشير بوضوح إلى أن امتلاك أدوات القوة لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار أو لفرض ترتيبات سياسية طويلة الأمد. كما تشير في الوقت نفسه إلى أن الدول الضعيفة ليست مجرد متلقٍ سلبي للضغوط الخارجية، بل يمكنها أحياناً أن تفرض على القوى الأكبر منها قيوداً وحدوداً لم تكن تتوقعها.
تأسيساً على ما سبق، تبدو إسرائيل قوة إقليمية فعلية بكل المقاييس العسكرية والتكنولوجية والاستراتيجية، لكنها ليست قوة مهيمنة على الشرق الأوسط. أما لبنان، فيبقى إحدى الساحات الأكثر وضوحاً لفهم هذا الفارق بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على تحويلها إلى نفوذ سياسي دائم. وربما تكمن أهمية الحالة اللبنانية في أنها لا تكشف فقط حدود القوة الإسرائيلية، بل تكشف أيضاً طبيعة المرحلة الإقليمية الجديدة التي تتشكل في المنطقة، حيث تتراجع فرص الهيمنة المطلقة لمصلحة توازنات أكثر تعقيداً وتشابكاً.
* نشرت بتاريخ 13 حزيران 2026 على موقع بوليتيكا
